الرئيسية » مقالات » العـــــــــــــــقيمان ((قصة واقعية))

العـــــــــــــــقيمان ((قصة واقعية))

مسحت الغالية 38 سنة ، والتي تنحذر من أحواز غياتة بإقليم تازة ، شرق المملكة بقايا طعام علق بشفتيها الخشنتين بمنديل مبلل , و لكزت بقدمها قطة نحيلة ضامرة خارج البيت وهي تردد:
” آآآصب ..إن شاء الله تقبضك مصيبة؟؟
وقبل أن تقذف بجسدها المكتنز الى الخارج ، دست محفظة نقود سوداء بالية، ثم تسربلت بحائك ابيض مهر زواجها الأول ، وأغلقت الباب وراءها بعنف كما لو تنتقم لنفسها من قدر مشبوه , ثم خرجت مذعورة للشارع …حيث ينتظرها زوجها عبد السلام بغير اكتراث ، كمن ينتظر فاتورة كهرباء .
الغالية زوجة وشريكة عمر عبد السلام منذ 18 سنة ، لكن ، من دون بنين ولا بنات. ولهذه الغاية، قررا اليوم أن يحسما في أمر الإنجاب ، بعد أن سئما الحياة منفردين كئيبين . لقد ظل الأمل رفيقهما قرابة عقدين من الزمن ، لم تترك الغالية وليا ولا عرافا ، إلا تمثلت بركته ، ولم تتلكأ يوما عن زيارة ضريح ولا دجال ، ولم تدع مشعوذا ، إلا وجلست بين دخان أبخرته ، وشربت كؤوسا من عصير طلاسيمه وتمائمه دون جدوى. حتى أنها أرسلت خلسة مبلغا ماليا الى شيخ خليجي يملك قناة تلفزية، قيل لها انه يعالج العقم بالهاتف والعسل الحر ، وفيما تسلم الشيخ المبلغ ، لم تتلق الغالية ردا ، ولا دواء ولا علاجا. إلا من غصة في قلبها الموغل في البؤس والألم الدفين .

زواج عمره 20 سنة ولم تنجب الغالية ؟ قالت الجارة بعينين زائغتين : وردت الغالية وهي مطاطاة الرأس كجندي أسير : اللي عطا الله هو هذا يا بنت الناس … وضعي حساس للغاية، أليس كذلك ؟ فقد تزوجت عن حب دام 3 سنوات كما تعلمين ، ورحل زوجي الأول الله يرحمه ، بعد سبع سنوات زواج من دون إنجاب ، ولم يرحل الحب.. وظل جميع أفراد أسرتي ، وخاصة أهلي مصدر إزعاج دائم ، يفطرون بزواجي ، ويتناولون وجبة الغداء والعشاء بالزواج حتى كرهت نفسي ..؛ ولأنني ما زلت جميلة وفاتنة ،أو هكذا اعتقد ، فهم يظهرون خشيتهم عليّ من أن أصير عانسا ، وربما أرملة قبل الأوان ، وأغدو لقمة سائغة في أفواه الرجال .. بالله عليك ياسعيدة، لماذا لا يتركون نبض قلبي في هواه ؟ ويحكمون بناتهم الطائشات ، اللواتي يتعاطين الشيشة من أفواه الرجال بالتناوب بمقاهي المدينة الجديدة ؟ أخ…أخ… يا أختي كم سئمت نفسي ، وسئمت تلك المظاهر الخادعة ؟؟؟
– لكن سمعتك من سمعتنا يا الغالية …سمعتك… والناس؟
كانت الغالية تدرك عمق الجرح الذي تعانيه ،كانت تشعر أنها خيمة دون أوتاد ، وهي ما فتئت تسال نفسها باستمرار ، كيف اقضي حياتي مع رجل دون أطفال ؟؟كيف ؟؟؟لكن الرجل هاهو ؟ والأولاد يالغالية، كيف ، متى و من أين؟؟
طيلة عقدين ، والغالية تتمنى ولدا يملأ دنيا عبد السلام مرحا ، ويلوث ملابسه برائحة تشبه القرنفل ، وهي لم تيأس بعد ، ولم تقنع نفسها أبدا أن قطار الإنجاب قد فاتها ، لذلك ، لا تستطيع أن تتخيل، لكنها تسال نفسها على الدوام ، كيف أنها لم تنجب ، لمجرد أن العقر، من فعل فاعل .
الشارع متاهة مسالكها تفضي الى متاهات ، والشمس زوال تستحم بطقسها الكائنات ، حين همست الحاجة الخوذة للغالية ”
— دبري راسك ، ليس قدرك يالغالية ، عليك بالولي…..توكلي..والكمال على الله .
والحاجة ” الخوذة صاحبة محلبة ” من عيار رجل ، فهي أشهر سمسارة في الحي ، لم تنجب هي الأخرى ، عندما تُوفِّي زوجها علي الدراز ، لم تجلس في منزلها فريسة للاكتئاب واليأس، بل رسمت مستقبلا ، وابتسمت للدنيا ، وصممت على أن تعيش حياتها كما تراها ،وليس كما يريد لها الآخرون ، ونجحت في قطع همومها ، وهي الآن تشق طريقها إلى النجاح ،تمتلك مخبزة في الحي ، وكسبت ود شباب الحومة ، واستقطبت أجملهم وسخرته لخدمتها كأمين مالها ، ونجحت في أن تثبت أن الأرملة يمكنها أن تعيش في ظلها، وليس ظل الرجل فقط، لو كان للحاجة أولاد لنجحت في تربيتهم، وحصلوا على أعلى الدرجات العلمية.

في السنين الأخيرة ، تفاقمت حياة الغالية وعبد السلام كزوجين ، لقد أصبحت غرفتهما أشبه معشبة تطفح بعشرات الأعشاب والألياف والتمائم التي تتبعثر هنا او هناك ، وأصبحا يعيشان في دوامة من القلق النفسي الحاد .
بعد استقرار عائلي لم يدم سوى ثلاث سنوات ، لقد خطف طائر الموت فلذة كبدهما بالتبني ، ورحل إلى الرفيق الأعلى.. يستعيدا ن في لحظات الصفا، ذكريات الماضي الجميل، ويحنا ن في ساعات الزهو إلى أيام السعادة الخالدة التي عاشاها مع أمين، والتي لن تمحوها السنين.. فتنساب الدموع من عينيهما بغزارة ، ويبكيان في وجدانهما لوعة ومرارة.. المجتمع من حولهما لا يرحم ، ونظرات الشفقة تقتلهما..وهما يبحثان عن كائن ينتشلهما من ضياع محقق ، حتى لو كان موتا يجمعهما في نعش واحد .
وفي لحظة ، كل ما يتمناه المرء يدركه! رن جرس الباب ، إنها سلمى الجميلة 21 سنة ، ابنة الأستاذ المتقاعد الذي يقطن بجوارهما ، اقترنت قبل سنة بشاب مهاجر ، وهي الآن حامل ، وتتابع العلاج عند طبيب مختص بالمدينة.

– الله يعلم ، أن ضميري مرتاح ، لهذا الدكتور القادم من روسيا ياللا يا الغالية . أتمت كلامها ثم ارتمت بحنان فوق اللحاف ، ويدها تتحسس بطنها بتؤدة . حضرت الغالية وجبة خفيفة على عجل ، وضبتها بعناية فوق صينية ، في اللحظة نفسها رن الهاتف ، ردت ، والبسمة تنتشر على محياها الصدئ مثل نبتة سرخس برية .

تحدثت الغالية مطولا ، وسرد المتحدث أسراب هواتف محمولة ، ودونت سلمى للغالية عشر عناوين لخمس فقهاء طب بديل ، و3 لشيوخ كرامات ، وهاتف عيادة توليد حديثة النشأة. خرجت أم الغالية من غرفة نومها متثائبة , وحركت رأسها جهة سلمى وهي تقول :
– – مع من تتكلم هذه المفعوصة ؟..
— مع نفسي ! أيتها الحاجة ..وتابعت في كسل ” قلت لك قبل الآن، اهتمي بنفسك ، لا تكترثي بهمومي ومتاعبي ..الله وحده يعلم ..
امتصت الحاجة حامضا، و فكت أزرار فستانها الذي يشبه بصلة هرمة ، و أخرجت صرة صغيرة ، بها مشبك و مفتاح . وأمسكت بقطعة من بخور الجاوي . وقالت في تهالك : هوني عليك بابنتي ، والله انه فعل فاعل….ستنجبين..إن شاء الله ببركة مولاي….
كانت الغالية قد صممت على أن تفاتح عبد السلام في أمر الطبيب الجديد.حين عودتها ، فموعد اخذ حقنة المساء قد حان ، و الممرض الوحيد المقيم بمستوصف القرية المهجور لا يبدو على عجل .
كان شاب مدمنا ، ونظرات الناس إليه يتخللها التبخيس والاستهانة ، مرة ، ركب ظهر بغل ، وقطع مسافة 20 كلمترا ، كي يجلب لفافة تبغ محشوة .

في عيادة الطبيب ، سجلت الممرضة السمراء المكتنزة بهدوء في خانة المعلومات سن الغالية، ومحل إقامتها ، وأنه لم يسبق أن ولجت المدرسة قط ، فيما قضى زوجها عبد السلام شهرين بمسيد القرية قبل مغادرته ، والانصراف الى تربية عجول جده، لكن ذلك لم يمنع فرحتهما والأمل الذي علقاه على الطبيب الجديد.
عملية الكشف عن المريضين لم تدم طويلا ، ناول بعدها الطبيب وصفتي دواء ، مختلفتين تبعا لخصائص جينية ، إحداهما تتضمن دواء بمواصفات خاصة على شكل كبسولات لغير الفم ، وعددا من الأقراص والحقن. وفيما يبدو حرصا على ضرورة أهمية استعمال الدواء حسب التعليمات ، استغرقت ممرضة بالصيدلية وقتا طويلا في شرح كيفية استعمال الدواء للمريضين كل على حذا، كما أكدت على العودة الى العيادة بعد شهرين .

بعد انصرام الأجل المحدد ، عادت الغالية وهي تستسرع الأحداث لمعرفة نتائج الوصفة ، أما الطبيب فقد لاحظ توترا على محيا كل من الزوجين وسال ،
— كيف تشعرين يا الغالية؟ الآن، أراك لست طبيعية أبدا.. ارتمت على سرير الفحص واشتغلت الأجهزة والأصابع ، وتعالت الآهات والرجفات .
سيدي يبدو أن الدواء لم يوافقني، ومع ذلك، كنت أتعاطاه على مضض.. وتابعت بلكنة غيرت ملامح وجهها ” في لحظة أكاد أنهار…نعم ولا أحس برغبة ولا شهية .لا…..
من المحقق أن ثمة خللا ما..وقف الطبيب مذهولا ، وللحظة ، اكتشف أن الزوجين ظلا يتعاطيان الدواء على غير التعليمات، فالغالية كانت تأخذ دواء عبد السلام ، لكن عبد السلام كان يتعاطى لدواء الغالية باستثناء الكبسولات التي تنص كيفية الاستعمال بتعاطيها من الخلف، فقد كان عبد السلام يلقي بها في القمامة ، تفاديا لحساسية ما .
فكرا الطبيب مليا، ثم أمر بإجراء فحوص وتحاليل عاجلة ، وضع كفه تحت دقنه ، كانت أفكار كثيرة تدور في مخيلته ، وهو يقرا نتائجها ، حتى انه لم يصدق أن الغالية ، حامل . و من شهرين .
وما إن التقطت أدنا الغالية كلمة حامل ، حتى أطلقت على الفور زغرودة اهتزت معها قواميس الطب الراكنة على الرفوف منذ زمن، كما ارتعد لها أجساد المرضى في قاعة الانتظار،وتحولت قاعة الانتظار الى حفل تقديم التهاني والتبريكات للعروسين ..
–الآن جاءك كلامي يا عبد السلام..ألم اقل لك إن بركة الولي الصالح أتت أكلها ..حكمتك يارب.. لقد تحقق حلمنا أذن ..الم تسمع ، إنني حامل ومنذ شهرين.حمدتك يارب وشكرتك.
أما عبد السلام فقد ظل واجما ، كما هو ، عندما تحتك به ، تشم منه روائح العرق او العطر او النتانة. انه يفكر بشكل مسموع في الاسم الذي يمكن أن يطلقه على المولود الجديد.كانت مخيلته تعتمل بعشرات الأسماء، والألقاب ، في لحظة ، نزع الطبيب نظارته ، فرك عينيه بتهالك، وقال بثقة مفرطة :
— نعم ، الغالية حامل … وأضاف وهو يتفحص بدقة بيانات ومنحنيات أمام عينيه ” حامل لفيروس مجهول ، وحده مختبر التحليلات والتشريحات الدقيقة بالعاصمة، يستطيع الكشف عن جنس هذا الفيروس اللعين.
عزيز باكوش .