الرئيسية » مقالات » الضربة الكيمياوية الأولى في باليسان !

الضربة الكيمياوية الأولى في باليسان !

في ربيع 1987، وكانت الثلوج تذوب مشكّلة غدراناً، والخضرة قد بدأت تكسو الروابي، استلم مكتب الفوج 31 برقية معممة الى وحدات البيشمه ركةالأنصار افادت استعداد عشائر بشدر و عشائر منطقة رانية، جوارقورنة، بتوين لأعلان انتفاضة عارمة ضد الدكتاتورية الشوفينية ومعاقبة رجالها على حملة التهجير الدموية التي كانت تقوم بها وحداتها بحق قصبات وقرى كردستان العراق، متسببة بقتل وتشريد عشرات الآلاف من سكانها المدنيين العزّل رجالاً ونساءاً، شيوخاً واطفالاً .
ولابد من الأشارة هنا، الى ان منظمات البيشمركة والأنصار بكل فصائلها ومنظماتها كانت ملتزمة بعدم ضرب الجيش الذاهب او القادم من الجبهة، وسارت في عملياتها واعمالها السياسية والعسكرية بوجهة تحييد ومحاولة كسب الجيش وودّه . . لقد كانت امينة للشعار الذي رفعته الجماهير منذ انتفاضة ربيع 1982 ” نحن اخوان الجنود واعداء الدكتاتورية الفاشية ” .
الاّ ان الدكتاتورية كانت تحاول وبكل الطرق تدمير تلك الوجهة، فكانت تقوم بخطط مرسومة تزج فيها بالوحدات العسكرية النظامية للقيام باخس الأعمال العسكرية ضد الجماهير من حرق وتدمير وتهجير ونسف الأحياء السكنية، اضافة الى زجها بكل اصناف القوة الجوية وكل اصناف اسلحة الجيش، لتحقيق تلك الأهداف الشوفينية .
خالقة بذلك معادلة متوحشة لأمرار سياساتها باشعال الحروب، ولأمرار محاولاتها لكسر الحركة الشعبية الكوردستانية وعموم الحركة الشعبية العراقية بكل الوسائل، ولأظهارها بكونها كما لو كانت حركات تخريبية هدفها تحطيم الجيش العراقي واعاقته عن (اداء دوره في الدفاع عن الوطن) على حدّ تعبيرها، لصرف الأنظار عنها وعن خيانتها العظمى للوطن باشعالها الحرب وزجّ البلاد بلا مبالاة بمخاطر التدمير الهائل الذي كانت تواجهه، حفاظاً على كرسي حكمها بكل الوسائل .
لقد كانت السلطة تتخبّط في اجراءاتها الوحشية لمواجهة تصاعد حركة البيشمه ركة بكل منظماتها في كردستان ولمواجهة تهديدها ايّاها بالنفوذ الى مدن وحواضر كبيرة، بعد ان أمّنت الدخول والتواجد في عدد متزايد من القصبات الكردستانية وسط حماس وترحيب ودعم اهاليها. وكان تخبّط السلطة ذاك جزءاً من تخلخل وانهيار قبضتها في العديد من مناطق العراق وليس في كوردستان فقط، كما في قرى وقصبات مناطق الأهوار اثر انهيارات قواتها في جبهات القتال وخاصة في الجنوب، وانكسارها في الفاو .
فتم اعداد مفرزة صغيرة لمرافقتي وعلى عجل لأبلاغ س ملا عثمان/ خوشناوتي المنتشرة في مناطق حرير وشقلاوة وخوشناوتي تلك الأنباء ولمناقشة مدى امكانياتهم للمساهمة وكيف . . لعدم وجود اتصال لاسلكي معهم، بعد ان قررت قيادات بيشمه ركة الأحزاب المتواجدة هناك (1)، اسناد الأنتفاضة والتفاعل معها وتطويرها الى نجاحات اكبر، ووضع خطط جديدة للحركة بتلك الوجهة .
وصلت المفرزة الى قرية ” كاني جيز” حيث شجرة جوز القرية العملاقة المتفردة قائمة على نبع الماء الذي كان مستمراً بالتدفّق رغم محاولات الوحدات الخاصة سدّه اثناء تهجير القرية وتهديم بيوتها ومسجدها !
وبعد ان انتهينا من تناول شئ من طعام محفوظ كان كلّ منّا يحمل حصّته منه، اخذنا نستعد لقضاء الليلة هناك ونحن مبللين نرتعد من البرد ولانستطيع ان نشعل ناراً كي نتدفأ بها، في منطقة مكشوفة تشرف عليها ربايا عسكرية عدة . . فبعد ان نظّمنا الحراسة وتمددنا منهكين، كلٌّ في مكان اعدّه لنفسه من الأعشاب الأقل رطوبة . . مرّت بنا مجموعة من سرية خوشناوتي، كانت متوجهة الى قوتها المنتشرة في مدينة شقلاوة في ذلك الوقت، فاخبرناهم بالمستجدات لأخبار انصار سريتهم والتهيؤ وفق ظرفهم.
وبينما كان الظلام يرخي سدوله وفي حدود الثامنة مساءاً . . . شقّ السكون هديرسمتيات كان يتصاعد بشكل سريع متواصل، فاسرع كلّ منّا الى سلاحه متخذاً وضع القتال، الاّ ان السمتيات الأربعة التي كانت احداها تكشف مسافة طويلة من الفضاء الذي امامها بضوئها الكاشف القوي، واصلت طيرانها السريع واجتازتنا بسرعة لتليها اربع سمتيات أخرى ثم أخرى ، قادمة من جهة شقلاوة نحو ماوراء جبل ” هه وري ” . . . الى ” دولي باليسان ” .
ولمّا كانت قواعد الأنصار تشدد بعدم اطلاق النار وعدم كشف موقع القوة الصغيرة وخاصة التي ليس بحوزتها مضاد للدروع ولامضاد للجو، والأكتفاء بالأختفاء والسكون لتتوقى التدمير والفناء ان كشفتها اعداد السمتيات تلك او قامت بانزال جويّ عليها . . احكمنا ا استعدادنا على الأرض واخذنا مواقع القتال خشية تقدم بريّ، قد يترافق معها ويستتر بالظلام، في تلك المنطقة المهجورة الواسعة التي أُخليت من القرى والبشر.
وقد حاول أحد الأنصار التنصت على احاديث طياري السمتيات، بالترانزستور الجيد الذي كان بحيازته بعد ان حوّل الموجة التي كان يتسمّع عليها اغاني ” طاهر توفيق ” ، الى موجة FM ، ولكن بلا جدوى . . لاصوت ! فيما لفّ الصمت كل ما احاط بنا ، عدا هدير السمتيات المتنوّع الشدة ! !
وبينما كان الوقت يمرّ ، لم يظهر ايّ تقدّم او هجوم ارضي . . فيما كان عدد السمتيات التي كانت تطير ليلاً، بارتفاع منخفض وبسرعة غير اعتيادية، يتزايد ! لم يمرّ احد منّا حتى ذلك الزمان بمثل ذاك
الموقف،وتوالت تصوراتهم :
ـ قد تكون مهمة سريّة ؟ ! . .
قال مام رستم، الذي كان عريفاً سابقاً في الجيش وعاش ظروفاً قتالية متنوعة كبيشمركة .
ـ ولكن ماهي ؟ ! !
ـ اسمع ! ! هل هي قنابل ام ماذا ؟ !
كانت اصوات انفجارات مكتومة لم يسمع مثلها أحد منّا سابقاً، وكانت تتوالى ببطء، آتية من ماوراء جبل ” هه وري ” !! وبعد حوالي الساعة رجعت السمتيات مسرعة الى الجهة التي اتت منها، التي قيل بعدئذ انها كانت ” معسكر كومسبان ” (2) .
بقينا يقضين حتى مطلع اول خيوط الفجر الذي يساعد على الرؤية، حيث لم يكن معنا من يعرف ممرات جبل ” هه وري ” من تلك الجهة الكثيرة الوعورة، و بدأت المفرزة الصغيرة سيرها الحذر، الذي قررنا ان يكون اتجاهه نحو باليسان لأبداء المساعدة وتفقّد ماجرى، بعد وقت لم نسمع فيه ايّ صوت لقتال او لمقاومة ارضية في الليلة الفائتة، وقدّرنا انه قد لاوجود لوحدات بيشمه ركة في ذلك الوقت هناك لأنشغالها في مواقع اخرى او لأي سبب لم يكن معروفاً لنا على الأقل . .
لأن التهجير كان جارياً على قدم وساق، كوحش منفلت، وكان البيشمه ركةالأنصار يحاولون الدفاع عن القرى، ويحاولون ايقاف ذلك الوحش باذلين غاية مااستطاعوا لذلك سبيلا . . فيما كانت وحدات أخرى منشغلة بتأمين طرق للذوبان في المدينة، للأحتماء بها او للقيام بعمليات فيها . . ثم الأنطلاق اوالتحرك منها، حيث ان تهديم القرى كان جارياً بشكل فضيع محوّلاً ذلك الريف العريق المترامي، الى ارض محروقة خالية من الحياة !
وبينما كنّا في طريق النزول المتعرّج ( صعوداً، نزولاً نحو السفح) نحو وادي باليسان، ظهر امامنا فجأة عدد من مدنيين عزّلً من السلاح . . كانوا يصعدون سويّة بشكل هرولة سريعة كمّن مسّه تيار كهربائي صاعق، كانوا يصرخون صراخاً حاداً متصلاً بشكل وحشي. وكانت عيونهم شاخصة الى الأمام ( او الأعلى ) مبحلقة جامدة شبه ميّتة، كأنهم أتوا من كوكب آخر، او لاصلة لهم بالعالم المحيط . . واجتازونا كمّن يجتاز صخوراً، غير مبالين بنا رغم تحيّاتنا ورجاءنا لهم بالتوقف، لأن معنا ” طبيب ” ! ولكن لم يتوّقف احد منهم ، وواصلوا صعودهم ذلك وكأنهم اشبه بـ (قطيع ) افزعه رعب لايوصف.
قال احد البيشمركة : ” يظهر انهم مصابون بغازات سامة ! ! ” وقال بانه عندما كان في وحدات بيشمركةانصار قاطع بهدنان للحزب الشيوعي، وحين واجهَت كل قوى البيشمه ركة هناك، وحدات القوات الخاصة التي كانت تهجّر قصبة ” كاني ماسي” وتحاول الغاء الريف المحيط بها، استخدمت غازات الأعصاب المرعبة وتركت مجاميعاً من البشر ممن اصيبوا، كانوا قد فقدوا احساسهم بالوجود . . كان بعضهم يضحك بوحشية بصوت عالٍ غير معقول ويبحلقون بنظرات عيون قاسية، كانوا يهومون بتلك الصورة ويتساقطون بالتدريج بعضاً اثر بعض فاقدي الحياة ؟ !
بدأنا بالوصول الى وادي باليسان . . كانت الأرض موحلة، وكان السكون مطبقاً، لاأصوات بل لاضجيج حتى لطيور، لا رائحة بيتية ما . . كان الصمت مطبقاً في الوادي معلناً وحشية وهيمنة الموت . . وتعثرنا بسيرنا باوراق الشجر الخضراء التي كانت تكسو الأرض بعد ان تعرّت منها الأشجار الواقفة، تعثّرنا بالعصافير والطيور الميتة وببيضها المكسور، وبانواع الزواحف والضفادع الميّتة وكانت حتى اوراق الحشيش الطويلة متوسدة الأرض الطينية وكأن هناك من اقتلعها وهي خضراء، بقرة ميتة هنا واخرى هناك منفوخة البطون، جثث كلاب منتشرة . .
صار يقيناً لنا ان الوحدات الخاصة القذرة قد استخدمت الغازات الكيمياوية ولكن اين المصابون واين جثث الأموات ؟ !! وتفرّقنا نبحث عن مصابين او عمن يحتاج لمساعدة، في قسم الوادي الواقع بين قرية ” ده راش” و “جيوه وجيوه”، مستمريّن في توجهنا نزولاً نحو الطريق العام الذي يربط ” خليفان” بـ ” رانية ” . .
رأينا بيوتاً متفرّقة، كان يتصاعد منها النحيب والبكاء . . وصلنا الى اقربها وكان قد رُبط جنب بابه حصان اسود شد حول فمه كيس العلف . . كان في داخل البيت الصغير المبني على عجل، شاب شاحب الوجه كان يحاول ربط المغذي في وريد امرأة كانت تأنّ ، تبين بعد حين انها أمه وانه قدم على عجل راكباً ذلك الحصان القوي حاملاً ما علّمته الحياة المدمّرة، من وسائل انقاذ الحياة من الأنحاء القريبة، لأنقاذ امه التي تركها وحيدة لمحاولته تدبير ارزاق، لأن وادي باليسان كان تحت الحظر الأداري الذي يمنع وصول الأرزاق اليه! ! حين وقع ذلك الهجوم الوحشي الذي لم يكن مألوفاً ؟ !
قمت بمساعدته على ربط المغذيّ لوالدته بعد ان عرفني وتذكّرني حين كانت الطبيب في قرية ” شيخ وسّان ” في اعوام 82 ـ 1983، واضفت الى المغذي شيئاً من الـ “اتروبين” من امبولات قليلة كانت في الحقيبة الطبية التي كنت احملها، وقد استطعت انقاذ حياة مصابين بحالات معقدة اخرى بالكورتيزون والأتروبين والأمينوفللين وشئ من المهدئات، لمواجهة قروح الأغشية وضيق التنفس والأضطرابات العصبية لمن فقد البصر بتأثير سموم الغازات . .
امّا مارواه الأهالي آنذاك فقد مرعباً رهيباً :
القت السمتيات قنابل كانت تنفجر باصوات مكتومة لاكاصوات انفجار القنابل التي الف صوتها حتى الأطفال، وانما القت براميل، تكسّرت وفاحت منها روائح كروائح التفاح والثوم، فيما كانت السمتيات الأخرى تمشّط الجبال والمرتفعات المحيطة بقذائفها، مانعة الناس من الألتجاء اليها ولحصرهم في منطقة التأثير الأقوى لتلك الغازات السامة (3) .
في الوقت ذاته تدفّقت اعداد من شاحنات كبيرة متنوعة، مكشوفة ومغطات من جهتي الطريق العام وبشكل اخص من جهة رانية، كانت تحمل الآلاف من افراد القوات الخاصة والجاش الذين كانوا يلبسون ملابس وعباءات الوقاية من الغازات الكيمياوية، بنظاراتهم المخيفة . . هاجموا تلك القرى الجميلة العزلاء المرتعبة التي قاوم ابناؤها مع من كان موجوداً من البيشمه ركة، الاّ انهم كانوا يتساقطون واحداً اثر آخر بتأثير الغازات السامة . .
حمّلوا الشاحنات بالأهالي المصابين احياءاً وامواتاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءاً واطفالاً، ولم يعرف احد الى اين نقلوا ؟ ! . . كانوا كالمجرم الذي اراد تدمير كلّ مايدل على جريمته، على مجزرته المروّعة بحق البشر . . التي نجى منها القليل حاملاً تأثيراتها المروّعة بجسمه، وناقلاً ايّاها الى ابنائه وبناته مذكّراً البشر . . بوجود اعداء للبشر، اعداء ينبغي ان لايمرّوا وان يعاقبوا علناً وان يكونوا عبرة لمن اعتبر. . . . .
اشّرت مجاميع البيشمركة من كلّ القوى هناك، لبعضها ومن بُعد بضرورة مساعدة من يمكن مساعدته على عجل، وترك المنطقة بسرعة ذلك اليوم، لمخاطر السموم الفاعلة التي نسى الجميع ان تأثيرها كان يتواصل، خاصة وانهم كانوا في اسفل الوادي امام تلك المأساة البشرية، وتفرّقوا بعد ان وضعوا خطة للأنقاذ والأسعاف وفق ما كانوا يستطيعون عليه .
لقد كانت تلك مأساة قصف قرى دولي باليسان بالأسلحة الكيمياوية . . . جيوة وجيوة، شيخ وسان، باليسان، ده راج، خه تي، آلانه . . التي احتضنت البيشمه ركة والأنصار، كرداً، عرباً، فيليين، كلدوآشوريين، صابئة وتركماناً، وايزيدية وآوتهم واطعمتهم، وساعدت وحمت جرحاهم . .

23 / 1 / 2008 ، د. مهند البراك / طبيب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. كانت الفصائل المتواجدة في المنطقة تابعة للأحزاب ؛ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الأتحاد الوطني الكوردستاني، الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الأشتراكي الكوردستاني .
2. معسكر يقع في سفح جبل صلاح الدين من جهة مدينة اربيل، عرف عنه آنذاك انه كان معسكراً للقوات الخاصة، ثم اقيم فيه مخزناً للأسلحة الكيمياوية .
3. الغازات السامة اثقل من الهواء، لذا فانها تستقر في الوديان .