الرئيسية » مقالات » انفالات…وهل من عبر؟

انفالات…وهل من عبر؟

في مراسم مهيبة حضرتها جماهير غفيرة من اهالي اربيل عاصمة اقليم كوردستان، وبرعاية الرئيس مسعود البارزاني ونائبه السيد كوسرت رسول ورئيس وزراء الاقليم السيد نيجيرفان البارزاني وقيادات الحكومة والاحزاب الكوردستانية والسيد برهم صالح ممثل السيد رئيس وزراء العراق نوري المالكي وسفراء وقناصل الدول الاجنبية، تم استقبال رفات 358 شهيدا من المواطنين الكورد الذين قتلتهم العنصرية البعثية في حملات الانفال الاجرامية عام 1987 في منطقة دوكان(68 كيلومترا شمال غرب السليمانية) وجدت بقاياهم في صحاري السماوة والحضر 11 شهيدا منهم وجدت رفاتهم في احد معسكرات الجيش العراقي القديمة في جوار قرنة.
وفي يوم 17 / 1/ 2008 ودعت جماهير اربيل، والجماهير المحتشدة في القرى والمدن والقصبات الواقعة على طول الطريق من اربيل الى دوكان جثامين الشهداء ليدفنوا هناك في الارض الام التي ولدوا عليها بين اكتاف الجبال و جنائن النرجس وشقائق النعمان، ولترتاح ارواحهم التي زهقت غدرا في احضان الوطن الذي كان ضحية الاعصار العنصري الانفالي المجرم المتجرد من كل القيم الانسانية المتنكرة لكل شرائع الارض والسماء.
وبعودة جثامين هؤلاء الشهداء مع جثامين حوالي خمسمئة للشهداء البارزانيين قبل فترة ليست بالقصيرة يكون قد تمت اعادة رفات اقل من الف شهيد من شهداء الانفال الذين يبلغ عددهم الاجمالي حوالي 182 الف شهيد معظمهم من الاطفال والنساء وكبار العمر، وقد علم من سياق محاكمات الانفال انهم دفنوا في انحاء متفرقة من صحاري العراق الغربية، وثمة اصرار مشروع من قبل حكومة اقليم كوردستان وشعب كوردستان للتعرف على اماكن دفنهم بغية اعادتهم جميعا، لتهنأ ارواحهم الطيبة على ثرى وطنهم كوردستان.
وقد نشر معهد الطب العدلي لاقليم كوردستان (حسب به يامنير)، احصائية عن الوجبة الجديدة لهؤلاء الشهداء وكانت كالاتي: مجموع الوجبة التي ارسلت رفاتهم الى منطقة دوكان كان 358 جثمانا، عدا (13) شهيدا اخر كانوا من اهالي دهوك وارسلوا الى هناك كي يدفنوا في مقبرة خاصة بهم. من وجبة دوكان كان عدد الاطفال الشهداء 160 شهيدا، والنساء 116 شهيدة و82 شهيدا من الرجال البالغين، اي ان: 44.7% من الضحايا كانوا من الاطفال 32.4% من الضحايا كانوا من النساء البالغات 22.9% كانوا من الاطفال دون سن البلوغ ويمكن القياس على هذه العينة لنسبة الاطفال والنساء والرجال الذين اغتيلوا في جريمة الانفال من الـ (182) الف انسان الذين قتلوا او دفنوا احياء ضمن تلك العمليات الاجرامية.
ان قراءة لاختيارات القتلة في تنفيذ جريمتهم تفضح مدى القساوة والدناءة التي كانوا عليها، فهم شددوا اولا على قتل النشأ الجديد، الاطفال، وبعدهم شددوا على افناء الارض الولود، الام، وبعد ذلك على الخصوبة، الرجال، فالعملية كانت مدروسة في عقلهم الفاشي، مما يؤكد ذلك العملية لم تكن عفوية وحقدا عابرا على الكورد او هجوما تكتيكيا لابعاد (الايرانيين) عن (شمال الوطن الحبيب!)، ان الذين قتلوا الـ (182) الف كوردستاني هم انفسهم الذين يقتلون اليوم العراقيين ويفجرون المدارس والمستشفيات والكنائس والجوامع والحسينيات ومعابد الكورد الايزدية، هم انفسهم الذين يفخخون السيارات ويختطفون المواطنين ويقتلونهم على الهوية، ومن هنا ايضا يأتي مدى الحاجة الى اعادة تأهيل المجتمع ليعود معافى من قيم الهمجية التي نشرها الحكم الدكتاتوري الى القيم النبيلة للانسانية والمواطنة الحقة دون التلطي تحت شعارات مزيفة تكمن تحتها الالاف من ثعابين الانفال ولكن بفبركات جديدة وبتسويق جديد مبرقع بالخشية على العراق وسيادته ووحدته الوطنية.
ومن هنا تأتي ايضا خشية الكورد على مستقبل اجيالهم، فعمليات الترحيل وتغيير الهوية القومية والتجويع و الجينوسايد التي تعرضوا لها قبل الانفال، في الحروب المدمرة التي اثارها الترك والايرانيون على ارض كوردستان او عبر كوردستان في القرن العشرين والقرن التاسع عشر والثامن عشر والسابع عشر والسادس عشر وقبلها الى حقب مظلمة اخرى، وانفالات الحكومات العراقية في ثورات بارزان الاولى وثورات الشيخ الحفيد وثورات شمال كوردستان وشرقها(1) والانفالات البعثية (المعاصرة) الكيمياوية منها وغير الكيمياوية والقتل العام للكورد الفيليين والكورد الايزدية، كل هذا القتل العام للشعب الكوردي خلف وراءه مئات الالاف من الشهداء مستهدفا وبـ (جدارة) ازالة امة بكاملها من الوجود، ولولا تلك الانفالات بمختلف تسمياتها والمستمرة الى الان في اجزاء كوردستان الشمالية والشرقية والغربية وبوسائل مختلفة وتحت اعذار مفضوحة، لكان العدد الكلي الان للشعب الكوردي يربو على المئة مليون انسان على ارض وطنهم.
لكل ذلك من حق الكورد ان ينتبهوا اليوم، ويتحسبوا كثيرا للزعيق والعويل الذي يرتفع هنا وهناك وبعضه من تحت قبة البرلمان العراقي او خارج حدود العراق، ان بعض هذا الزعيق يحمل النكهة الكريهة والعنصرية نفسها لـ(قادة) الانفال السابقين، ان من ينكر اليوم على الكورد حقهم في كامل ارض جنوب كوردستان وبضمنها كركوك وسنجار وخانقين وطوز خورماتو وبدرة ومندلي وغيرها من القصبات الكوردستانية ووفق صيغ قانونية دستورية رضي بها الكورد وكان من حقهم ان يرفضوها اساسا، اقول ان من ينكر كل هذه المسائل المشروعة ويحاول اعاقة الصيغ الدستورية الموضوعة، اقول ان هؤلاء لا يمكن الركون الى صدقيتهم ابدا، لذلك من حق الكورد ان يلجأوا الى كل ما يضمن لهم كامل حقوقهم على ارضهم الوطنية ومنع تكرار عمليات الجينوسايد مرة اخرى، كما ان من حقهم ان يمتلكوا وبأيديهم الوسائل( كل الوسائل) التي تمنع تكرار عمليات الجينوسايد وترد عن كوردستان وشعبها عاديات الايام، فمعسول الكلام والعهود والمواثيق وحدها لن تفيد في زمن تعرف السياسة بأنها فن الممكنات او… اقضم ما بدا لك حين تجد الفرصة المناسبة كي تحرك معولك على الجرف الاخر!
ـــــــــــــ
(1) خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان من اقدم العصور التاريخية حتى الان- الناشر حسين قاسم – ترجمة محمد علي عوني – مطابع زين الدين-القرية- لبنان 1985.