الرئيسية » مقالات » المَرسى النهائي

المَرسى النهائي


حديث مع رَبّة الشفاء
———————–
في الغالب لم أكسبْ من علاقاتي مع الناس إلاّ الإحباط !
لذا فخوفي على بقايا صحَّتي منعني منذ زمانٍ من خوض تجارب كبيرة مع الناس فَهُم اذا جُرِحوا ينسون جراحهم بسرعة أمَّا انا فحتى اذا حاولتُ نسيان جرحي فهو لا ينساني !
أهي علاقة اهتيامية بيني وبين الجراح ؟
ومع هذا امتلأتْ لديَّ رويداً رويداً صُرَّةٌ من الجراح في الفترة الأخيرة فاستنجدتُ بالخمر ! وبقيتُ عاكفاً عليها لمدة أسبوع .
وفي الحقيقة تناولي للخمر يكون أحياناً عندما أجدُني رائقَ المزاج كذلك .
رستْ بي مراكبي الصهباء في مستشفى خاصٍّ
لأبقى فيه ثلاثة أسابيع .
اليوم عندي موعدٌ مع الطبيب وأعرف أنَّ علاجي الحقيقي عندك أيتها الربّةُ ولكني رغم ذلك سأحاذر أنْ أدخل عليه بمزاجٍ منحرفٍ ,
مزاجٍ منحرفٍ كإخدودٍ …
ها هي الشمس تعلو , هذا الجِرْم العجيب , هذا الجبل البركانيُّ الطائر .
نعم , أيتها الربَّةُ !
إنَّ النار ذُروةُ ما تصل اليه الأشياء والموجودات.
هذا هو المَرسى النهائي والأخير للإنسان ولكلِّ شيء إذنْ
ذاك هو الإنسان , إبليس يومَ كان طفلاً !
أيتها الربة , لقد أُغلقتِ الأبوابُ أمامَنا وما أُعطينا من أجل المعرفة سوى مفاتيحَ صَدِئة ؟
ولا أدري أخوفاً علينا ؟ أسخريةً منّا ؟
هذه المفاتيح الصدِئة ربما عندي دواؤُها , لديَّ المَبارِدُ , إنها أسناني , إنها نواجذي !
طلبَ مني الطبيبُ أنْ أفتحَ فمي ففعلتُ بعدَ تردُّدٍ ,
سألَ : ما هذا الذي في فمكَ ؟
أجبتُ : سرُّ الكون .
فقال : على رسلكَ أيها الشاب المسكين , كلُّ مَن جيءَ به الى هنا , جيءَ به لِعِلَّةٍ وقد مَررتُ على مرضاي فوجدتُ عِللاً عديدة وكان في مُقدِّمتها الهلوسة , غير أنَّ هلوستك هذه قد تكون جديدة عليَّ ,
قلتُ : ليست في الأمر هلوسة , منذ زمنٍ وانا أفتِّشُ عن إكسيرٍ .
سأل : هل درستَ الطب ؟
قالتْ الربَّة : قُلْ نعم .
فقلتُ .
كان جالساً يتحرَّك على كُرسِّيهِ جيئةً وذهاباً وكأنهُ يتحدَّث من داخل زورقٍ وانا أقف على الضفة أمامهُ وفجأةً توقف وراح يسير في الغرفة ببطيءٍ رائحاً غادياً ,
قال وهو يبتسم : في العام الماضي كنتُ في بعثة طبية الى أمريكا اللاتينية …
ثم استدرك : ولكن هذه الحكاية سأحكيها لك حين تتحسَّن صحتك .
وأضاف : إنَّ ما تحتاجُهُ الآن هو الدواء .
وبعد قليلٍ زَرَقَني إبرةً في الساعد فعضضتُ على نواجذي بقوةٍ وألمٍ ,
وماذا ؟
لقد رأيتُ عوالمَ لا تُوصَف , لا تُوصَف .
لو ناولتِني دفتري :
ولكنَّ الربَّةَ حين أشرتُ الى القصيدة التي عنيتُ قرأَتْها هي قائلةً حتى يتعافى صوتك :

تُغني ولا تُغني
*-*-*-*-*

هذا الذي كان وكان أيُّها الطبيبْ
أمّا لماذا جئتُ ها هنا فانني أجيبْ :
سُرتُ على الدرب دروبا
وحين ظَلَّ يمضي بي
أدركتُ أنَّ اللّعْنَ طُوبى
وعالمَ التشَرُّدِ النقيِّ كالإيمانْ
وفَجأةً وجدْتُني أوزِّعُ الأكوانَ بالدِّلاءْ
لكنني حين التَفَتُّ للوراءْ
إذا بقامتي قد أصبحتْ كرُوحِهم مُحدودِبهْ
وكلِّ ما حولي مُعارٌ للصدى والدخانْ
وكانت السماءْ
سُجّادةً مُثَقَّبهْ
خطوطُها تَضُجُّ بالوقاحهْ
مثلي انا الآنَ أجيءُ ناشداً منكمُ لا استشارةً
وإنما استراحهْ
تُغْني ولا تُغني !


(*) نصٌّ من كتاب يجمع بين القصِّ والنثر الأدبي والشعر يحمل عنوان : حديث مع ربة الشفاء .