الرئيسية » مقالات » التشوش النيو ليبرالي كيف سندخل في هذا التشوش ؟

التشوش النيو ليبرالي كيف سندخل في هذا التشوش ؟

29 أغسطس آب 2007
ز نت

للمرة الأولى يتجاوز دين المستهلك البريطاني الناتج القومي الإجمالي , أظهر تقرير جديد أننا مدينون ب 1,35 تريليون جنيه إسترليني . اكتشف المفتشون في الولايات المتحدة أن هناك 77,000 ألف جسر على الطرق في نفس الوضع الذي ينذر بخطر السقوط كذلك الجسر الذي انهار على المسيسييبي . و بعد إعصار كاترينا بسنتين ما يزال 120,000 شخص من نيو أورليانز يعيشون في بيوت متنقلة و نزل مؤقتة . و مع اقتراب تغير الطقس ترفض الحكومات أن تبادر لاتخاذ الإجراءات الضرورية . يهدد اشتداد انعدام المساواة بخلق أكثر المجتمعات انقساما عرفها العالم منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى . يمكن الآن لأزمة مالية ناتجة عن الديون غير المسددة أن تتسبب بطرد مئات الآلاف من بيوتهم و أن تستثير متتالية من الصعوبات الاقتصادية .
تبدو هذه الصعوبات و كأنها غير مترابطة , لكنها جميعا تشترك بشيء ما . فقد ظهرت جميعا إلى حد كبير نتيجة اجتماع عقد قبل 60 سنة في منتجع سويسري . وضع في ذلك الاجتماع القواعد لفلسفة حكم هي المسؤولة عن كثير من , و ربما معظم , أزماتنا المعاصرة .
عندما اجتمعت جمعية مونت بيرلين لأول مرة عام 1947 لم يكن لمشروعها السياسي أي اسم بعد . لكنها كانت تعرف إلى أين سيؤدي هذا المشروع . يلاحظ مؤسس الجمعية , فريدريك فون حايك , أن معركة الأفكار ستحتاج إلى جيل على الأقل لتحقيق النصر فيها , لكنه عرف أن جيشه الفكري سيجتذب داعمين أقوياء . لقد توافقت فلسفته , و التي عرفت فيما بعد بالنيو ليبرالية , مع مصالح فاحشي الثراء , بحيث أن شديدي الثراء هؤلاء وفروا لها الدعم .
تزعم النيو ليبرالية بأننا نخدم بأفضل ما يمكن بأقصى حرية للسوق و أقل تدخل من جانب الدولة . أن دور الدولة يجب أن يقتصر على خلق الأسواق و الدفاع عنها , حماية الملكية الخاصة و الدفاع عن مجالها . إن كل الوظائف الأخرى ستنفذ بشكل أفضل بواسطة الشركات الخاصة , و التي ستؤدي إلى توفير الخدمات الضرورية بدافع الربح . بهذه الطريقة يجري تحرير الشركات , و ستتخذ قرارات منطقية و سيتم تحرير الأفراد من القبضة اللا إنسانية للدولة .
هذه , في كل الأحوال , هي النظرية . لكن كما يقترح ديفيد هارفي في كتابه “تاريخ مختصر للنيو ليبرالية” , أنه حيثما جرى تطبيق البرامج النيو ليبرالية فإنها قد أدت إلى انتقال هائل في الثروة ليس فقط إلى الواحد بالمائة الذين في الأعلى , بل إلى عشر الواحد بالمائة الذين هم في القمة . ففي الولايات المتحدة مثلا استعاد ال 0,1 % موقعهم الذي كانوا يحتلونه في بداية العشرينيات من القرن العشرين . الشروط التي تضعها النيو ليبرالية لتحرر الناس من عبودية الدولة – أقل ما يمكن من ضرائب , تفكيك الخدمات العامة و الأمان الاجتماعي , إعادة التنظيم , سحق النقابات – يبدو أنها ذات الشروط التي لا بد منها لجعل النخبة أكثر ثراءا , فيم تترك كل شخص آخر ليغرق أو يسبح .
إذا هذه هي القضية . آخذين بعين الاعتبار أن الأزمات التي ذكرتها هي آثار متوقعة لتفكيك الخدمات العامة و إعادة تنظيم العمل و الأسواق المالية , و بأنها تلحق الضرر بمصالح كل إنسان تقريبا , فكيف أمكن للنيو ليبرالية أن تسيطر على الحياة العامة ؟
ذات مرة أجبر ريتشارد نيكسون على التسليم بأن “نا جميعا كينزيون اليوم ” : حتى الجمهوريين دعموا العقائد التدخلية لجون ماينارد كينز . لكننا جميعا اليوم نيو ليبراليون . بقيت السيدة تاتشر تخبرنا “لا يوجد أي بديل” و بتطبيق برامجها من قبل كلينتون و بلير و براون و بقية القادة لما كان يعرف يوما بأحزاب تقدمية فإنهم يثبتون صحة قولها ذلك .
أول فائدة كبرى حققها النيو ليبراليون كان نبع لا ينضب من النقود . الطغم ( الأوليغاركيات ) الأمريكية و مؤسساتها – كور و أولين و سكايف و بيو و غيرها – قد دفعت مئات الملايين لإقامة قواعد فكرية و أسست مدارس للعمل و حولت أقسام الاقتصاد في الجامعات إلى معاقل للتفكير النيو ليبرالي الشمولي . مؤسسة الإرث ( هيريتيج ) , و مؤسسة هوفر , معهد الشركات الأمريكية و كثير غيرها في الولايات المتحدة , و معهد الشؤون الاقتصادية , مركز الدراسات السياسية و معهد آدم سميث في المملكة المتحدة أنشأت جميعها للترويج لهذا البرنامج . كان الهدف من إنشائها تطوير الأفكار و اللغة التي سوف تغطي على النية الحقيقية للبرنامج – استعادة قوة النخبة – و إعدادها كرزمة واحدة على أنها اقتراح من أجل تحسين الإنسانية .
جرت مساعدة المشروع من قبل أفكار ظهرت في جانب مختلف تماما . فقد طالبت الحركات الثورية لعام 1968 أيضا بحريات فردية أكبر , و كثير من أبناء الستينيات أولئك رؤوا في الدولة المستبد الذي يضطهدهم . و كما يظهر هارفي فقد استعار النيو ليبراليون أفكارهم و لغتهم . بعض الأناركيين الذين أعرفهم ما زالوا يتحدثون عن أفكار متطابقة تقريبا مع تلك التي يملكها النيو ليبراليون : الغاية مختلفة , لكن النتائج متشابهة جدا .
كان حواريو حايك قادرين أيضا على الاستفادة من الأزمات الاقتصادية . جرت واحدة من أول تجاربهم في مدينة نيو يورك , و التي أصابتها في عام 1975 ضائقة كبيرة في الميزانية . طالب مصرفيوها المدينة أن تتقيد بوصفاتهم : اقتطاعات هائلة في الخدمات العامة , تحطيم النقابات , إعانات عامة للشركات . في المملكة المتحدة سمح التضخم النقدي المصاحب للركود و الإضرابات و الانهيار في الميزانية لمارغريت تاتشر , التي قام مساعدها النيو ليبرالي كيث جوزيف بتأطير أفكارها , بأن تهرع للإنقاذ . لقد نجح برنامجها لكنه خلق مجموعة جديدة من الأزمات .
إذا لم تكن تلك الفرص كافية فإن النيو ليبراليين و داعميهم سيستخدمون الرشوة أو القوة . في الولايات المتحدة جرى تحييد الديمقراطيين بقوانين جديدة تخص تمويل الحملات الانتخابية . لكي يتنافسوا بشكل ناجح مع الجمهوريين كان عليهم أن يعطوا الشركات الكبيرة ما تريده . جرى تطبيق أول برنامج نيو ليبرالي كاملا في تشيلي بعد انقلاب بينوشيت , بدعم حكومة الولايات المتحدة و الاقتصاديين الذين علمهم ميلتون فريدمان , أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية مونت بيرلين . كان حشد الدعم للمشروع سهلا للغاية , إذا لم توافق , سيجري إطلاق النار عليك . استخدم صندوق النقد الدولي و البنك الدولي سلطتهما على الشعوب النامية لتنفذ ذات السياسات .
لكن الداعم الأكثر قوة لهذا المشروع كان الإعلام . معظمه يملكه المليونيرات الذين استخدموه لنشر الأفكار التي تدعم مصالحهم . أولئك الذين هددوا خططهم إما تم تجاهلهم أو تسفيههم . عبر الصحف و قنوات التلفزيون أصبحت الأفكار الهدامة اجتماعيا لمجموعة قليلة من المتطرفين تبدو و كأنها أشبه بالفطرة السليمة . قام مفكرو الشركات ببيعنا المشروع بإعادة صياغة لغتنا السياسية ( لمعرفة كيف جرى هذا , انظر كتاب جورج لاكوف , لا تفكر بالفيل ! ) . هذه الأيام أنا أسمع حتى أصدقائي التقدميين يستخدمون تعابير مثل خالقي الثروة , تخفيض الضرائب , الحكومة الكبيرة , ديمقراطية المستهلك , الروتين الحكومي , ثقافة التعويض , الباحثين عن العمل , خداع المعونة . هذه العبارات , التي تم وضعها بشكل متعمد أو ترويجها من قبل النيو ليبراليين , أصبحت شائعة لدرجة أنها تبدو اليوم محايدة تقريبا .
إن النيو ليبرالية , إذا لم تجري إعادة النظر بها , سوف تخلق أزمة تلو أخرى , كلها لا يمكن أن تحل إلا بتلك الوسائل التي ترفضها : تدخل أكبر من جانب الدولة . في مواجهتها علينا أن ندرك أنه لا يمكننا أن نحصل على مصادر كتلك التي حصل عليها أعداءنا . لكن فيم تتقدم الكوارث التي تسببها فإن الناس سيحتاجون إلى إقناع أقل من ذلك الذي احتاجوه لكي يقعوا ضحية الخداع .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.zcommunications.org/znet/viewArticle/14605