الرئيسية » مقالات » فاكهة الشتاء!

فاكهة الشتاء!

أول مرّة سمعت فيها عن فاكهة الشتاء كنت يومها تلميذاً في الصف الأول الابتدائي وفي قرية صغيرة على حوافي المقرن الشرقي, وكان ذلك أيام قيام ثورة الثامن من آذار المجيدة!!. أغرانا العنوان نحن الأطفال وتخيلنا البرتقال والموز الذي كنّا نعرفه فقط من كتب المدرسة.
خيبة أمل كبيرة كانت لنا ونحن الذين لا نفكّر إلاّ بما طاب ولذّ طعمه عندما قال المعلم أن فاكهة الشتاء هي النار, ولم يكن المقصود بنار جهنم بل النار التي نتدفأ عليها.
كانت فاكهة شتاءاتنا المتلاحقة هي فضلات الحيوانات والتي كانت النساء ـ اللاتي لا فرق بينهن وبين الرجال ـ كنّ يقمن بتصنيعها يدوياً كي تكون وقوداً مناسباً بعد تجفيفها بأشعة الشمس, وكانت تسمى تلك الفاكهة الشتوية “جلّي”, وكانت حيطان قرانا المبنية من أحجار البازلت الأسود الغير منتظمة الأضلاع ـ كانت تغطيها “طبابيع الجلّي” بانتظار جفافها في أشعة الشمس, وهذا المنظر كان يتكرر تقريباً كل أسبوع منذ الربيع وحتى الخريف!
وكانت الأسرة التي تملك بقرة ترضع منها وتفلح عليها وتتمتع بفاكهتها الشتوية!
وحتى هذه الفاكهة كانت ترافقنا إلى المدرسة, فكل تلميذ يأخذ معه إلى جانب كتبه ودفتره وإلى جانب كمشة الزبيب في جيب مريوله ـ كان يأخذ معه “طبوّع جلّي” كي يعطينا دفئاً وسلاماً في نهارات شتاء المقرن الشرقي القاسية بثلجها وبردها وفقرها.
أما التدفئة على المازوت فلم تكن معروفة عندنا لأنها مادة كمالية يجب شراءها بالمصاري وكنا نجهل المازوت قبل تعلمنا شعار بترول العرب للعرب وقبل “زلغوطة” أم سليمان في نوفمبر 1970 والتي تردد صداها عند كل الحيطان ـ والذين يعرفون الطبابيع ومواصفاتها يدركون ضعف تردد الصدى لأن الجلّي يمتص الأصوات.
ومع الزمن بدأ يتراجع الجلّي أمام هجمة المازوت والذي صار حاجة يومية وأكثر أهمية من القهوة العربية المرة والتي لا يستطيع رجل التهرب من تحضيرها يومياً, وما عادوا يصدقوا أنفسهم بأنهم كيف استطاعوا العيش قديماً بدون الفاكهة الجديدة!
وقبل فترة ارتفع سعر الفاكهة الشتوية السائلة حتى وصل سعر برميل البترول إلى مائة دولار ـ أي أن راتب معلم مدرسة إبتدائية يعادل برميل وتنكتين بترول عربي نظيف في الشهر الشمسي ـ.
بعد هذا التحول الفاكهي الشتوي والبدء برفع الدعم الحكومي عن المازوت, ـ أي أن المازوت حراً في بلد يضمن الحرية للجميع ـ بعد هذا قام الباحثون بدراسة عينة من متحف”الطبابيع” على أمل أن تحوي تركيباتها الكيميائية عناصر بترولية سائلة أو جافة, وارتفعت مكانة الثور والبقرة بسرعة, وصار الجميع يحاول تدليلهم حتى لو وضعوا فاكهتهم الطازجة بالقرب من الصور أو تمائم الثورة, وما عادت كلمة الثور إهانة وصار الثور والثورة “والطبابيع” والفاكهة والخضروات أيضاً من أكثر الأسماء التي تتردد في البورصة.
ولصعوبة العودة بشكل كامل إلى عالم “الجلّي والطبابيع” وبسبب أن سكان المقرن الشرقي أقسموا على متابعة الطريق, ولكون هذا الطريق في اتجاه واحد فلم يكن أمامهم من خيار سوى المتابعة حتى لو كان الثمن “طبابيع الجلّي”.
وفي المدن الكبرى, كانت تتم منافسة كبرى في سوق التطور اللا رأسمالي والتقدم الاجتماعي والتوجه الاشتراكي, من أجل تطوير استخدام البترول وكل مشتقاته لأن الفاكهة لا تعني فقط التوت ودود القز.
وصار المازوت فاكهة بكل معنى الكلمة ـ فاكهة الشتاء والصيف, وبعد أن قام أصحاب الاجتهاد والإرشاد بتقنين المازوت وتعديل بعض قوانين لافوازيه ـ صار يستخدم المازوت لضرورات أخرى حيث دخل في صناعة العطور, وصارت نسبة المازوت في قناني العطر تعتبر مؤشر للجودة ـ ممنوع استخدام تعبير قارورة لضرورات نحوية يعرفها المساعد أول أبو محمود ـ, وطبعاً هناك عطور نسائي(حريمي) وعطور رجّالي,ـ النسائي بنصف سعر الرجَالي ـ, ولأهمية الموضوع كانت عملية تطوير وتوزيع العطور المازوتية من مهمة السيد رئيس الوزراء العطري وبمساعدة المستشارة السيدة العطار والتي لم يفسدها الدهر, أدام الله عطرهما الفوّاح علينا!. ويعرف السيد العطري والسيدة العطار أن أسلافهما ولعشرات السنين كانوا يعرفون أن البترول السوري بيدٍ واحدةٍ أمينة عطرة ـ رحمها الله طاهرةـ! وكان الجلّي بأيادي جماهير الثورة!
وقام أصحاب معامل الحلويات برفع أسعار الكنافة والبقلاوة والهريسة وعش البلبل وغيرها, لكونها تحوي إضافات غنية نافعة ـ والنافع الله ـ وطبيعية من المازوت جمعت فيها طعم الفاكهة مع طعم الحلويات التقليدي.

لقد دخل المازوت وبكل أشكاله وألوانه المختلفة عالم الدعاية والإعلان والبروباغاندا, وصرت ترى المسؤول وهو يمسك بيده نصية مازوت أو يلبس لباس طنبرجي المازوت أو يرفع بيده كأساً من المازوت النقي في حفل تدشين منشأة حيوية…, ولم تتجاهله برامج مرشحي البرلمان والإدارة المحلية وبرامج مرشحي رئاسة الجمهورية والبلديات المؤمنة منها والمؤتمنة…, وظهر مازوت لايت مخلوط مع بن لادن لايت, وشوية حماس لايت مع تبهيرة بشوية لايت, لتكون النتيجة بدفع رواتب المعلمين على أساس الشهر القمري وليس الشمسي وبهذا توفير مشروع وليس فائدة ممنوعة!

وقامت وزارة المازوت والتي يشرف عليها عضو قيادة قطرية لم يعلن عن إسمه الصريح لضرورات استراتيجية أمنية, بالتعاون مع وزارة الثقافة بتنظيم المسابقات الشعرية والقصصية والموسيقية الراقصة والدورات الرياضية, وتمّ إنشاء هوليود أفلام بترولي, وظهرت اللوحات الفنية والتماثيل.
وحلّت قناني مازوت الأفراح محل خواتم الخطبة والزواج, وظهرت أغاني الديسكو المازوتية, وصار تمثال النقطة ـ نقطة المازوت ـ صار رمزاً للوطن.
وظهرت دورات تأهيل التنقيط, صحيح أن غالبيتها من الرجال لكنه بعد حملة التوعية التي نظمتها وبنجاح كبير وزارة الثقافة القومية وبمشاركة الاتحاد النسائي المثقف, ازداد عدد النساء وخاصة حملة الشهادات لأنهن يدركن المهمة والمسؤولية القومية المترتبة على ذلك, لاسيما ونحن رمز الثقافة العربية.
وبالأمس قدّم الشاعر الأشعر صاحب شعر الشاليش الأسمر ديوانه الجديد الأحمر, “تقبرني ولووو يا وطني”.. ويعتبر هذا الديوان إشارة لافتتاح دورة محو الأمية المازوتية الأولى والتي تمت برعاية المساعد أول أبو محمود! ورفعت لافتات للقائد تحثّ على تربية الثيران والثورات وتؤكّد على أهمية الفواكه بالنسبة للحركة الجلّية المباركة..!
ونظمت جمعية مؤيدي الحركة الجلّية الجديدة مظاهرة(مسيرة) تأييد, رفعت فيها اللافتات والشعارات المناهضة للمازوت وفاكهته, ومن الهتافات التي رددها المتظاهرون(المتسيّرون): ـ أنا الجلّي وليمت أعداؤه…!, طبابيع الجلّي نزلت عالشارع .. والبدّو يصارع بيصارع…, لا يسلم الجلّي الرفيع من الأذى .. حتى يداس على المازوت بالقدم …إلخ.!
وقامت مجموعة من مؤيدي جمعيات المازوت المشبوهة بإثارة الفوضى مما اضطر رجال مكافحة الشغب لاستخدام خراطيم المياه والغازات المسيلة للدموع لتفريقهم.
وانطلاقاً من أهمية الوحدة الوطنية القومية الثورية أعطى السيد الأول توجيهاته للشيخ البوطي وللمشاركة مع شيخ الرضاعة الأزهري بإصدار بيان يؤكّد أهمية فاكهة ما قبل المازوت حيث تستخدم في النار الكبرى ـ ويلفت البيان نظر الجلالة العظمى إلى إمكانية استخدام المازوت كمادة ثانية تكميلية للحطب والجلّي في النار الكبرى والصغرى, بسبب احتجاجات جمعيات الرفق بالبيئة والحيوان ضد استغلال الثورات والثيران ـ وتعتبر هذه أول خطوة جهنمية تقدمية للتأقلم مع روح العصر.
ورغم كل المكانة والغرور الذي رافق البترول ومشتقاته إلاّ أنه لم يستطيع إزالة دور “طبابيع الجلّي” ـ صرّح بذلك رئيس جمعية حماية تراث الجلّي المركزيةـ, لاسيما أن منظمات حماية البيئة وخاصة جمعية الخضر ـ زوراً أخذت إسم الخضر ابن العباس لتضليل الناس ـ, المهم رجع الاهتمام برعاية الثيران ورجع “طبوّع الجلّي الباسم” يلذذ أيامنا ويحلّيها, الله لا يحرمنا منه والله يكثّره بين أيادينا, والله يقطعو عن الكفار والزناديق وان شاء الله بتكون أيامهم ولياليهم بدون جلّي وطبابيع ـ إنه سميع مجيب ـ.
وتمّ تشكيل منظمة رعاية التراث المستقبلي من عدد من المتخصصين في إدارة برامج عاصمة الثقافة العربية, ومهمة المنظمة إجراء المباحثات الدولية ومراقبة أسواق العالم لمنع سرقة التكنولوجيا الجلّية الحديثة.
وفي زيارة تفقدية ـ نقلتها مباشرة القناة الأولى لتلفزيون الجلّي الجديد ـ قام بها وزير التدفئة والثقافة القومية الاشتراكية للمدرسة الفائزة بمسابقة الثقافة الفاكهية الأولى, وسأل سيادته أحد التلاميذ عن الثقافة ومعرفتهم لجريدة البعث ومثقفيها وملحقها الثقافي, وكان جواب التلميذ أنه يعرفها جيداً لأنه يومياً يستعملها لحمل “طبوّع الجلّي” للمدرسة!

بودابست, 20 / 1 / 2008.