الرئيسية » مقالات » البارحة جند السماء واليوم أنصار اليماني وغدا السفياني

البارحة جند السماء واليوم أنصار اليماني وغدا السفياني

يبدوا أن قوى الإرهاب والجريمة أخذت ترتدي لبوسا دينية جديدة لتمرير أجندتها الرامية إلى تدمير العراق،في ظل المد الديني المهيمن على مشاعر الناس،وغياب القوى القادرة على زرع الثقافة الهادفة في عقول الجماهير،فترى البسطاء والسذج يندفعون وراء أي بارقة أو ومضة تجعلهم قريبا من الله متصورين في الظواهر الجديدة صحة العقيدة استنادا للموروث من العقائد التي حددت علامات الظهور،مما دفع البعض ممن يسعون لأغراضهم الدنيئة استغلال هذه الأمور في الضحك على عقول البسطاء الذين يندفعون عن إيمان أو جهل،أو أغراض بعيدة عن الدين وأهدافه النبيلة،ففي العام الماضي فوجئ الناس بحركة مسلحة أطلق عليها جند السماء،تزعمها شاب عراقي يعرف الكثيرون ماضيه،وما كان عليه قبل هذه الأيام من انغمار في متع الحياة ومتطلبات اللذة،وينحدر من أسرة لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد،وقد ركب الموجة بعد سقوط النظام وارتدى عمة زادت أمتار عدة عما يرتدي رجال الدين المخضرمين،وأطال لحيته وأدعى الارتباط بملائكة السماء جاعلا من نفسه قاضيا لها في الأرض دون أن يكون على شيء من العلم الديني أو الدنيوي،وإنما ركض وراء البارقة الجديدة،واستطاع التغرير بالشباب الساذج في ظل الفراغ الفكري الكبير الذي أوجده النظام البائد عندما غيب الثقافة والمثقفين وأفسح في المجال للدجالة والمشعوذين أن يتبوءوا سيادة المجتمع في حملته الإيمانية التي حاول من خلالها واد الفكر الديني المحافظ تحت واجهات دينية متطرفة مغرقة بسلفيتها وأصوليتها ،فكان السلفيين والتكفيريين والوهابيين وحملة الدرباشات يجوبون المساجد والجوامع في حفلات أذكار تراق فيها الدماء،وتنحر خارجها الصهباء،وتذبح الفضيلة على الأعتاب،بقيادة العبد الصالح عزة الدوري الذي كان يشرف على حفلاتهم ويمدهم بالعون المادي واستغلال سلطته بفتح التكايا الكبيرة حتى في الأماكن التي لا يوجد فيها من يسير على هذا النهج،في محاولة لإنماء الحزازات والخلافات بين الأطياف العراقية المختلفة.
لقد استطاع هذا الشاب الماكر التغرير ببعض الشباب الساذج وقسم من المتعلمين الذين لم يكونوا على معرفة تامة بثقافة تستطيع تحصينهم من الارتماء في الأحضان الدافئة للقادرين على خداعهم،وتمكن من تكوين تشكيلات مسلحة بالاستفادة من الموروث الديني وبعض الروايات المبشرة بخروج الإمام المنتظر،فادعى الإمامة والعلاقة الحميمة بالسماء واستطاع من خلال بعض الأعمال السحرية ابتكار أمور تجعل الآخرين يصدقون روايته،ويسيرون خلف رايته،وتمكن من كسب هؤلاء الشباب وزجهم في حركته،واستطاع بمعونة أطراف خارجية الحصول على أموال طائلة أعانته في أنجاح مخططاته وتمكن من شراء مزارع في ضواحي مدينة النجف جعلها معسكرا لأنصاره،وملأها بالأسلحة المختلفة،وجمع حوله بعض المريدين والأنصار الذين صدقوا ادعاءاته واستفادوا من أمواله،وأراد أن يجعل من محرم الماضي يوما داميا يحتل من خلاله المدينة المقدسة لينطلق منها إلى المدن الأخرى،وبناء دولته الجديدة،ولكن حركته لم يكتب لها النجاح،وقبرت في مهدها بعد حصول الجهات الأمنية على معلومات مؤكدة عن خططه وتحركاته،فكانت نهايته مع أنصاره في معركة استمرت عدة ساعات،وإلقاء القبض على شبكاته الموزعة على مختلف المدن العراقية.
وراجت في وقتها إشاعات عن وجود جماعة تطلق على نفسها أنصار اليماني التي سارعت إلى نفي علاقتها بجند السماء وإنها حركة سلمية دينية تهدف للمشاركة في بناء البلد،وفوجئ الشعب العراقي في العاشر من المحرم هذا العام،بتحرك هذه المجموعة في مدينة البصرة،وقيامها بمهاجمة قوات الأمن والشرطة،التي ردتها عليها بهجوم مقابل تمكنت خلاله من قتل واعتقال وجرح المئات من أنصار اليماني ولا زالت تطارد الفارين منهم لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء،وقد تبين ضلوع قوى خارجية في دعمهم حسب تصريح الناطق بأسم الداخلية العراقية،في أشارة واضحة إلى دور السعودية التي ثبت علاقة جند السماء بها وتموينهم من قبلها،والغريب أن الناطق صرح بوجود أساتذة جامعات ودكاترة وخريجي جامعات بين المنضوين في هذا التيار مما يدل على مدى الجهل الذي وصل أليه المتعلمين في العراق،ومدى الضحالة الفكرية التي عليها البعض من المحسوبين على رجال الثقافة والعلم في العراق.
أن هذه الظواهر تضع الحكومة العراقية أمام مسئولية كبيرة في تنمية الجوانب الأمنية والاستخبارية لرصد المجموعات المتطرفة التي بدأت بالنم والتكاثر هذه الأيام،حيث تشير المعلومات الخبرية المتسربة،إلى وجود مجاميع أخرى تحمل ذات التوجهات،وتعمل بشكل سري أو تحت واجهات دينية وعقائدية،لذلك يتطلب الأمر الإسراع بإقرار قانون الأحزاب والجمعيات وعدم السماح لأي جهة مهما كان توجهها بالعمل في الساحة العراقية دون الحصول على إجازة رسمية بعد أن تقدم المستمسكات المطلوبة لتأسيسها بما في ذلك برنامجها السياسي ونظامها الداخلي ومصادر تمويلها،حيث يلاحظ تكاثر المؤسسات التي تمارس نشاطات مختلفة وبإمكانيات مالية هائلة تحت واجهات دينية وإنسانية،دون معرفة مصادر تمويلها أو الجهات القائمة ورائها،وهذه المؤسسات تصدر بيانات تحمل في طياتها الكثير مما يسيء إلى بعض الجهات العراقية ويؤدي إلى البغضاء وإشاعة الفرقة بين الأطياف المختلفة،وتشن هجمات على بعض الأحزاب المشاركة في العملية السياسية،وأحزاب وطنية لا يأتيها الباطل من خلفها أو إمامها،دون أن يكون هناك رادع لها أو قانون يطالها،وتسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في التأثير على الرأي العام العراقي بأطروحاتها غير المسئولة التي تسيء لهذا الطرف أو ذاك،وتصب في مصالح بعيدة عن الهم العراقي ومصلحة البلاد العليا.
أن الفوضى الحالية قد تدفع إلى السطح بالكثير من الجهات التي تستغل الفراغ لتمرير مخططاتها الهادفة لزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد،وعلى الجهات المسئولة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من هذه الظاهرة المدانة،وإيقاف مثل هذه الأطراف عن ممارسة نشاطاتها غير القانونية أو حيازتها على الأسلحة غير المرخصة تحت واجهات دينية لا يمكن الركون إلى مصداقيتها لمجهولية مرجعياتها أو وجودهم خارج العراق،أو ارتباطهم بدول لها مصلحتها في تأزم الوضع العراقي وإشغال الحكومة وجر البلاد إلى معارك جانبية تعيق عملية البناء والأعمار،وتساهم في أثارة البلبلة بين الجماهير،والدليل ما يظهر بين فترة وأخرى عن وجود تنظيمات مسلحة تسهم في إرباك الوضع الأمني،وتشغل الجهات الأمنية في وقت هي بأمس الحاجة إلى الانصراف لمتابعة العناصر الإرهابية الوافدة من خارج الحدود،وإذا كان العام الماضي قد شهد ظهور قاضي السماء،وشهد هذا العام خروج اليماني،فقد يخرج علينا العام القادم السفياني براياته السوداء ليهلك الحرث والنسل،ويميت الزرع والضرع،وعلى الجهات الأمنية أن تكون بالمرصاد لهذه التجمعات الإجرامية التي اتخذت من الدين ستار لتمرير مخططاتها الإجرامية الرامية لتدمير العراق وشعبه،وإشغاله عن بناء وطنه وإخراج المحتلين.