الرئيسية » مقالات » الوجه الآخر للإسلام في بريطانيا

الوجه الآخر للإسلام في بريطانيا

اشتهر بين أصحاب الأقلام وأرباب السياسة، أن الاتصال الأول بين المملكة المتحدة والعالم الإسلامي حصل في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلادي من خلال الغزو العسكري للقوات الإمبراطورية البريطانية لعدد من الدول الإسلامية مثل الهند والعراق وفلسطين وغيرها من الدول العربية والإسلامية أو التي فيها مجتمعات إسلامية، بيد ان الوثائق التاريخية المتوفرة على قلتها تغور بالزمن الى مسافات سحيقة تعود ببعضها الى القرن الثاني الهجري.

وعلى الرغم من العداء الفكري والعقائدي المزمن بين العالم الإسلامي والإمبراطورية البريطانية، فإننا لا نعدم شخصيات بريطانية وهي ليست بالقليل تذهب الى التأكيد على أهمية الإسلام والحضارات والمدنيات الإسلامية في حياة المجتمعات الغربية بعامة والبريطانية بخاصة، والتأثير الايجابي الذي تركته الثقافة الإسلامية على الثقافة الغربية، كما لا نعدم اعترافات من شخصيات بريطانية أو غربية ذات وزن مرموق بأسبقية الإسلام والمسلمين في عدد غير محصور من العلوم التي تبدو للبعض الكثير أنها من مبتكرات الغرب.
البحاثة الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في باب “المشاريع الحسينية من دائرة المعارف الحسينية”، يحقق في العلاقة التاريخية بين بريطانيا والعالم الإسلامي في معرض الحديث عن المشاريع الإسلامية بعامة والحسينية بخاصة في دول العالم ومنها بريطانيا، وقد وجد الطبيب والكاتب العراقي الدكتور علاء صاحب الحسيني أهمية إعداد هذا البحث في كتاب مستقل والتعليق على بعض الموارد فيه، فكان كتاب “الإسلام في بريطانيا للدكتور الكرباسي” الصادر حديثا عن بيت العلم للنابهين ببيروت في 80 صفحة من القطع المتوسط، وهو الثاني في سلسلة (الإسلام في العالم) بعد صدور كتاب “الإسلام في إسبانيا”.

نقطة تحول
يرى الدكتور الحسيني أن الإسلام حل بالجزيرة البريطانية قبل ثمانية قرون، وذلك عندما استنجد احد ملوك بريطانيا بأحد حكام المسلمين في شمال أفريقيا مقابل اعتناق الإسلام، لكن السلطان المسلم رفض ذلك معللا أن الإسلام لا يتناسب مع سلب حقوق الرعية متهما الملك الإنجليزي بسلب حقوق الرعية وإعمال السيف في رقابهم، وكان هذا الرفض وتعليله نقطة تحول أدى فيما بعد الى كتابة لائحة الحق الدستوري (The Magna Carta)، حددت بموجبها الشروط التي يجب ان يتبعها الملك لإدارة البلاد. والظاهر ان الدكتور الحسيني يشير الى الخلافات الشديدة التي جرت بين الملك جون بن هنري الثاني (John Son of Henry 11) (1166-1216) والكنيسة بقيادة البابا اينّوسينت الثالث (Pope Innocent III) (1161-1216م)، ومجلس اللوردات، حول صلاحيات العرش وصلاحيات المجلس وصلاحيات البابوية، وطلب الملك جون المساعدة من سلطان الموحدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب الناصر (ت 1213م)، وقد دفع الصراع بالملك الى تقديم استقالته من عرش السلطة في العام 1199م أي بعد مضي عام على تولى البابا كرسي البابوية، وقد انتصر أتباع المشروطة في مجلس اللوردات بكتابة لائحة الحق الدستوري أو الورقة العظيمة في العام 1215م. ويعد الملك جون الأخ الأصغر للملك ريتشارد الأول الشهير بقلب الأسد الذي ذاع صيته أثناء الحروب الصليبية، ويرى الكرباسي أن البابا اينوسنت الثالث كان يؤمن ان السلطة الدينية يجب ان تكون فوق السلطة الزمنية وهي الفكرة التي توازي نظرية ولاية الفقيه لدى المسلمين، وهذه اللائحة أو ما تسمى أيضا (Great Paper) مرفوعة الى يومنا هذا في الرواق الرئيس لمجلس اللوردات البريطاني.
وهذه الحركة التي جرت في بريطانيا في نهاية القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي هي أشبه بحركتي المشروطة والمستبدة في إيران في نهاية القرنين التاسع عشر والعشرين الميلادي حيث دعا بعض مراجع التقليد والفقهاء الى الحد من صلاحيات الملك وتأطيرها ضمن شروط ولوائح، فيما دعا البعض الى حرية الملك في الحكم أو ما عرف بأتباع المستبدة، وهذه الرواية ينقلها بشكل قريب الأديب المصري سلامة موسى (1887-1958م) في الصفحة 57 من كتاب الفكر وأبطاله في التاريخ.
ورغم قِدم اتصال الجزيرة البريطانية بالعالم الإسلامي، لكن الحسيني يذهب الى: “ان الوجود الإسلامي في بريطانيا قد تنامى عقب الحرب العالمية الاولى (1914-1918م) مع احتلال بريطانيا لكثير من البلاد العربية وغير العربية، والتي يشكل المسلمون الغالبية العظمى من سكانها، والتفاعل الإنساني والثقافي الذي حصل بين البريطانيين ورعايا تلك البلاد قد فتح آفاق التعرف على الديانة الإسلامية وتعاليمها من خلال المعايشة اليومية ومطالعة الكتابات الإسلامية والتزاوج مع المسلمين”.
وبالنسبة الى التوزيع المذهبي للمسلمين في بريطانيا، فان المعد يرى انه وبضميمة الاسماعلية والزيدية والأدارسة الى الإمامية تحت وصف الشيعة: “فيمكن القول ان حوالي 25-30% من عدد مسلمي بريطانيا هم من الشيعة”، أي من مجموع خمسة ملايين مسلم في بريطانيا حسب تقديرات المحقق الكرباسي.

آلية الأسلمة
لكل بريطاني دخل الإسلام قصته، فالأبواب والأسباب متعددة، وتختلف نسبة الداخلين في الإسلام بين شريحة وأخرى، ويصل المحقق الكرباسي بطرق الأسلمة ونسبها الى سبع:
أولا: السفر الى الأقطار الإسلامية والتعرف على الإسلام والمسلمين عبر الاحتكاك المباشر، ويشكل المتأسلمون بهذه الطريقة نحو 8 في المائة.
ثانيا: تعلم اللغات العربية والشرقية كالفارسية والاوردو، والمتأسلمون نحو 10 في المائة.
ثالثا: الإطلاع على الإسلام من خلال دراسة الفكر الإسلامي في الجامعات البريطانية، ويشكل المتأسلمون نحو 11 في المائة.
رابعا: التأثر بالحوادث التي ألمّت بالأقطار الإسلامية، والمتأسلمون نحو 13 في المائة.
خامسا: بواسطة مطالعة الكتب الإسلامية، ويشكل المتأسلمون نحو 16 في المائة.
سادسا: عن طريق التزاوج، ويشكل المتأسلمون نحو 16 في المائة.
سابعا: التأثر من خلال عقد الصداقات مع المسلمين وتشكل نسبة 26 في المائة.

اللقاء الأول
ليس هناك إجماع على البداية الأولى للقاء الذي حصل بين المجتمع البريطاني والمجتمعات الإسلامية، وان كانت هناك أكثرية تعتبر الاحتلالات العسكرية البريطانية للبلدان العربية والإسلامية هي بداية الاحتكاك الاجتماعي والاتصال العقائدي، بيد ان الدكتور محمد صادق الكرباسي وهو ينقب عن تاريخ العلاقة البريطانية الإسلامية يقف على وثيقة تاريخية تعود الى القرن الثاني الهجري، وتحتمل الوثيقة ان ملك الإنجليز أوفا (Offa son of Thingfrith) الذي حكم في الفترة (757-796م) كان مسلما بلحاظ اكتشاف نقود بريطانية عليها صورة الملك اوفا مع كتابات إسلامية بالخط الكوفي، لكن الكرباسي يعتقد ان النقد عبارة عن دينار إسلامي يعود تاريخه الى العام 157 هـ (774 م)، وان هذه العملة هي: “من النقود التي كانت تُضرب في هذه البلاد للدولة الإسلامية”، وقد ضربت للمنصور العباسي (ت 158 هـ)، بيد انه لم يستبعد: “ان ذلك مؤشر على أن هذه البلاد لم تكن بعيدة عن الإسلام، إذ أن اتصالات ملوك بريطانيا مع ملوك المسلمين لها تاريخ تليد”.
وهناك عدد من الوثائق التاريخية تؤسس للعلاقة بين بريطانيا والعالم الإسلامي، منها:
– اتصلت الملكة اليزابيث الاولى ابنة الملك هنري الثامن (Elizabeth I) (1533- 1603م) بالسلطان العثماني مراد الثالث ابن سليم الثالث (1546-1595م) وطلبت منه مساعدتها في حربها على اسبانيا وملكها الكاثوليكي فيليب الثاني (Felipe II) (1527-1006م)، وقد وصفت المسلمين بزملاء التوحيد، فيما وصمت ملك الأسبان بالوثنية.
– تم تسجيل جون نيسلون كأول مسلم بريطاني تحول الى الإسلام في القرن السادس عشر الميلادي (ق 10 هـ)
– في العام 1641م ظهر الإسلام في لندن وبرزت بعض المناقشات حوله، وفي العام 1649م ظهرت أول نسخة إنكليزية للقرآن الكريم وذلك عبر الكاتب الاسكتلندي الكسندر روس (Alexander Ross) (1590-1654م).
– في القرن التاسع عشر أسلم لورد استانلي أوف درلي سفير بريطانيا في العاصمة العثمانية الاستانة، واتخذ لنفسه اسم “عبد الرحمن”.
– في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ابن عبد المجيد الأول (1842-1918م)، أسلم السيد كويليام (William Henry Quilliam) (1856-1932م) وهو من أعيان مدينة ليفربول (Liverpool) حيث كان والده صانع ساعات، فتسمى باسم عبد الله (Abdullah Quilliam)، ودعاه السلطان العثماني أثناء حكمه (1876-1909م) الى الآستانة فدرس معالم الدين فعينه شيخا للإسلام في بريطانيا، وعينه الملك الإيراني قنصلا، وأسبغ عليه ملك المغرب لقب عالم، وصرف له ملك أفغانستان 2500 جنيه لبناء مؤسسة إسلامية ومسجد، فحول قسما من بيته الى مسجد والقسم الآخر الى مركز إسلامي وأنشأ صحيفة إسلامية، وسجل هذا المسجد في العام 1889 كأول مسجد يقام في إنكلترا. لكن المحقق الكرباسي يرى ان أول مسجد أسس في بريطانيا كان في مدينة سري جنوب لندن في العام 1661م.
وأما بخصوص المراكز الحسينية فان أول مركز حسيني تقام فيه مجالس عزاء الإمام الحسين (ع) فهو مركز الإدارة الجعفرية في جنوب لندن الذي أسسه مجموعة من المسلمين الباكستانيين في العام 1965م. وفي العام 1960م تأسست الحسينية الحيدرية في مدينة برادفورد شمال إنكلترا.
– في العام 1700 وصلت أول مجموعة من مسلمي الهند الى بريطانيا للعمل في بريطانيا ضمن شركة الهند الشرقية، ثم ازدادت الحركة في القرن التاسع عشر نتيجة الطفرة الهائلة للثورة الصناعية.
– في العام 1741م ظهرت أول وثيقة رسمية تشير الى طائفة المحمديين (المسلمين).
– وسجل العام 1867م حصول أول حالات لجوء سياسي من تركيا وقبرص الى بريطانيا.
– في العام 1886م شُكلت ولأول مرة جمعية إسلامية، وأداراها عدد من مسلمي الهند، وتأثر بهم لورد هيدلي، رولاند جورج وين (Rowland George Allanson-Winn) (1855-1935) فأعلن إسلامه في العام 1913م.
– في العام 1869م استقبلت مدن الساحل البريطاني مثل كارديف وليفربول نحو 80 ألف يمني للعمل في الموانئ والمصانع، وتعتبر الجالية اليمنية من الجاليات القديمة في بريطانيا.
– بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى تم تشكيل جمعية من السفراء والوزراء العرب والمسلمين وتولى رئاستها الشيخ عبد القادر فعمدت الى نشر الإسلام في صفوف البريطانيين. كما ازدادت في نهاية القرن العشرين الهجرات السياسية للعرب والمسلمين، وبخاصة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

قالوا في الإسلام
ولكن ما هي نظرة البريطانيين الى الإسلام، مسلمهم وغيره
– الشيخ سلمان التوحيدي (ت 1421 هـ) استاذ الدراسات الإسلامية: لم أجد في الكاثوليكية من الروحانية ما يشدني إليها ووجدتها في الإسلام فتبصرت بمذهب أهل البيت.
– الدكتور عبد الكريم ونتر الأستاذ في جامعة كامبردج: اعتنقت الإسلام لأن الحضارة الإسلامية بهرتني.
– البروفيسور جون كوبر (John Cooper) (ت 1418 هـ) الأستاذ في جامعة كامبردج: أعجبت بالفلسفة الإسلامية فاعتنقت الإسلام. على مذهب أهل البيت (ع).
– ديفيد بيكوك احد مؤسسي الحزب الإسلامي البريطاني عام 1409 هـ: الإسلام الحقيقي مبني على الفطرة، والناس تحب الفطرة، ولقد خرجت من الكاثوليكية ولا أريد العودة الى شيء آخر يريد منك تكرار الأشياء مثل الببغاء.
– الأمير تشارلز (Prince Charles) أمير مقاطعة ويلز: الإسلام جزء من ماضينا وحاضرنا في جميع المجالات الإنسانية، وقد ساهم في خلق أوروبا المتحضّرة، فالإسلام جزء من تراثنا وليس غريبا علينا، إضافة الى ذلك فالإسلام يمكنه ان يفهمنا ويساعدنا على الحياة في هذا العالم وهو ما فقدته المسيحية، فصلب عقيدة الإسلام هو إعطاؤنا تصورا كاملا ومتكاملا للعالم الذي يحيط بنا.
– السير وليام موير (Sir William Muir) (1819-1905م) في كتابه (The Life of Mohammad): لم يشهد التاريخ مصلحا أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق الحسنة، ورقى شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد.
– الأديب جورج برنارد شو (George Bernard Shaw) (1856-1950م): إن العالم أحوج ما يكون الى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائما موضع الاحترام والإجلال فانه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدا خلود الأبد، وإني أرى كثيرا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بيّنة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في قارة أوروبا، وإذا اراد العالم النجاة من شروره فعليه بهذا الدين، انه دين السلام والتعاون والعدالة في ظل شريعة متمدنة محكمة، لم تنس شريعته أمراً من أمور الدنيا إلا رسمته ووزنته بميزان لا يُخطئ أبداً، وقد ألفت كتاباً في محمد ولكنه صودر، لخروجه عن تقاليد الإنكليز”.
– المستشرق إدوارد هنري بالمر (Edward Henry Palmer) (1795-1883م): لقد جاء محمد بمبدأ عظيم للعالم، فلو أنصفت البشرية لاتخذت دينه لها عقيدة ومنهاجا تسير على ضوئه، وقد كان محمد عظيما في أخلاقه، عظيما في صفاته، عظيما في دينه وشريعته، وإنني لا اُبالغ إذا قلت ان شريعته تحمل الى الناس تعاليم ونظما وقوانين ليس في غيرها مما سبق مثلها.
وأخيرا فاني أقف على رصيف المعد الدكتور علاء الحسيني: “ان دخول المسلمين في الحياة السياسية والنيابية البريطانية سيساعد على ترسيخ الثقة بينهم وبين الآخرين، كما يفسح المجال لجلب الآخرين الى الإسلام”، أو ليس أقل تعريفهم بالإسلام وتقبل التعايش معه، وهذا لا يختص بالمملكة المتحدة، بل في كل مجتمع غير مسلم فيه جاليات مسلمة، فالإنخراط المحمود فيه صلاح المسلمين ونجاحهم، ورقي المجتمع ونجاته.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن