الرئيسية » مقالات » الانترنيت احد أدوات العولمة : الحلقة الثانية ( 22)

الانترنيت احد أدوات العولمة : الحلقة الثانية ( 22)

الانترنيت كلمة أصلها من {international net work} أي “الشبكة الدولية ” فتشكلت من بداية كلتا الكلمتين ، كلمة انترنيت 0 التي هي عبارة عن مجموعة هائلة من الحواسب المختلفة الأحجام و الطراز ، تربط بينها شبكات متعددة العقد 0

و الهدف منها تسهيل الحصول و سرعة تبادل المعلومات على اختلاف أنواعها و أشكالها ، و يقدر عدد الحواسب المستخدمة {server} بحوالي (14) مليون حاسب 0 و عدد المشتركين بحوالي (60)مليون في الشهر السابع من عام 1997م حسب إحصائيات ، الاتحاد الدولي للاتصالات 0 ومن الجدير بالذكر أن الأرقام الحقيقية أكثر من ذلك ، نظرا لتزايدها يوميا 0 و من غير المجدي إعطاء إحصائيات ، و أخذها على أنها أرقام مسلم بها على هذه الشبكة 0

ومن ايجابيات الانترنيت أنها حققت حلما خياليا ، و هو أن يكون كامل مخزون العالم من المعرفة ، متوفرا لأي كان وفي أي مكان و زمان ، و تزايد النشر الالكتروني ، فحوالي 15000 صحيفة و 3760 دورية و 56000 كتاب يتم نشرها سنويا على الانترنيت 0

فمن يملك الانترنيت ومن هي الجهة التي تديرها و تتحكم بها ؟
الانترنيت كشبكة المقاسم الدولية ، لا تملكها جهة معينة بمفردها ، و إنما كل جزء من هذه الشبكة ، تقع تحت سيطرة الجهة التي تديرها و تمولها و تتحكم بها 0 فمقاسم سورية تعود إدارتها لمؤسسة الاتصالات ، و مقاسم الولايات المتحدة ترجع لشركات 0 sprint mci atft 0

و يمكن أن يمثل غزو الانترنيت للمجتمعات التقليدية ، فرصة نادرة أو تهديدا خطيرا ، و ذلك وفقا لطبيعة تعامل الطرف الآخر “شعوبنا و حكومات” فإذا تم التفاعل معها و الاستفادة منها ، قد تصبح فرصة ، و إذا تم الاستسلام لها و الضياع فيها ، قد تتحول إلى تهديد حقيقي 0

و يمكن القول أن الانترنيت قد أحدثت ثورة في مجال الاتصالات و سيؤثر على طبيعة المعرفة الإنسانية ، و هذا التطور سيسمح للإنسان بتكوين رؤيته للعالم أكثر شمولا مما هو موجود اليوم 0 و لكن هناك عقبات أمام شعوبنا حتى تصل إلى هذا المستوى : و هي

1- تكاليف استخدام الانترنيت تمثل عقبة أمام الأفراد و على مستوى البلاد0 الانترنيت من شأنها أن تتيح الاطلاع على المعلومات ، إلا أن ذلك يبقى نظريا ، و هناك مخاطر ظهور ” نخبوية إعلامية جديدة ” 0

2- تأثر جماعات قادرة معينة ، أو بلاد ، بالمعلومات و تحرم منها بلاد أو أفراد آخرون لعدم توفر الوسائل 0 و هكذا يمكن للفجوة أن تزداد بين الدول الغنية و الفقيرة ، مما ينتج عنه ما يسمى ” الفقر ألمعلوماتي ” أي عودة عهود الإقطاع بطريقة ما ، عندما كان التعليم مقتصرا على أولاد ” البكوات و الأفندية ” 0

3- ستزداد التعاملات التجارية و المالية و الاقتصادية عن طريق الانترنيت ، و بالتالي فان الدول الفقيرة لا تملك فرصة للاشتراك فيها 0

4- هناك تساؤلات عن تأثير الانترنيت على هجرة العقول ، كما أن استخدام اللغة الانكليزية سيخلق الصعوبات أمام من لا يجيدون هذه اللغة 0 مما يحرمهم من الاستفادة من هذه الإمكانيات الهائلة ، كما أن أغلب المعلومات الواردة على شبكة من الدول الغنية 0

5- من المخاوف السائدة لدينا أيضا ، أن انترنيت تنقل ألينا قيم و أساليب المجتمع الاستهلاكي الغربي ، كما أنها قد تتحول إلى أداة لهيمنة الثقافة الغربية ، مثل غزو برامج التلفزيون الأمريكية للعالم 0( عند وجود فلمين يعرضان في نفس الوقت ، أحدهما مم و زين و الآخر لفان دام ، فأيهما سوف نختار ) 0

6- بالإضافة إلى سرعة و حرية تدفق المعلومات ، بغير قيود و لا حدود و دون مراعاة للقيم الأخلاقية للمجتمعات المختلفة ، و عدم إمكانية السيطرة عليها 0

العولمة و السيادة :
يمكن تعريف السيادة : بأنها (قدرة الدولة على ممارسة سلطاتها الداخلية و الخارجية بشكل مستقل ) و بكلمة أخرى فالسيادة هي ( استقلالية القرار الوطني ، في المجال الداخلي و الخارجي ) 0

إن مجرد المقارنة بين تعريف العولمة من جهة و تعريف السيادة من جهة أخرى ، يجعلنا نكتشف منذ الوهلة الأولى ، مقدار التناقض بين التعريفين 0 إذ أن السيادة و خاصة في مفهومها الكلاسيكي المطلق ، تقف حائلا دون نجاح عملية العولمة التي تفرض على الدول ، التخلي طوعا أو كرها ، عن فكرة السيادة الوطنية ، التي ظلت مطبقة في المجتمع الدولي ، طيلة ثلاثة قرون ، حتى أصبحت ركنا من أركانه 0

قد يقول قائل : أن مبدأ السيادة الآن قد ولى و انقضى إلى غير رجعة ، بعد أن تم انتهاكه عدة مرات من قبل الولايات المتحدة و أخواتها في الصومال و هايتي و ليبيا و العراق و البوسنة و أفغانستان 0 و لكن ردنا على ذلك هو : أن جميع هذه الانتهاكات كانت بمثابة (استثناءات ) من مبدأ 0 و الاستثناء لا ينفي و لا يلغي القاعدة 0 كما أن جميع هذه الاستثناءات تصب في خانة العلاقات الدولية لا القانون الدولي لأن الأولى تبحث في العلاقات القائمة بين الدول ( كما هي كائنة فعلا ) ، و أما القانون الدولي ، فهو علم معياري و يبحث في (ما يجب أن يكون ) في الوقت الذي نجد فيه بعض المفكرين الأوربيين ، يقفون إلى جانب الدول الصغيرة و الدول النامية ، في الدفاع عن سيادتها تجاه غول العولمة ، مثل الأكاديمي الفرنسي موريس دريون الذي يقول في هذا السياق ” إن كل تقدم تقني ، يخلق كارثة تستوجب تقدما تقنيا آخر لعلاجها و تداركها “0

بينما نجد بعض المفكرين العرب ينادونا بإزالة الحدود و السدود بين الدول في سبيل انتصار العولمة مثل إدريس العلوي العبدلاوي حيث يقول في ندوة رسمية عن العولمة و الهوية : ( إن حدة التمسك بالسلطات و السيادة المطلقة من جانب الدول ، بدأت تخف شيئا فشيئا ، بشعور زيادة الحاجة للتعاون و التضامن فيما بينها ، و سوف يأتي اليوم الذي تشعر فيه الدول شعور اليقين بأن عالم اليوم ، يجب أن تختفي فيه الحدود لتتعايش فيه الشعوب 000 و من ملامح هذا التوجه العام ، ذوبان القومية الوطنية في أشكال من الشراكة و التكتلات و سقوط ما يسمى بالحواجز القائمة على التميز العرقي أو الديني 0

هكذا يمكن القول أن السيادة و العولمة عدوان لا يجتمعان 0 و لابد لأحدهما أن يقضي على الآخر ، و يتنبأ الكاتب إدريس بأن العولمة ستتغلب على السيادة ، و بما أن السيادة تعتمد على الشعور الوطنية أو القومية ، فأن العولمة لا يمكن أن تنجح في إزالة السيادة من طريقها ألا أذا خلقت شعورا أعلى من الشعور الوطني ، و هو هنا المصلحة المادية ، وولاء لمنظمات و مؤسسات خارجة على حدود الدول ، و يتمثل ذلك بالشركات المتعددة الجنسية ، و التي سيزداد حجمها إلى درجة تصبح فيها أقوى من الدول من قبيل الشركات العابرة للقارات 0

و يقول الباحث الأكاديمي (د0 نسيم الخوري ) ، في رصد هذا التحول : ( كما أن العولمة تحمل تهديدا لحرية و سيادة الدول النامية ، و بروز دور الشركات متعددة الجنسية ، التي سيبرز دورها على حساب الدول 000أذ أن الأبرز في ظاهرة العولمة ، هو اشتداد الميل عند الشركات المتعددة الجنسيات ، الى التحرر و الانفلات من الدول الوطنية وصولا إلى الاستغناء عنها 000 و تسعى هذه للسيطرة على التطورات الاقتصادية الحالية في بلدان النامية ، ويبدو أن الشركات الاقتصادية تهمش دور الدول بالمعنى السياسي ، و تفرض قراراتها على الاقتصاد الوطني ، فالاقتصاد أصبح سيد السياسة في العالم) 0

و يبدو حجة أنصار زوال السيادة ” انحصار السياسي ” أمام حجة العولمة ” تقدم الاقتصادي ” ساذجة تماما ، إذ أنهم يعتمدون على أن زوال الحدود السياسية والحواجز الجمركية ، سيكون شاملا للعالم بأسره ، و بهذا تكون دول أو أمم العالم في حالة مساواة تامة ، و لكن فاتهم في هذه الحالة أن المستفيد – أن لم نقل الغالب – ستكون دوما الدول الأغنى و الأقوى و الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية 0

و مع احترامنا لجميع دول العالم ، فان وضع الولايات المتحدة الأمريكية مع زيمبابوي ، في منافسة تجارية ، سيؤدي إلى نتيجة واحدة معروفة سلفا ، و بهذا نتأكد أن المساواة ليست أمرا عادلا على الدوام ، أي كما يقول المثل الروماني القديم ( قمة العدل يمكن أن تؤدي إلى ذروة الظلم ) 0

و يعترف بعض الكتاب الأجانب ، بل و حتى الأمريكان بهذا المستقبل الرديء الذي ستعيشه الدول النامية في أحضان العولمة ، و هذا ما نجده لدى الكاتب الاقتصادي الأمريكي توم فريدمان الذي يقول بصراحة تقترب من الصفاقة : ( نحن أمام معارك سياسية و حضارية فظيعة 0 العولمة هي الأمركة ، و الولايات المتحدة قوة مجنونة 0 نحن قوة ثورية خطيرة 0 أولئك الذين يخشوننا على حق 0 إن صندوق النقد الدولي قطة أليفة ، بالمقارنة مع العولمة 0 في الماضي كان الكبير يأكل الصغير ، أما الآن فالسريع يأكل المبطئ ) 0

ومن هذا يبدو لنا ، و بوضوح كامل في الرؤية ، أن العولمة هي نوع من القولبة و الهيمنة وحيدة الاتجاه ، و أن الاستكانة لها ، يعني قبول الدول الوطنية بشكل تلقائي ، بالتنازل عن سيادتها و عن ثرواتها الوطنية ، وعن حقوقها السياسية لفائدة الجماعات الضاغطة ، و مراكز القوى التي تتحكم في عالمنا الجديد ، علما أن ( مجموع عدد المتحكمين فيه حاليا نحو مائتي قوة رأسمالية اقتصادية جديدة ، تمثل أكثر من نصفها شركات متعددة الجنسية تملي مناهجها الرأسمالية المتوحشة ، و سياستها الاقتصادية على العالم كله من حولها ) 0

آلية العولمة :
هل هناك آلية محددة للعولمة ؟ و هل تحتوي مراحل معينة في تطورها ، بحيث تستطيع الدول النامية و الصغرى أن تسترد أنفاسها و تقرر الأفعال ؟ أو بالأحرى ردود الأفعال ، التي عليها أن تتخذها دفاعا عن نفسها و مصالحها ؟ من المعلوم أن نظام العولمة في غايته النهائية ( يريد عالما من دون دولة ، من دون أمة ، من دون وطن ) ولكن هل يتم الوصول إلى هذا الهدف دفعة واحدة ، أم على مراحل ؟ 0

ليس المهم في هذا المجال هو المراحل و إنما المهم هو النتائج و هناك من الباحثين ، من حلل و تنبأ بأن هذه العولمة : تسير وفق منهج يفضي إلى النتائج المتلاحقة التالية ، و هي :

1- تطويق الإنتاج القومي الاقتصادي بمنافسة غير متكافئة ، مما يؤدي إلى المزيد من انتشار البطالة 0

2- تقليص تدخل الدولة الوطنية في توجيه اقتصادها ، و في تحقيق التوازنات الضرورية لحماية المصالح القومية 0

3- تطويق الإبداع الأدبي و الفني لدى الشعوب ذات الهويات الثقافية 0

4- تهميش الثقافة الوطنية و اللغة القومية ، بفرض لغة و ثقافة القطب الاقتصادي الذي ينتج وحده ، و يفرض لغته و طريقته عبر وسائل الاتصال و التواصل وحده 0

5- تقليص العلاقة الحميمة بين المثقف و بين الخبرة المباشرة بعمله ، و بالحياة من حوله ؛ فعولمة الأعلام تقدم للمثقف كل ما كان يختبره بنفسه ، تقدمه جاهزا موثقا ، فتغنيه عن الانتقال في الزمان و المكان ، وعن المعاناة تطوير خبرته الجمالية و الاستدلالية ، فيصبح تلقيه للمعارف و الخبرات ، تلقيا آليا ، تمهيدا لجعل الإنسان في المستقبل ، نسخا متكررة تفكر و تتذوق و تستدل بطريقه شبه موحدة 0 أما ما يستعصى على التوحيد و الآلية كالفلسفة و الشعر ، فينقرض تدريجيا 0

و السؤال الذي يفرض نفسه هنا ، هو هل تملك الدول إمكانية الحفاظ على سيادتها في النظام العالمي الجديد ، و الوقوف في وجه العولمة ؟ 0

إن نفرا من الباحثين يرى : ” أن العولمة قدر لا مفر منه ، و أنها ستصيب الأمم و الدول جميعها ، و لا سبيل أمام تلك الدول إلا الخضوع و الاستسلام 0 ”

و يعبر عن هذا الموقف بكل صراحة الكاتب الأمريكي توم فريدمان ، الذي يقول : ( العولمة أمر واقع و على اللاعبين العالميين ، إما الانسجام معه و استيعابه ، و إما الإصرار على العيش في الماضي ، و بالتالي خسارة كل شيء و ذلك لأن الخيارات باتت اليوم أضيق منها في الزمن الماضي ، وانه لا بد من القبول بالأمر الواقع )0

و هكذا يخبرنا المستر توم فريدمان ، بكل خبث ، و يخيرنا بين أمرين لا ثالث لهما : إما القبول بالعولمة كما هي ، كأمر واقع ، و إما العيش في الماضي 0

البحث عن طريق ثالث :
كان الصراع الايديولجي الذي هيمن على القرن العشرين ، قد دار أساسا بين الاشتراكية و الرأسمالية ، فهل هناك إمكانية لوجود نظرية أو وسيلة علمية لإجراء عملية تاريخية كبرى تتمثل في التقارب بينهما ، و قد أثير هذا السؤال من قبل الساسة و الباحثين ، مرات عديدة ، حيث عقدت ندوة في كلية الحقوق ، في جامعة نيويورك ، صيف عام 1998 موضوعها : ( الطريق الثالث ) و حضرها الرئيس الأمريكي السابق ببل كلينتون ، ورئيس وزراء بريطانيا السابق طوني بلير ، و زعماء أوروبيون اشتراكيون ، و كان الغرض الرئيسي منها هو تبادل و طرح الأفكار دعما للجهود الرامية إلى أيجاد حل للمشكلات العالمية المعاصرة 0

و طرحت بعض الأفكار و التساؤلات و التي بدورنا نطرحها على القراء للبحث و المناقشة منها :

– هل آن الأوان لتطبيق الاتجاه التوفيقي الذي يهدف إلى الجمع بين قيم كانت تبدو متعارضة في جو الاستقطاب الأيديولوجي الذي ساد القرن العشرين ، و خصوصا بعد سقوط الصيغ الثنائية و منها

– الاشتراكية أو الرأسمالية ؟

الاتجاه التوفيقي : هل ستكون هناك محاولات للتوفيق بين

– الفردية و الجماعية على الصعيد الأيديولوجي و الاقتصادي و السياسي 0

– بين العلمانية و الدين 0

– بين عمومية و شمولية الديمقراطية ، و خصوصية التطبيق 0

– بين القطاع العام و القطاع الخاص 0

– بين الاستقلال الوطني و الاعتماد المتبادل بين الدول 0

– بين المصلحة القطرية و المصلحة الإقليمية 0

– بين الأنا و الآخر على الصعيد الحضاري 0

– بين الدولة المركزية الكبيرة في مواجهة التجمعات المحلية 0

– بين التحديث الإنتاج و زيادة الاستهلاك و تنويعه 0

– بين الإعلام القطري و الإعلام العالمي 0

– بين زيادة معدلات التنمية في البلاد المتقدمة و مساعدة العالم الثالث 0

و يتسم النموذج التوفيقي المذكور ب :

1- التسامح الثقافي المبني على مبدأ النسبية الثقافية ، في مواجهة العنصرية المركزية 0

2- النسبية الفكرية بعد أن تنتصر على الأخلاقية الأيديولوجية 0

3- إطلاق الطاقات الخلاقة للإنسان ، في سياقات ديمقراطية على كافة المستويات

4- العودة إلى إحياء المجتمعات المحلية و تقليص مركزية الدولة 0

5- إحياء المجتمع المدني في مواجهة الدولة التي غزت المجال العالمي مثل تنظيمات حقوق الإنسان0

6- التوازن بين القيم المادية و القيم الروحية و الإنسانية 0

ضمن هذه التصورات و الفرضيات ، يمكن القول إن العالم يشهد المرحلة الأخيرة من حضارة منهارة ، و بداية تشكل حضارة جديدة شعارها ( وحدة الجنس البشري ) و الطريق الثالث المطروح في هذا المجال ، لهل ثلاثة اتجاهات :

1- الطريق الثالث يمكن أن يكون هو الطريق الوسط بين بديلين : بين اليسار و اليمين 0

2- الطريق الثالث قد لا يكون سوى صيغة معدلة للاشتراكية الديمقراطية 0

3- الطريق الثالث قد يشير إلى تأليف جديد ، ينتمي إلى اليسار الإصلاحي 0

أما بخصوص العلاقة بين الأكراد و الدول التي تقتسم أراضي كردستان ، فما زال أمامها فرصة كبيرة في تغير نظرتها للأكراد و التعامل معهم و فتح الحوارات على أساس حقهم في العيش على أراضيهم التاريخية بحرية و سلام ، و على هذه الدول الكف عن التعامل مع الأكراد على أسس أمنية ، بل عليها أن ، ترفع شعارات الديمقراطية الحقيقية ، و التعددية الفكرية و السياسية و قبول رأي الآخر الذي هو في مصلحة هذا الوطن العزيز علينا جميعنا ، و احترام حقوق الإنسان بشكل عام ، و الحق الكردي بشكل خاص 0

و ليعلموا أن الوقت مازال أمامهم لبناء وحدة وطنية حقيقية ، و عدم إعطاء الفرصة لأحد للتدخل بينهم و خاصة ما نراه اليوم من تغيرات في العلاقات الدولية ، حيث أصبح حق التدخل يفرض فرضا على الدول التي لا تلتزم بقوانين حقوق الإنسان 0

و هكذا يمكن القول أن تحديات العولمة متعددة و هي ذات أبعاد سياسية و اقتصادية و ثقافية و عسكرية ، و تحتاج إلى جهد كبير من قبل صناع القرار ، للتعامل معها ، لأن الطريق الوحيد أمامنا هو التفاعل الايجابي الخلاق مع التغيرات العالمية الجديدة 0

من هنا نرى بأننا نملك خيارا ثالثا ، و هو قبول كل ما يناسبنا و يفيدنا من العولمة ، و العيش في المستقبل بدلا من العيش في الماضي 0 إن العولمة فيها بلا ريب عناصر ايجابية ، و هي قلة ، و فيها عناصر سلبية ، و نحن نريد أن نستفيد من كل ما تقدمه لنا من عناصر ايجابية ( ثورة الاتصالات مثلا ) ، و أن نحتفظ في المقابل ، بحقنا في رفض كل ما يضرنا ، أو يلغي ثقافتنا القومية ، أو يمس كرامتنا الوطنية ، و هذا أمر ممكن فيما أذا تم بذل الجهد اللازم له 0

إن العولمة تشبه سيلا جارفا لا مفر لنا من الارتماء في لجته ، و من المستحيل عمليا أن نسبح في السيل ضد التيار ، و لكن من الممكن لنا أذا تعلمنا السباحة بشكل جيد ، و تزودنا بنوع من الملابس الجيدة ، الواقية من البلل ، أن لا نغرق في لجة التيار ، بل يمكن أن نضمن عدم انجرافنا – دون أرادتنا – بمياه السيل الهادر 0

و إذا انتقلنا من لغة الاستعارة إلى لغة الواقع ، نقول أنه يمكن لدولنا ، أذا شاءت أن تبني مفهوم جديد و معاصر للسيادة ، و هو مفهوم ( السيادة النسبية ) لا المطلقة ، و التمتع مقابل ذلك بمحاسن و ايجابيات العولمة ، أذا ثبت أن لها مثل هذه الايجابيات 0 و بهذا يصبح الأمر بمثابة تنازل عن بعض الحقوق في سبيل حيازة مقدار أكبر من المنافع ، و الوصول إلى درجة أعلى من التنمية و الرفاهية ، و كل ذلك مع الحفاظ على هويتنا و ثقافتنا و قيمنا و شخصيتنا القومية المتميزة ، و إلا فلا 0

إن الهوية تعني ( التميز عن الأغيار ) ، و هذا لا يعني أننا نبشر بمذهب عرقي فيه تفضيل لنا على غيرنا ، و أنما مجرد دفاع شخصي ضد من يريد ( قولبتنا ) حسب قوالب و أنماط خاصة ، يرضى عنها 0

و لسنا الوحيدين الذين نقف هذا الموقف ، بل هناك عدد كبير من الشعوب الأوربية التي تشاركنا فيه ، و على رأسها فرنسا ، و ها هو واحد من كبار الأكاديميين الفرنسيين يجسد هذا الموقف ، فيقول : ” إن العولمة تنذر بوقوع كارثة ، ستكون أخلاقية هذه المرة ، أعني ( التنميط ) ، و ينطوي هذا التنميط على نوع من القصور ، الذي يعتبر بمثابة حالة الموت 0 أننا نخشى أن تؤدي العولمة الى نضوب معين التجديد الخلاق ، لأن الاختلاف الفكري يؤدي الى تنشيط الفكر ، و بالتالي التبادل و التنوع ، مما يؤدي الى تحفيز العقلي و أذا ما أرادت العولمة أن تكون ايجابية ، فعليها أن تأخذ من عدة ثقافات ” 0

و الحل ليس في محاربة العولمة و مقاطعتها ، إذ أن المقاطعة قد تجر نتائج أخطر بكثير من تحمل أثار العولمة نفسها ، و الأمر المفضل ، هو ( تحصين ) المجتمع و العقل من أثار العولمة الضارة مسبقا ، و في نفس الوقت أن لا نرد أبوابنا في وجه ايجابيات العولمة و محاسنها 0

المصادر والمراجع التي اعتمد عليها هذا البحث :

1- محمد عابد الجابري : الإيديولوجية العولمية و الإمبراطورية العالمية – جريدة الشرق الأوسط – العدد الصادر في 6 2 1997م0

2- صلاح بدر الدين : القضية الكردية أمام التحديات ، السلام – العولمة – مطبوعات رابطة كاوا للثقافة الكردية 1999م0

3- جريدة الثورة : العدد 10857 تاريخ 184 1999م0

4- مجلة الأجراس : العدد 12 صيف 2001م مقالة د 0 طيب تزيني بعنوان ( الديمقراطية و التغير ما بين المجتمع المدني و الدولة الحديثة ) 0

5- د 0 نسيم الخوري : العولمة و الأعلام – بحث منشور في مجلة الدفاع الوطني اللبناني – العدد 24 نيسان 1998م ص 108- 115 0

6- اندريه زولاي : عن مداخلته في ندوة ( العولمة و الهوية )التي نظمتها الأكاديمية الملكية المغربية سنة 1997م – مطبوعات أكاديمية المغربية – الرباط1997م ص36 0

7- محمد الكناني : في بحثه الموسوم ( أي منظور و مستقبل الهوية في مواجهة تحديات العولمة ) مجموعة بحوث الندوة التي أقامتها أكاديمية الملكية المغربية – مطبوعات الأكاديمية الملكية المغربية – الرباط – ص 68 0

8- جريدة الحياة :العدد تاريخ 2211997م 0

9- د – ناصر الدين الأسد: الهوية و العولمة – المرجع السابق – ص 59 -61 0

10- د0 إحسان هندي : العولمة و أثرها السلبي على سيادة الدولة – مجلة الفكر العسكري – العدد الثاني لعام 2001م 0

11- توم فريدمان : المصدر المذكور ضمن البحث 0

12- موريس دريون : ندوة العولمة و الهوية – مطبوعات الملكية المغربية – ص 243 0

13- إدريس العلوي العبدلاوي : في كلمته حول العولمة و الهوية – المصدر السابق –ص 49- 50

14- د0إحسان هندي : مبادئ القانون الدولي العام في الحرب و السلم – دار الجليل – دمشق 1984م

15- جريدة الشرق الأوسط : لندن – العدد الصادر في 721997م 0

16- محمد نجيب بلخوجه : في بحثه الموسوم ( ايجابيات العولمة و سلبياتها ) – مطبوعات الملكية المغربية – ص- 100 0

17- د0معن ألنقري العولمة(الكوكبة)ووجوهها وأبعادها–منشورات مطبعة اليازجي–دمشق1999م0

18- محاضرات العرب و العولمة – التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت – تاريخ18-20 11 1997م 0 مطبوعات مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 0

19- مجلة الفكر العسكري : العدد الخامس – عام 2001م – ص97 0

20- كوفي عنان : (الأمين العام للأمم المتحدة ) في شرحه للنظام العالمي الجديد – العولمة – بمقر الأمم المتحدة – نقلا عن إذاعة لندن في 2012002 للنشر و شكرا