الرئيسية » مقالات » ارجوك أن لا تفتحي الماسينجر …

ارجوك أن لا تفتحي الماسينجر …


أرجوك أن لاتفتحي الماسينجر ، لأنك لن تسمعي سوى عويل ٍ من كوكب ٍ ناء ٍ ، حنين ٍ مندحر ، وحنان ٍ لاطائل تحته ، ولا تفتحي الكاميرا ، فلا يجب أن تري شبحا هزيلا قادما من حرب ، او طفلا متربا ومُجوّعا ، ليس له سوى برد الشوارع وغياب الأهل والوطن والأحلام .

اغلقي الماسينجر وكل طريق تؤدي اليك حتى ولو في المنام ، اغلقي النافذة الصغيرة التي منـّيت نفسي باطلالة عليك من خلالها ، لكن لا .. لا الف لا … اللبلاب الحالم مات… الجدران التي عرش عليها السوسن ذات يوم قد شاخت وتهدمت .. اننا في عصر الأطلال ومجرة الرماد .

لك الحق .. فلطالما مررت ِ انت من وراء السياج أيام كنا هناك !!! وحلمت ِ بتخطيه ومنيّت النفس بي ! وكنتُ ذلك المختفي عنك ببابي الحديدية وحصانة السُلّم الذي جئت لترتقيه مرة فاذا بك مجرد زائرة .. زائرة في مهب السراب… لايد امتدت اليك ولا كتف لتستندي عليه برأسك الذي يضاهي الليل جمالا ونجوم الكينونة سحرا َ … كلا .. فلم تكوني انت كذلك سهلة او عابرة ولم اكن سوى تمثال التماثيل …

ظلت يدك باردة ، تخبط في هواء الشوارع ، ولفظة لا انساها هي زادك في اللوعة وأنت تقفين على رصيف في شارع السعدون معي : “اين نذهب؟ “… ظلت هذه الكلمة سوطا ً لاهبا لي على ظهري وفي المنام …
33 عاما وهي معي وبلهجتنا العراقية المسبية منذ بدء التاريخ ” وين انروح ؟ ” … والنهار كان على اشده … كنا نذهب الى صحراء من رياح عاصفة لا اراك فيها سوى التماعات من نور وقلائد على صدرك من بلور ، وسوى صرخات كامدة .. كان ليلا في النهار لانرى فيه بعضنا ونحن معا ً .. كنت استاذتي في الحياة ولذا كنت ولا زلت فاشلا ً !!!!.. لأنك لم تجرجريني وتمرغي بي الأرض كما يفعل الأساتذة بنا ذات يوم وذات مدرسة .

كانوا يلغطون بأسمينا ، بل يُلغِمون اللغط بانسيابات افعى وبلديغ نحسُّهُ بالعيون وكان بعضه بالهمس ، وكنا نعنى بروحينا ، الى اي برزخ نمضي وفي اي نار نختفي كي ننآى من سلاسل جحيم بعضينا .. كانت ثيابك تضمخ الكرادة المشمسة بأريجها البابلي ، وكورنيش أبي نؤآس بأنفاس النبية التي هي انت … كانت الأرض تتلطخ بالنرجس من اقدامك والسوسن من كعبيك …

تعلمين كم كنا طفلين شقيين ضائعين في هواء بغداد وتحت شمس ظهيرتها الحارقة ؟ …
وهناك اتركك لأن موعدي معها قد حان … فأمضي الى بيت الزوجية وتظلين في عرض الهباء ، في اندحار وانتظار وكمد واصطبار … حتى يحين لقاؤنا مرة ثانية في الصالحية كي نعبر الجسور الى ضفاف العطش والجوع ، وعبارتك التي اصابتني بالعدوى : وين انروح ؟ ” .

لا تفتحي الماسنجر لا : اليوم تعلّمت ِ أن تذهبي بدوني الى العش . وعرفتُ ان امضي انا بعدك الى الهباء … وكأني لغبائي بعد ان خرب الزمان بيتي ، أقول لك : انا وحيد ” وين اروح ؟ ” أنت عائديتي في الضياع … لا ازال تحت شمس الظهيرة وانت هناك في دار الزوجية هل تبادلنا المواقع ؟… والى اين امضي في لجوئي الجديد لسوى فقيدتي الاولى والأخيرة .

لا تفتحي الماسينجر لا … لأنك لا تريدين ان تنزلقي في الذكرى انها موجعة … انها هاوية وأنا في قعرها بحرٌ يفور بقروش وتماسيح وافاع ٍ…قد آخذك معي الى درب “الصد مارد ” او الى ” سويد الماي ” اذا ما طِحت ِ به عاد ابو نؤآس بحدائقه ومقاهيه الى ذاكرتك مع وجوه وقلوب محطمة كنا نسير وهي تطير خلفنا في رفقة حلوة المذاق لكنها مسمومة وملغومة … وكنا نغيب الساعات وتلتاع القلوب …
كانت هي قد انهارت بدموع سيّالة وراحت تستفسر من الناس اين تهذب الحلاوية به ؟! ولمَ انا هنا بين اربعة جدران؟ ..
لا يا الآهي كم يجب ان اعتذر او ان انتحر امام قدمي امرأة في بداية مشوارها العاطفي ، تنتظر وتنتظر بين جدران خاذلة ومخيّبة لأزهى سنين العمر … ألم تكن هي جميلة … نعم من اجمل نساء بغداد ولكن انت انت آه ٍ والف آه … انت سحقت كل شئ .. لقد جئت من عالم عجيب … جئت كما التايتانك ودست على كل السفن الشراعية … ففتحتُ عيني على كنز الكنوز ، ونجمة السهى في درب التبانة المهول الحسن … كان وجهك فوق طاقتي … فتنتني بالبهاء حتى غدوت نصفَ وغد ٍ .. او وغد مع وقف التنفيذ… كنتُ وفاء ً لها اكتفي بالهيام معك في الشوارع واتركها وحيدة … قدرها ان تظل وحيدة .. واليوم اكتب لك ولا اقول باكيا لا فأنا الدمع والدمع أنا .. جدول خذلان وسموم ومياه آسنة هو أنا .
لا تفتحي الماسينجر.. كي لاتسمعي صراخي فأنا مقتول حبا بكما ..انا انسان كريه .. وأستأهل ان تعذبني هي في غيابك لثلاثين عاما …كنت في عقوبة ومحكوما بالأعمال الشاقة .. ومحروما من ذرة من انوثة وعطر وميكياج وسمر ليلي .. كنت صحراءً او ارضا جرداء لا يأتون بالماء اليها عن عمد وذلك انتقاما على تعبدي الأزلي في محرابك الطاهر النبيل .. واخيرا في كهولتي المتقدمة القت هي بي في الشوارع … فذهبتُ في الاحلام والأوهام ، وفي كل يوم الى شارع السعدون .. اقف على الرصيف من دونك… : الى اين اذهب ؟ لا ” آن ولا ودان ” لا هي ولا انت ؟ … ولا حتى توفيق ناجي الذي غادر الحياة .. ولا عامر الداغستاني ابو ذر الحنون ليمسك بيدي ويشد من أزري ، لقد مات كما مات الكثيرون … امضي سائرا على قدمين موجوعتين وعينين مفجوعين ، يتيما ، بل غريب غرباء ، ادور هنا وهناك في ساحة النصر أيام كنت انتظر معها الباص رقم 4 … ومعك ؟ انتظر السحق والمحق والإبادة والتهشيم… واجتاز المكان الى حيث جسر الجمهورية وهواؤه الأثيري القادم من الجنة … اراك هناك شبحا ً فأموت لمرآك بعد ان تنهار قدماي كما تنهار اُم امام قبر ابنها … ادور في الصالحية حيث كنت تعبرين من هناك تخبطين بيديك النحيفتين والناس تستوقفك لتحدثك بفرح وفخر، كأشهر امرأة في بغداد في مجال الفكر والأدب والرسم والنحت والسينما والموسيقى … نعم نعم لقد اثبتّ ِ لي ذلك … لقد رسمت لي لوحة ” المقبرة ” لتوماس گراي واسمعتني ” الجنازة ” لشوبان … وادبك وفكرك علمني ان احب لكن ان لا المس وان لا انسى ما قاله الياس ابو شبكة :

” وارفع الكأس لكن لست الثمها
واقرب الإثم لكن لست ارتكبُ ”

والناس تتهم ، وهي الى الآن تبكي … وقلب مفجوع آخر لا اريد ان اذكر اسمه … هي الصريع الأول في حلبة ” الموت السعيد “الذي كان يطاردنا مثل فراشة دامية الجناح وكنت اقترح ان نمضي معه الى خيبته وخرابه الى ” الكنج” حيث كان يتعبد لذكراك وكنت ترفضين …
كنت تتألقين بي في فضاء بعيد ليس له ايما صلة بالعلم اذ لا يهم ان تشرق الشمس من الغرب او الشرق او ان تدور الارض نحو الشمال او الجنوب كنت انت وانا في هوس ٍ جعل الناس تجن معه وتدور في فلكه … ويوم ذهبنا الى بيت والدي جواد الحنظل .. لطمني على رأسي بصداقة وقد قال مبتسما ” ليش استعجلت … هذي هي حورية البحر والبر والجو ! ” اللعنة عليك تأتي اما متقدما جدا او متأخرا جدا .
وذهبنا كلا ً في طريق …

لا .. لا تفتحي الماسينجر وارجوك ان لاتفتحيه ليلا لأن خرابي ومصابي هو في الليل انوح مع باخوس ، وارقص على نغم سومري كامرأة عاشقة وسط الحرائق .. اتمايل مصدوعا ومحموما مثل عليل في فراش .. الكأس يدفعني الى الركوع امام حسنك فأمسك بي بقوة واتشبث بكرامتي… لا لن احني رأسي ! وفي الحقيقة اتمنى ان اقطعه امام قدميك وتحت عرشك الخالد .
لا لاتفتحي الماسينجر .. الجدران بعدك صديقتي . ووحشة الممرات ، بعدها وبعد اولادي ، هي لحدي اليومي ومدافني في اهرام من وهْم … كلاكما غادرتما هي اخذت مفاتيح دارنا واشارت لي الى الصحراء وقالت بسخرية في وداع العمر… انظر من هنا تذهب ..ومصيرك ان لاتعود … وانت بعد انتكاستي اغلقت بوابة الأحلام بوجهي واختبأ وجهك خلف باب لا لون له .. ومع وزوج لم اره لكني استمعت له – في ماسينجر اول واخير – وهو يقبلك قادما من شقاء عمله … انه يحييك بحنان واكبار .. وطفلة بعمر الورد هي انت في روعتك وبلوريّتك الاولى واريجك الفواح ونحن في بساتين شاكر الوادي حيث ذهبنا الى بيت توفيق ناجي وحيث تألق بشواهقه الفكرية وذراه الأدبية ذلك الساحر الأتماتوفي ابو عاصم عامر شاكر فهمي الداغستاني خريج اكاديمية السجون العراقية وحاصل على دكتوراه بتحمل سياط القتلة… اردت لك يومها ان تتعمقي في مشاهدة جرحنا .. وأخّـرتُ موتي ، اردتك لعشقنا الانساني لكوكبنا الجميل وليس لعشقي الشخصي فأنا بعيد عنك ومعتم كما هو العمى في شبكية العين .. ماء اسود في العين ارتضيته لنفسي يومها ولا اغازل شعاع القمر .. ولم اكن اريد ان أقرأ ابن المعتز يومها وهو يصفك أعني القمر ! :

” انظر اليه كزورق ٍ من فضة ٍ
قد ثقـّلتهُ حمولة ٌ من عنبر ِ .”

وعشت معك وبدونك !عشت كظلك الحبيب ، لا لجسدك! بل لذهنك الراقي ، لا للجرذنة واخلاق المنفعة والبذاءة … كنا الأول في المحبة لا في الحب وكنا اجمل قتيلين في الظمأ وغريقين في الدم … وكانوا يلغطون .. ولا يزال تحت وسادي فحيح الأفاعي وظلام المحطات وجراح الغربة ، وأنا اتهاوى يوما بعد آخر .. اضعف ، ويغدو البكاء لدي ّ شرابا وطعاما .. وأنت تتباخلين اليوم في القول والردود .. وهي قد اشادت السور عاليا وحجبت حتى الله عني ..

لا .. لاتفتحي الماسينجر .. عندي من سألوذ به .. كأس اترعه بدموعي .. وخيالات ادفئها بجراح صدري .. واحوم كالطائر من” سيْد دريس ” حتى ساحة التحرير ، والسنك وتمثال الرصافي والحيدرخانة والصرافية والكسرة والاعظمية وكورنيشها وأحط هناك عند مقهى صفوان مأواي الأبدي ومنفاي السرمدي وملاذ احيائي واموتاي .. هناك احط وفي عتمات الليالي والرياح الباردة اموت طاويا على ذكراك .
لا تفتحي الماسينجر . لكن اعلمي ان المقهى الخالد بك وبي وبضجة اصدقائنا معنا ، قد اعيد بناؤه بعد خراب واهمال ألمّ به ، وطاولاته عادت جديدة ، ويطبع الغروب قبلته على شفتيه ، وان عاشقا آخر سيحاول التقاط صورة لحبيبته صورة كتلك التي التقطتها ذات يوم لك وخلفك قرص الشمس ، لكن بنقاء اوضح وأقيام جمالية أرقى مما يقوى عليه طريد وشريد مثلي .
لا تفتحي الماسينجر …