الرئيسية » مقالات » الفيدرالية ليست حّلا سحرياً للعراق !

الفيدرالية ليست حّلا سحرياً للعراق !











كنت دوما اتساءل: هل باستطاعة الفيدرالية حل ازمات العراق ؟ ان الفيدرالية لها مقوماتها كنظام سياسي حديث ومتّقدم ، وتعود جذوره التاريخية الى العام 1787، وهو يقضي بتوزيع السلطة في اكثر من حكومة اقليمية ، كانت منفصلة ثم تّتحد وترتبط بحكومة فيدرالية في العاصمة ، وتتمتع الاقاليم بشخصياتها الجغرافية والطبيعية والاقتصادية والادارية . لقد نجحت بعض تجاربها في اتحاد حكومات اقاليم منفصلة ، ولكن اخرى ، فشلت وسميت بـ ” الفيدراليات الهجينة ” كونها طبقت في بلاد لم تتمتع اصلا بوحدة وطنية ، ثم ارادوا لها التقسيم الفيدرالي .
لست ضد المبدأ الفيدرالي ابدا ، ولكن العملية السياسية في العراق اليوم ، غدت مضنية ومتعثّرة وانخفضت معدلات التأييد لها بسبب مشكلات الدستور العراقي ، واقراره مواد ومبادئ لم يتقبّلها كل العراقيين ابدا، وها قد مضى اكثر من سنتين ونصف على تشريعه من دون اي حراك لتعديله كما اقرّ بذلك مشرعوه . وعليه ، فان مقياس الوطنية سيتفوق على مشروع الفيدرالية مع توالي الزمن .
لعل من ابرز الشدائد العراقية سيتمثلها ترسيم الحدود بين الاقاليم العراقية ، والتي تعتبر من لبنات بناء المستقبل لأي نظام اتحادي. في حين ان الممارسه التقليدية لاكثر الدول المفدرلة وجود كيانات محددة بحدود ولأقاليمها ميزات وخصائص كأن تكون دوقيات او مشيخات او دويلات قديمة يسهل فدرلتها ، اما في العراق ، فليس التبشير بمبدأ او تضمينه بدستور او المطالبة به كخطاب ، سيخلق اقاليم عراقية مفدرلة ، فالامر ليس سهلا ابدا كما يتخّيل البعض من المسؤولين العراقيين مع احترامي لمبدأهم الجديد الذي لم نسمع به من قبل ، وخصوصا قبل العام 2003 ، الا على لسان احد الملوك العرب الراحلين..
ان الامر غير قابل للتسريع ، ذلك لأن العراق يمتلك نظاما اداريا يسنّه قانون المحافظات ، ومن قبله قانون الالوية ، والاخير بني على المواريث التي تركها قانون الولايات الجديد الذي سنّ عام 1864 . لقد بدت التقسيمات الادارية للولايات العراقية عند مطلع القرن العشرين على الصورة التالية :
1/ ولاية الموصل : تضم ثلاثة الوية ، هي : الموصل وكركوك والسليمانية 2/ ولاية بغداد : تضم ثلاثة الوية ، هي : بغداد وكربلاء والديوانية. 3/ ولاية البصرة : تضم اربعة الوية ، هي : البصرة والمنتفك ونجد والعماره .
ان العملية ليست بسيطة جدا في ان بناء اقاليم فيدرالية ( باستثناء اقليم كردستان ) الذي خدمته فرصة تاريخية اثر حرب عاصفة الصحراء 1991 وهيمنة قرارات المجتمع الدولي على العراق وفرض الحماية على كردستان اثر الاضطهاد الذي مورس ضد الاكراد العراقيين ، ولكن فيدرالية كردستان سوف لا تحقق الحلم الكردي ، كبديل مؤقت للدولة الكردية التي يحلم بها الاكراد . وعليه ، فان فيدرالية كردستان غير مستقرة ايضا ، فالاكراد لا يريدون بالاكتفاء بمحافظاتهم الثلاثة اربيل ودهوك والسليمانية ، بل يطالبون بمناطق اخرى في محافظتي كركوك والموصل .
انني اعتقد بأن المشكلة مضاعفة ، ذلك ان العملية ليست مجرد تحويل وحدات ادارية قائمة الى كيانات فيدرالية ، خصوصا وان ” هذه الآليات الدستورية مبتكرة تم تصميمها على عجل من اجل ان يفتح المجال الاداري للتخلص من تركات الماضي وفتح التاريخ لتشكيلات جديدة ” .. من دون ان يعرف بأن الوحدات الادارية لا يمكن ان تتحوّل الى وحدات سياسية في العراق كونها لم تمتلك اية مقومات حقيقية او حدود وسواتر في ما بينها !
ويتساءل احدهم قائلا : واين هي ممالك العراق القديمة او مشيخاته او اماراته التي كانت لها حدودها وتواريخها السياسية ونظمها الاقليمية لكي نعلن عن مجتمعات عراقية مستقلة نظرا لأن الفيدرالية مشروعا جميلا ورائعا ، وأية ممالك متصارعة عاشت فيه متزامنة مع بعضها الاخر ؟ واية مكونات تاريخية وادارية وسياسية لها حدودها وفواصلها واسيجتها ؟ ومن سوء حظ العراق العاثر ان نسيج المجتمع العراقي مقسمّا على اساس طائفي مذهبي وعرقي ، وهذا ما لم يحدث ابدا في اي تجربة فيدرالية !
هل نتّصور ان العملية الفيدرالية سهلة في العراق ، وانها ستكون حلا سحريا للازمات ـ كما يتخيّل البعض ـ ، فالدستور بحاجة الى تعديلات جذرية باقرار من صاغه من ممثلي الاحزاب الحاكمة ! وان الاحزاب دينية او طائفية او عرقية لا تعبر عن ارادة كل العراقيين ، ومن المؤسف ان يصل الالحاح بالفيدرالية من الاعلى الى الادنى وليس العكس وباسلوب من يجهل الامر كثيرا . ان العراق لم يزل يتعّرض لمخاطر وتحديات قاسية لا يتم علاجها بهذا الاسلوب الذي يكرس الانقسام الداخلي ويثير المشكلات الاقليمية ، فمن الاستحالة ان يقبل جيران العراق الاقوياء بالعراق الفيدرالي لاسباب معروفة سلفا ..
انني اعتقد بأنها ستكون فيدرالية هجينة فاشلة كالتي عاشتها نيجيريا ، بسبب انتفاء مقوماتها ( باستثناء كردستان التي تكتنفها المشكلات الاقليمية والداخلية ) ، وان وحدات العراق الاجتماعية متجانسة الى ابعد الحدود ، ولا يمكن التعويل على اية مكونات طائفية او عرقية لتكون اساسا للفدرلة .. ان الفيدرالية لم تنبثق من طموحات الشعب العراقي كله ، بل ولم يحظ مشروعها ابدا بالاجماع والتأييد من خلال انطلاق ارادة شعبية عارمة . ان عدم وجود اقاليم ومجتمعات عراقية مستقلة كانت في ما سبق ممالك منفصلة او مبعثرة او مشتتة سببا في صعوبة فدرلة العراق.. لقد ترافق مشروع الفيدرالية في البداية مع مشروعات اخرى ، ولما ازداد الالحاح عليه كثيرا ، والمطالبة بتطبيقه سريعا بدا يفّسر على كونه سعي مستميت من اجل تقسيم للعراق . فهل سيشهد العراق نظاما فيدراليا هجينا ام متطورا ؟ ام ان المشروع سيفشل فشلا ذريعا ؟ وهل ستكون الفيدرالية حّلا سحريا ام بداية حقيقية لضياع العراق وتشرذمه من خلال صراعات اهله ؟ هذا ما ستنبؤنا به السنوات الخمس القادمة . 


 


البيان الاماراتية