الرئيسية » مقالات » محنة الدين في فقهاء السلاطين القسم الثالث

محنة الدين في فقهاء السلاطين القسم الثالث

تاريخ العراق القديم غزير بالمعلومات المستفيضة عن الشعوب التي قطنت أراضي الرافدين الخصيبة وشيدت عليها أول المواقع السكنية التي عرفتها البشرية منذ أكثر من عشرة آلاف سنة . لقد تبلورت بين سكان العراق ونشأت مختلف الحضارات التي دأبت على إستمراريتها هذه الشعوب بالرغم من تغيير الأوضاع ألإجتماعية والإقتصادية والسياسية والدينية التي طرأت بمرور الزمن على طبيعة هذه المجتمعات , لقد بقيت حضارة وادي الرافدين تشكل الشعلة الوهاجة في تاريخ البشرية جمعاء ومن خلالها إنطلق التراكم الحضاري ليتلاقح مع الحضارات التي تلت هذه الحضارة فأفرزت جميعآ التطورات النوعية التي بدأ ت البشرية منذ ذلك الوقت تعمل على تواصلها حتى أنتجت ما نحياه اليوم من حضارة إنسانية لا يستطيع أن يدعي أي شعب من الشعوب إمتلاكه وحده لها . فالعراق أو وادي الرافدين , كما يطلق عليه التاريخ القديم , هو موطن الحضارات ألأولى التي ساهمت بنصيبها منذ البدء في تطور الحضارة البشرية التي نعيشها اليوم . هذا ما تخبرنا به كافة ألإستنتاجات العلمية التي إنطلقت من الدراسات الجيولوجية والتاريخية وأبحاث تاريخ الشعوب وكذلك الدراسات البيئية والمناخية وحتى الدراسات الدينية . وإذا ما تناولنا الدراسات ألدينية , التي تتعلق بموضوعنا هذا , فسنجد بما لا يقبل الشك بأن وادي الرافدين كان موطنآ لكثير من الأقوام التي تبنت ديانات مختلفة مارست من خلاللها طقوسآ وعادات وتقاليد تلبورت لديها من خلال قناعاتها الدينية هذه . فإذا إنطلقنا من إعتبار الدين وكل ما يتعلق به من تراث وعادات وتقاليد جزءً من الحضارة , فإن ألأديان التي نشأت في وادي الرافدين قد ساهمت في خلق حضارته بحيث نستطيع ان نفسر التغيرات النوعية التي عاشتها هذه الحضارة على إعتبارها حصيلة للتراكمات الكمية التي جاءت بها ألأديان المختلفة التي نشأت وتبلورت على هذه ألأرض . أي أننا لا نستطيع علميآ وتاريخيآ أن نختزل تاريخ وادي الرافدين إلى حقبة تاريخية بذاتها لنجعلها السمة الأساسية لكل حضارته السابقة واللاحقة . إن هذا النوع من ألإختزال يسلبنا أول ما يسلب أحقية الحديث عن هذه الحضارات السابقة باعتبارها جزءً من تاريخنا . إذ لا يحق لنا علميآ وتاريخيآ أن نتحدث عن إنتساب عراق اليوم إلى هذه الحضارات السابقة التي عاشها وادي الرافدين . وهذا ألإشكال بالذات هو الإشكال الذي يقع فيه منضرو إسلام الفقهاء الذين لا يرون أبعد مما يصوره لهم قصر نظرهم الذي يسعى وراء هذا الإختزال من جهة ويتبجح بانتماءه إلى التاريخ العريق لوادي الرافدين من جهة أخرى . في الواقع يحاول اٍسلام فقهاء السلاطين أن يجرد العراق من ألأقوام والأديان التي إستوطنته قبل ألإسلام وشكلت شعوبآ وقبائل فيه قبل أن يكون للعرب أي وجود مسبق فيه , لينطلق من القرون الأربعة عشر الماضية التي تشكل التاريخ ألإسلامي لعراق اليوم . وهنا ارغب التأكيد على نقطة مهمة ربما سيحاول فقهاء السلاطين إستغلالها للهجوم على هذا الطرح ألذي قد يصورونه , وهم في مثل هذه التصورات فرسان لا يُشق لهم غبار , إنتقاصآ من ربط العراق بالدين ألإسلامي . نطمئنهم في هذا المجال ونقول إننا لا نمزج بين ألإسلام والتاريخ ألإسلامي ونؤكد على أن التعاليم الحقة التي جاء بها ألإسلام والتي تدعو إلى التآلف والرحمة والمحبة قد شوهها القائمون على هذا الدين منذ إستيلاء الأمويين على شؤونه وحتى يومنا هذا, هذا إذا ما إستثنينا بعض النجوم المضيئة في هذا التاريخ . وحديثنا هنا لا يقتصر على العراق وحده , إلا أننا نأخذ العراق مثلآ للأفكار الظلامية العدائية السوداء التي يتبناها إسلام الفقهاء ضد الأديان ألأخرى المختلفة التي تواجدت ولا تزال تتواجد في العراق منذ وجوده وحتى يومنا هذا , فيتجاهلون , أو ربما قد يجهلون فعلآ , ما تبناه إسلام السماء من هذه ألأديان وكيف تطرق إليها القرآن الكريم بآيات بيّنات محكمات لا لبس فيها ولا غموض .
لا نريد الغوص عميقآ في بطون التاريخ لنبين مدى الترابط بين ألأديان التي ضمها وادي الرافدين , بل سنكتفي بدراسة العلاقة بين آخر الأديان التي تبناها سكنة هذه البقعة من ألأرض وكيف تعايشوا مع بعضهم البعض لآلاف من السنين , هذا التعايش الذي لا يعترف به , لا بل يحاربه , فقهاء إسلام السلاطين .

حينما كانت الدولة الساسانية تسيطر على شؤون بلاد وادي الرافدين كان هذا الوادي يضم الكثير من الديانات القديمة إلى جانب الديانتين اليهودية والمسيحية . لقد إستمر أتباع هاتين الديانتين بشكل خاص على ممارسة طقوسهم الدينية حتى بعد سنة 636 حين هزمت الجيوش الإسلامية جيوش الدولة الساسانية ووضعت العراق تحت الإدارة ألإسلامية . ويمكن القول أن التعايش بين الدين الجديد والديانتين السابقتين له في وادي الرافدين المتمثلة باليهودية والمسيحية , إلى جانب الديانات ألأخرى القديمة المنتشرة على بقاعه كالمندائية والأيزيدية , قد تم بشكل أكثر إنسجامآ مما كان عليه أثناء ألإدارة الساسانية , حيث أن الدين الجديد , ألإسلام , يشترك مع هذه ألأديان في كثير من الثوابت والتعاليم الدينية التي يتبناها . ( من يرغب ألإستزادة في المعلومات في هذا المجال , فلا بأس من أن يراجع الكتاب القيم للباحث العراقي الدكتور رشيد الخيون المعنون ” ألأديان والمذاهب بالعراق ” من منشورات دار الجمل ) .

ألآيات القرآنية التي يدعو فيها دين السماء إلى الحكمة والموعظة الحسنة وإلى التي هي أحسن في التعامل مع الآخرين فسرها فقهاء السلاطين كدعوات لقتل من لا يدين بدينهم كائنآ هذا من كان سواءً نطق الشهادة ألإسلامية أو تبنى رسالة النبي إبراهيم (ع) الذي أصبح الدين ألإسلامي الحنيف , دين السماء , إمتدادآ لها بعدئذ . فقهاء السلاطين يعرفون تمامآ ماذا قصد إسلام السماء بالآية 14 من سورة الشورى التي تنص على ما يلي ” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحآ والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ألله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من يُتيب ” . إن المتأمل لهذا النص القرآني الكريم لابد أن يدرك مغزى ذِكر دين واحد هنا ولم يذكر عدة أديان رغم تطرقه إلى عدة أسماء من حملة الرسالة السماوية كإبراهيم وموسى وعيسى إلى جانب حامل رسالة ألإسلام , سلام ألله عليهم جميعآ . ينصّب الحديث والتأكيد في هذه الآية الكريمة على الحفاظ على ألدين , حيث أتت هذه الصيغة بالمفرد وليس بالجمع , والدعوة إلى عدم التفرقة بين منتسبي هذا الدين . وحينما يجري الحديث عن الدين الواحد لكل هؤلاء الرسل فإن ذلك يؤكد المصدر الواحد لهذا الدين الذي لا يمكن أن يتناقض بأقواله حتى وإن جرى التأكيد عليها مجددآ بعد فترة زمنية طويلة. كما ويؤكد على ألإستمرارية التي شكلت سلسلة متواصلة الحلقات مرتبطة ببعضها البعض بدأت بآدم مرورآ بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى حتى نهايتها التي تبلورت في إسلام السماء . هذه الآية الكريمة من الآيات المحكمات التي لا لبس فيها ولا غموض في تفسير علاقة إسلام السماء بالرسالات السماوية الأخرى والتي لا يريد أن يفهمها إسلام الفقهاء لأنها لا تصب في التوجه الذي يريده من الدين والذي يسعى إلى إستغلال وتأويل وتحوير النص بما ينسجم وإسلام الفقهاء لا كما يريده إسلام السماء . هذه ألآية الكريمة هي واحدة من الآيات القرآنية الكثيرة التي تنحى هذا المنحى في توضيح الروابط الدينية والتاريخية وتوضيح أحادية المصدر والمنهج بين الدين ألإسلامي والأديان ألأخرى التي تشاركه في تلك المبادئ الأساسية التي جاء بها , كالآية : 46 من السورة 29 , والآية 64 من السورة 3 , والآية 84 من السورة 3 , والآية 137 من السورة 2 , والكثير الكثير من الآيات المحكمات التي تنحو هذا المنحى بتوضيح العلاقة والترابط بين إسلام السماء والأديان ألأخرى التي تعايشت معه على أرض الرافدين .

يحاول إسلام الفقهاء , لتبريرإنتهاكه لتعاليم إسلام السماء باتخاذه موقفآ عدائيآ من ألأديان ألأخرى , اللجوء إلى إنتخاب الآيات المتشابهات فيجردها من وقت وأسباب نزولها والتي جرى فيها التحذير من الشذوذ عن تعاليم السماء ليس لأهل الكتاب فقط , بل وللمسلمين أيضآ الذين لم يدخل ألإيمان في قلوبهم بعد ( الآية 14 من السورة 49) . إن هذا النوع من التلاعب بالألفاظ الذي يمارسه إسلام الفقهاء ولي المعاني وتأويلها بما ينسجم وهواه , تدل بشكل لا يقبل الشك على النوايا التي يبيتها إسلام الفقهاء لممارسة العنف ليس ضد حملة الرسالات السماوية ألأخرى , بل وحتى ضد من لم يسيروا على نهجه المنحرف من المسلمين أنفسهم . وما عاشه الشعب العراقي , خاصة في السنين ألأخيرة يشير إلى ذلك بوضوح .