الرئيسية » مقالات » لماذا لا تسند هيئة النزاهة إلى مهدي الحافظ

لماذا لا تسند هيئة النزاهة إلى مهدي الحافظ

بعد سقوط النظام ألصدامي،واستشراء الفساد المالي والإداري بفضل السياسة الأمريكية الرامية إلى إشاعة الفوضى الفساد في المجتمعات الخاضعة لسياستها،صدرت الأوامر البريمرية بتشكيل هيئة النزاهة بأوامر من المندوب السامي الجديد،ونسب السيد راضي الراضي لرئاستها،فأخذ الراضي يصول ويجول بعد أن طعمت بعناصر تفتقر إلى النزاهة والمصداقية،وما أكثر التصريحات والبيانات التي صدرت عنها،في وجود فساد هنا أو هناك،وامتلاك الهيئة لمعلومات عن شبكات الفساد،وما سيتخذ من آجرا آت بحق المفسدين،وكنا نسمع جعجعة ولا نرى طحنا،فجميع القضايا المحالة إلى القضاء كانت لأسباب سياسية بحته ودعايات انتخابية،وجرى اختيارها وفق أسس معلومة،بعيدة عن النزاهة،وتمكن مئات الفاسدين النفاذ من الخرم الكبير لعوامل يعلمها الجميع،وهرب الأكثرون خارج العراق بجوازات سفر رسمية،وبمباركة ميمونة من سلطة القرار النافذة،فيما قامت السلطات الأمريكية بتهريب السارق الأكبر أيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق،بمغامرة أمريكية مفضوحة،وعاش في البلاد الأمريكية ينعم بما كسبت يداه من أموال العراقيين البؤساء الذين لا زالوا يعيشون على فانوس حمورابي،و “لالة” نوبخذ نصر،وشموع سنحاريب،حالمين باليوم الموعود الذي تتوفر فيه الكهرباء أسوة بالدواجن التي تعيش في أجواء يحلم العراقيين بأن يعيشوا بمثلها في يوم من الأيام،ولم تكلف الحكومة العراقية نفسها مفاتحة الشرطة الدولية(الانتروبول) لإلقاء القبض على المجرم الهارب وفق مجاملات وعلاقات لهذا الطرف أو ذاك،ولا زال آلاف اللصوص يسرحون ويمرحون خارج العراق ينعمون بأموال العراقيين الجياع الحفاة،دون أن تحاول الحكومة العراقية تحريك شعرة من رؤوسهم لأسباب لا يعلمها إلا الراسخين في مستنقع الرذيلة والفساد.
وقد أثار رئيس هيئة النزاهة السابق راضي الراضي زوبعة كبيرة عندما هرب خارج العراق مستصحبا معه آلاف الوثائق – كما يقول – تثبت تورط الكثير من الجهات في عمليات فساد كبرى،فيما اتهمه معالي رئيس الوزراء بأنه وراء عمليات فساد كبرى،وأصدر أوامره القاضية بعزله وإسناد رئاستها بالوكالة للسيد موسى فرج النائب السابق لرئيس الهيئة،دون أن نشهد اتخاذ أي إجراء قانوني لإثبات أدعا آت الطرفين،مما يعني الوصول إلى تسوية عادلة خلف الكواليس،وما أن استلم فرج رئاسة الهيئة،حتى بدأت تصريحاته تخلق دويا كبيرا دون أن نرى لها أثرا في الواقع،وكانت تصريحاته أكبر من حجمه ،واكبر من مستوى هيئة النزاهة التي لا تحضا برضا الجميع،ووزع اتهاماته على جهات متعددة حتى لم يبقى له من صديق،فصدر أمر جديد بإقالته وإسناد رئاستها إلى رئيس جديد،مما دفع السيد فرج إلى التصريح بأن أقالته جاءت على خلفية كشفه لفساد في رئاسة الوزراء.
وفي اليوم التالي لتعيين الرئيس الجديد صرح الأستاذ باقر الزبيدي وزير المالية طالبا إلغاء هيئة النزاهة،وتخفيض رواتب الوزراء وكبار المسئولين والهيئات العليا لتحقيق العدالة والمساواة في العراق الجديد،للبون الشاسع بين رواتب كبار موظفي الدولة وصغار الموظفين،ولعلمه بعدم جدوى وجود مثل هذه الهيئة التي أسمها كبير وعملها صغير،فهي غير قادرة على تحريك شعرة واحدة من أصغر رأس في الدولة العراقية،،فكيف إذا شاء لها حظها العاثر مناطحة الرؤوس الكبيرة التي تمتلك سلطة القرار.
وإزاء ذلك أرى ولعلي مخطئا أن العراق ليس بحاجة إلى هيئة النزاهة لافتقاره إلى النزاهة أساسا،وأن الهيئة ذاتها لا تخلوا من الفاسدين بدليل تسترها على الكثير من قضايا الفساد التي لا تخلوا منها دائرة أو مؤسسة،والسرقات الكبرى تجري على قدم وساق في وضح النهار وفاعليها لا يتسترون على سرقاتهم،والمتضرر الوحيد هو فقراء الشعب العراقي وعامتهم الذين لا يعرفون ناصحهم من فاضحهم ،فيما ينعم الخاصة منهم بالجاه والنعمة ،ويلهث الفقراء وراء السراب الذي يحسبونه ماء،وهذا هو ديدن الشعب العراقي من نوبخذنصر إلى صدام حسين،وإلا لماذا أبتلى العراق دائما بأشر الحاكمين،ولماذا يرزح دائما تحت نير المستبدين،هل هناك خلل في تكوينه أو ضعف في بنائه،حتى يكون دائما في أسفل سافلين،أم أنها دعوة الإمام الثائر عندما خاطبهم قائلا” اللهم أجعلهم في الأرض طرائق قددا ولا ترضي الولاة عنهم أبدا”وها هي السنين تمضي سريعا والعراقيين موزعين على المنافي،يرزحون تحت حكم الأجانب ولم يحكمهم عراقي قط،أم إنها دعوة الإمام علي (ع) عندما قال”يا أهل العراق يا أهل المكر والنفاق والغدر والشقاق لقد ملئتم قلبي قيحا”فإذا كانوا قد ملئوا قلب الإمام الكبير فكيف بقلوب من لا يدانيه عزما وسماحة،ورجاحة عقل وسجاحة أخلاق.
لقد جربنا الكثير من إسلاميين وعلمانيين ،وقوميين ووطنيين، مؤمنين وكافرين، ملائكة وشياطين ،جمهوريين وملكيين،وآن لنا أن نجرب الآخرين،في مسالة هي حجر الزاوية في البناء الوطني،وتحتاج إلى أناس بعيدين عن كل ما يسيء،ولهم تاريخهم الوطني السامق في الصدق والأمانة والإخلاص،وشهد لهم أعدائهم قبل أصدقائهم،ومناوئيهم قبل مؤيديهم،بالسمو عن الصغائر،والابتعاد عن سفاسف الأمور،فيعهد إلى أحدهم أو من المحسوبين عليهم،برئاسة هذه الهيئة،في وقت صرح رئيس الوزراء نوري المالكي بأن العام الحالي هو عام محاربة الفساد،فعلينا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب،وتعهد برئاسة هذه الهيئة إلى رجل عرف بين الناس بالوطنية الصادقة والنزاهة الحق،والإخلاص المتزايد،والاختصاص الفريد،والموقف الحازم،والبعد عن مغريات الحياة،وينسب الدكتور مهدي الحافظ إلى رئاستها،ويمنح صلاحيات واسعة في اتخاذ القرار واختيار الكادر المؤهل للعمل في هذه الهيئة الحيوية،بعيدا عن المحاصصة التي سادت كل شيء،وأن تكون الهيئة مستقلة غير خاضعة لسلطة أحد سوى القانون الذي هو فوق الجميع،وإذا جاء اختيار النزيه لهيئة النزاهة فسوف يتمكن خلال شهور من وضع الإصبع على موطن الداء ويجد الدواء ويطهر العراق من الفاسدين ابتداء من كاتب السطور وانتهاء بحفار القبور،فهو القادر على إنهاء الفساد وقطع دابره لما يتمتع به من مؤهلات تجعله أهلا لمعالي الأمور.
وإذا كانت الخشية من توجهاته السياسية لأنها بنظر البعض كفر والحاد،فقد تولى وزارة المالية في العهد الملكي أحد اليهود العراقيين،وأرسى دعائم الاقتصاد العراقي على أسس سليمة،دون أن توجه له أصابع الاتهام يوما بفساد أو أفساد،والجميع يعلم استقلالية الحافظ،وانصرافه إلى العبادة في محراب الوطنية – الذي هو أسمى المحاريب – منذ نعومة أظفاره حتى شيخوخته التي نتمنى أن تطول ليستطيع تحقيق آماله لبناء وطن متحرر وشعب ينعم بالسعادة والخير والمحبة والجمال.