الرئيسية » مقالات » الوجه غير المنظور ((لتحرير العراق))…؛؛ ( 1 – 2 )

الوجه غير المنظور ((لتحرير العراق))…؛؛ ( 1 – 2 )

“للديقراطية ثمن” هكذا يرد عليك احدهم عندما تحتج على ما آلت اليه الحالة العراقية بعد غزو العراق. والبعض من كتاب ما بعد الاحتلال، يعتبر دون تردد، أن الامريكان حرروا العراق من اعتى ديكتاتورية في تاريخ المنطقة وليس العراق فحسب، وهم من اتى بالديقراطية واطلق حرياتها في سابقة لم يشهدها الشعب من قبل. وليس مستغربا أن نسمع مثل هذه الاراء من اخرين، عانوا من سطوة وارهاب النظام السابق، ومنهم من قضى اعز سنين حياته مطاردا او في غياهب سجونه.

لااحد يملك الحق في قمع حملة هذه الاراء او التشهير بها، فلهم حقهم في التعبير عما يعتقدون انه صائب. أن القوى السياسية والدينية التي تقود الحكم في العراق حاليا لا تخفي قناعتها بهذا الرأي ،واكثرهم صراحة واعلاهم صوتا في هذا الموضوع ، هو السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني، الذي يذهب ابعد من ذلك، داعيا الولايات المتحدة لاقامة قواعد عسكرية دائمة لها امتنانا لما قامت به في تحرير العراق وضمانة لشعب كوردستان. ولا نعتقد أن لرئيس الدولة هذا الحق المطلق، دون اخذ رأي الشعب بأستفتاء عام ، حتى ولو كان يريد تلك القواعد في كورد ستان، فهي جزء من العراق.

وتنفي هذه الاطراف أن تكون للولايات المتحدة الأمريكية أي اطماع في ثروات العراق النفطية، أو أن تكون قد قد خططت لذلك عند احتلالها للعراق في عام 2003 . وتورد تلك القوى امثلة عن وجود المئات من القواعد العسكرية الأمريكية ، في دول متقدمة اقتصاديا تحتفظ بافضل علاقات التعاون والصداقة مع الادارة الأمريكية مثل اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية وايطاليا وغيرها، وهي تتمتع بنظم ديمقراطية رصينة.

لكن ما وراء الصورة الزاهية الالوان عن الحرية والديمقراطية الامريكية وحسن نواياها، هناك” الوجه الاخر” غير المرئي للصورة الماثلة امامنا، مجسدا الحقيقة كما هي دون مبالغة او تطير او نفاق. صورة بدون رتوش معبرة عن اهداف وآليات واخطار الحروب الأمريكية السابقة والحالية على شعبنا في المديين القريب والبعيد. تلك الصورة التي لم يقيمها بعد المحررون (بفتح حرف الراء)،او ربما اعتبروها الثمن الذي كان ينبغي دفعه مقابل الحرية التي منحتنا اياها الولايات المتحدة الامريكية.

نحاول فيما يلي من السطور، توضيح بعض ملامح تلك الصورة، ليكون القارئ / المشاهد على بينة من امره، وله أن يقرر أي الصورتين تمثل” الثمن” للاخرى؟؟. ونبدأ من الايام الاولى لعملية تحرير العراق.

*اعلن القادة الامريكان بعد مائة يوم فقط من اعلان احتلالهم للعراق، أن النفط وكافة الثروات المعدنية وصناعات الاسمنت والصناعات الكبرى الاخرى ستكون تحت تصرفهم المباشر.

واقر مجلس الكونكرس الامريكي تشريعا يضع الشركات النفطية الأمريكية في العراق فوق القانون العراقي ، (above the low in Iraq ).واستثنائها من اية مسؤولية قانونية عن الاضرار التي تسببه نشاطاتها النفطية على البيئة في العراق.

وبناء على صدور قرار رقم (1483) الصادر من مجلس الامن الدولي بخصوص النفط مقابل الغذاء في 22 مايو/ ايار 2003، اصدر الرئيس بوش امرا رئاسيا رقم (13303) يضع الشركات الأمريكية فوق القانون في كل النشاطات التي لها صلة بالنفط مقابل الغذاء في العراق او الولايات المتحدة. وقد وصف واحد من اهم الباحثين الامريكان السيد فاليت جيم من معهد (IPS) حيث قال: ” أن هذا الامر يظهر حقيقة اهداف الغزو الامريكي للعراق، كما اثبت أن الادارة الأمريكية كانت تضع مصلحة الاستثمارات الأمريكية على حساب شعب العراق”. وقال عنه السيد توم ديفاين المدير القانوني للجنة الحكومية للمسائلة والتحقق :- “أنه شيكا ابيضا حرره الرئيس لصالح الشركات الأمريكية ، تسرق بموجبه حق العراقيين في ابداء الرأي وحقوقهم في مصادر ثرواتهم”

لقداعترف قرار( 1483) الصادر من مجلس الامن الدولي، بان الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قوى محتلة، ووفق معاهدات جنيف، تتحمل القوى المحتلة مسؤولية توفير، ليس فقط النظام والامن للسكان، بل كذلك الاستجابة لمتطلباتهم الاساسية، ومنها الصحية. فلم يسع المحتلون لذلك ، بدليل تركهم حدود البلاد مشرعة للارهابين من كل صنف ، والمجرمين واللصوص والمخربين من شتى انحاء العالم ، للعبث بامن المواطنين، ولم يوفروا الخدمات الصحية ، بل خربوها واجبروا طواقم اطبائها على الهجرة الى خارج العراق.

وبحسب تقارير اكثر من” 80″ منظمة اغاثة دولية، بما فيها اوكسفام البريطانية، فأن اعداد الاطفال حديثي الولادة دون الوزن الاعتيادي ، ممن يعانون من سوء التغذية مستمر في التصاعد، وهي الان اكثر من ضعف مستوياتها لما قبل الاحتلال. وانه بحدود ثلث السكان بحاجة الى مساعدات عاجلة، وان اكثر من اربعة ملايين عراقي يعتمدون على المساعدات الغذائية. لقد ادى نقص الخدمات الاساسية التاتج عن الحرب والتخريب، الى ان حوالي 70% من العراقيين يعانون من نقص المياه الصالحة للشرب، وان حوالي 80% منهم محرومون من خدمات الصرف الصحي . وبحسب هذه المنظمات يموت طفل واحد في العراق كل خمس دقائق، بسبب الحرب الدائرة فيه منذ ما يقارب الخمس سنوات، هذا اضافة الى ان اعدادا اكبر تركوا في حالات اصابات شديدة من دون عناية تذكر. وان ما مجموعه مليون ونصف طفل شردوا من ديارهم داخل وخارج البلاد دون رعاية صحية او تعليم او سكن ملائم.

تطرقت الصحيفة الأمريكية –واشنطن بوست- في مقال للكاتب السيد سوندرسان راغا فان ، في عددها بتاريخ17/8/207 جاء فيه: أن النزاع في العراق قد سبب اثارا نفسية هائلة غير ملحوظة ، وبشكل خاص على الاطفال والشباب الذين يعانون من اثار وتبعات طويلة الامد، حسب قول الباحثين الاجتماعيين وعلماء النفس والمعلمين وموظفوا المساعدات الانسانية ، في مقابلات تمت معهم عبر انحاء بغداد واحياء اخرى.

ويعاني معظم الاطفال من القلق والكأبة والكوابيس والبول في فراشهم ، وصعوبات في التعليم والنطق والصراخ والبكاء والحزن . وقد تعرضت الفتيات الى الخطف والاغتصاب والضرب. ويذكر السيد راغافان- أن 80% من الاطفال الذين يعانون من صدمات نفسية لا تتم معالجتهم بسبب اقامتهم في مناطق خطرة ومقطوعة تخضع للمتمردين والتفجيرات والتفتيش. ويصل يوميا الى مستشفى الصدر وحدها في بغداد، حوالي 250 طفلا لتلقي العلاج ، ويعتبر هذا الرقم ضعف ماكان عليه الحال في العام السابق، مما يعني أن الوضع يزداد سوء. هذا اضافة الى تفشي ظاهرة الكره الطائفي بين الاطفال التي لم تكن موجودة قبل احتلال العراق. وتفيد احصائيات منظمة اليونيسيف ، أن حوالي عشرة الاف طفل فقدوا احد والديهم في السنة الماضية وحدها.

وينقل السيد راغافان عن احدى الامهات، انها قامت مؤخرا باصطحاب حفيدها في نزهة في شارع ابي نؤاس الشهير، وقد سألها فيما اذا كان هذا الشارع سنيا ام شيعيا؟. وتساءلت الام قائلة: ماذا سيصبح هذا الطفل عندما يكبر.

البقية في الجزء الثاني.