الرئيسية » مقالات » نحو وحدة فاعلة للتيار الديمقراطي العراقي

نحو وحدة فاعلة للتيار الديمقراطي العراقي

عقد قادة الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى،والحزب الوطني الديمقراطي جناح نصير الجادرجي،والحركة الاشتراكية العربية بزعامة عبد الإله النصراوي،وشخصيات وطنية أخرى،مؤتمر لقوى التيار الديمقراطي لمناقشة أوضاعه والسبل الكفيلة بوحدة مواقفه اتجاه القضايا الراهنة،والسعي لبلورة تجمع يسهم في العملية السياسية تحت واجهة وطنية ديمقراطية بعيدا عن التكتلات الطائفية والقومية،والمصالح الضيقة،واضعين نصب أعينهم مصلحة العراق وشعبه بغض النظر عن العناوين الفرعية التي أوجدتها الظروف الطارئة،والسياسة الامبريالية لتفرقة قوى الشعب تحت يافطات جديدة لا تخدم التحولات الديمقراطية الوطنية التي يسعى إليها العراقيون،ولعلها البداية لإشراك قوى أخرى ترفض النهج المحاصصاتي السائد هذه الأيام بما فيها القوى الإسلامية الوطنية التي تؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وتنأى بنفسها عن التكتل الطائفي،وتعمل بوحي سياستها الوطنية البعيدة عن التفرقة والتعصب وضيق الأفق الديني والقومي،وفق برنامج عمل مشترك بعيدا عن الفرعيات الثانوية التي أضرت بالعملية السياسية وقادتها في دهاليز معتمة لم ولن تؤدي إلى بناء وطني سليم.
ورغم أن بعض القوى الديمقراطية حاولت منذ سقوط النظام ولحد الآن توحيد جهودها وعقدت اجتماعات ومؤتمرات كثيرة،إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى تحالف بناء يسهم في لجم الاحتقان الطائفي والتعصب القومي وبناء الدولة الديمقراطية،لوجود بعض القوى التي لديها أجندات مختلفة،لا تنسجم وطبيعة القوى الديمقراطية الوطنية،ولعل التجمع في القائمة العراقية التي تمثل جانبا من التيار الديمقراطي خير دليل على فشل هذه القوى في الوصول إلى برنامج متكامل لتوحيد الجهود والتوجهات التي تعمق من فاعلية التيار في الأوساط الشعبية،لأن القائمة شكلت على أساس انتخابي ضيق،ومن قوى متنافرة،ضمن في صفوفها شخصيات وأطراف لا تؤمن بالتحول الديمقراطي وتخفي نوايا ضيقة أضرت بالقائمة وموقعها على الصعيدين السياسي والشعبي،ونأت بها إلى تحالفات جانبية غير موفقة أدت إلى انقسامات في صفوفها ،ناهيك عن ضعف بض الأطراف وسوء أدائها وعدم حضورها الفاعل في البرلمان،وبروز أطراف لها أطروحاتها الضيقة وميلها للدخول طرفا في الصراع الطائفي القومي واتخاذها مواقف متشددة لا تنسجم والطبيعة الديمقراطية لتوجهاتها،كما تجلى ذلك في مواقف السيد أسامة النجيفي عضو القائمة الذي أسفر عن وجهه الطائفي القومي الضيق،وأظهره بعده عن التوجه الديمقراطي بانحيازه السافر للأطروحات القومية الطائفية،ومحاولته أيجاد تكتلات تصب في مجرى الاحتقان الطائفي القومي،مما جعل القائمة لا تمثل التيار الديمقراطي وإنما تعبر عن وجهات نظر شخصية متطرفة،وتكون طرفا في الصراع الطائفي بفعل المواقف المتشنجة لعضوها المذكور الذي لم يتمكن التخلص من ترسبات الماضي،فكانت مواقفه متناقضة مع توجه القائمة الوطني الديمقراطي ولا تمثل البرنامج المتفق عليه بين الأطراف المشكلة لها،إضافة لما يتخذه رئيسها من مواقف تتقاطع مع توجهات الكثير من أعضاء القائمة،أو دون التشاور معهم،والانفراد باتخاذ القرارات التي لا تخدم توجهات القائمة وأهدافها التي وجدت من أجلها،ومحاولاته القفز على الواقع والدخول في تحالفات أضرت كثيرا بمصداقية القائمة اتجاه جماهيرها،مما دفع بعض الأعضاء إلى الانسحاب منها،أو التماهي مع مواقفها والانكماش عنها،وابتعاد الكثيرين عن تأييد توجهاتها،مما يجعلها مهددة بالتفكك والانهيار،وخصوصا بعد أن هيمن عليها بعض الأعضاء وأصبحوا الممثلين لها والناطقين عنها،رغم عدم وجود ثقل لهم سواء داخلها أو بين جماهيرها،ودون الرجوع لأعضائها والأطراف الفاعلة فيها،وبالتالي أثرت هذه المواقف تأثيرا كبيرا على وحدتها،والتيار الديمقراطي الذي تمثله،وجعلته يفقد الكثير من ركائزه الجماهيرية،بسبب المواقف غير المحسوبة لبعض أطراف القائمة.
والآن في ظل الحراك السياسي الجديد،يتطلب الأمر من القوى الديمقراطية أن تلملم صفوفها،وتسعى لتوحيد جهودها وإقامة تحالفاتها وتوضيح مواقفها والتهيؤ من الآن لخوض المعركة الانتخابية المقبلة التي ستبدأ أواسط العام الجاري في انتخاب مجالس المحافظات التي تشكل العمود الفقري في أدارة الدولة العراقية،لأنها سترسم الملامح الأساسية للانتخابات التشريعية،وتتطلب توحيد الجهود والعمل الجاد والدءوب للحصول على مكان يمكن من خلاله التأثير في الواقع السياسي العراقي،مما يستدعي السعي لبلورة موقف موحد من جميع القضايا المصيرية ومحاولة بناء تحالف متين يستند على برنامج موحد تتفق عليه جميع الأطراف،ويكون ملزما للجميع ولا يجوز الخروج أو الالتفاف عليه من طرف ما،وتكون زعامته دورية بين الكيانات المشكلة له،أو عن طريق الانتخابات،على أن يلتزم الرئيس بما يقرره التيار بأغلبيته الساحقة،ولا يكون رأيه فوق رأي الآخرين،وتتخذ القرارات بالإجماع أو التوافق،وفي حالة أخلال الرئيس بالاتفاق أو خروجه عن الإجماع يجوز تنحيته عن طريق التصويت داخل القوى المشكلة للتيار.
وإذا قيض لمثل هذا التيار أن يجد طريقه لمثل هذا التحالف،وتمكن من الحصول على مقاعد مؤثرة في مجالس المحافظات،فسيكون ذلك مؤشرا لأطراف أخرى بالدخول فيه في الانتخابات البرلمانية،بل يدفع القوى الكردستانية التي هي من الأطراف الفاعلة في التيار الديمقراطي الدخول ضمنه وتشارك فيه بما تملك من ثقل سياسي وجماهيري،مما يجعل التيار في المقدمة من التيارات الأخرى إذا سارت الأمور باتجاهات طائفية كما هي عليه الآن،مما يستدعي أن تسعى الأحزاب والجماعات الديمقراطية لإعادة بناء التيار على أسس ثابتة وخوض المعركة الانتخابية المقبلة في جبهة قوية متراصة قد تتصدر الأطراف الأخرى،لفشل الأطراف السابقة في أدارة دفة الأمور خلال السنوات الماضية،وخيبة الجماهير فيها،وغرقها في الفساد الإداري والمالي،وإسهامها في تردي الأوضاع في البلاد.
أن السعي لبناء التيار الديمقراطي مهمة وطنية على الجميع العمل لإنجاحها بغية الخروج بالعملية السياسية من الخانق الضيق الذي دفعتها أليه القوى الطائفية،والسياسة الأمريكية المتذبذبة التي لا يضيرها نوع السلطة بقدر اهتمامها بمصالحها الإستراتيجية على المدى البعيد وأجندتها في الهيمنة على مقدرات العالم،وسعيها مصالحها حتى لو تحالفت مع الشيطان،لذلك على العراقيين البحث عن مصالحهم بعيدا هن المصالح الخارجية التي لم ولن تصب في المصلحة الوطنية العراقية،وعلينا الاستفادة من التجارب السابقة مع الاستعمار العالمي عندما عقدت بريطانيا تحالفها المتين مع القوى الرجعية والإقطاعية لديمومة بقائها في العراق،فيما تنحوا الولايات المتحدة لتطبيق ذات السياسة بتحالفها مع الأطراف الجديدة بما يخدم مصالحها والتي بدأت تثبيت مواقعها في المجتمع العراقي الجديد.
أن أمام الوطنيين والديمقراطيين فرصة فريدة عليهم الاستفادة منها وبناء تيارهم الوطني المستقل،في ظل الفشل الذريع الذي منيت به الأطراف التي تقود السلطة بعد سقوط النظام،وعليها الاستفادة من التجارب السابقة في عقد الجبهات الوطنية على أسس صائبة بعيدا عن المصالح الضيقة والنزعات الحزبية المتطرفة،التي ألحقت أفدح الأضرار بالتيار الديمقراطي نتيجة السياسة الخرقاء للقوى القومية بعد سقوط النظام الملكي وحتى سقوط النظام ألصدامي البغيض.