الرئيسية » مقالات » أين أقف ؟

أين أقف ؟

1862 
إنني باحث متحمس عن الحقيقة ( و لست أقل عداوة شديدة لأساطير صنع الشيطان ) التي يدعيها حزب النظام , هذا الممثل الرسمي صاحب الامتيازات و صاحب العلاقة لكل الأديان الحالية و القديمة , و الفظاعات الميتافيزيقية و السياسية و القضائية و “الاجتماعية” , و التي يستخدمها حتى اليوم و ذلك فقط ليجعل العالم غبيا و ليستعبده , أنا عاشق متعصب للحقيقة و للحرية اللتين أعتبرهما الوسط الوحيد الذي يمكن فيه للذكاء و الوعي و السعادة أن تتطور و تزداد .
أنا لا أعني أبدا الحرية الرسمية التي تفرضها الدولة , تحكمها و تنظمها , هذه الكذبة منذ الأزل , و التي تتألف في الواقع من امتيازات القلة التي تقوم على عبودية الجميع – و لا حتى الحرية الفردية الشخصانية الضيقة و الخيالية التي تقول بها مدرسة جان جاك روسو و سائر أنظمة أخلاقيي الملكية , و برجوازية الطبقة الوسطى و الليبرالية – وفقا لما يسمى بحقوق الأفراد و التي “تمثلها” الدولة و التي تشكل القيد أو الحد على حق الجميع , و الذي وفقا له تتقلص حقوق الجميع بالضرورة و دائما إلى لا شيء إلى صفر . كلا , إنني أعتبر فقط ما يستحق اسم الحرية و ما يدل عليه اسمها حقيقة , و التي تتضمن في التطور الكامل لكل القدرات المادية و الفكرية و الروحية الموجودة بشكل كامن في كل فرد , الحرية التي لا تعرف أية قيود سوى تلك التي تفرضها قوانين طبيعتنا نفسها , أي أنه لا يوجد فعليا أية قيود عليها – لأن هذه القوانين لا تفرض علينا من أي مشرعين خارجيين من حولنا أو فوقنا , إن هذه القوانين هي مجبولة داخلنا , متعلقة بنا و تشكل الأساس الفعلي لوجودنا المادي و الفكري و الأخلاقي , و لذلك عوضا عن أن نرى فيها قيدا , إن علينا أن نراها على أنها الشرط الفعلي و السبب الحقيقي لحريتنا .

الحرية غير المشروطة

إنني أعني حرية الفرد التي , عوضا عن أن تتوقف بعيدا عن حرية الآخرين كما لو أنها قبل الحدود أو التخوم , فإنها على العكس ترى امتدادها في لا تناهي إرادتها الحرة , الحرية غير المقيدة للفرد من خلال حرية الآخرين , الحرية عبر التضامن , الحرية في المساواة , الحرية التي تنتصر على القوة الوحشية و على مبادئ التسلطية , التعبير المثالي عن تلك القوة التي بعد أن تدمر كل الأصنام الأرضية و السماوية سوف توجد و تنظم عالما جديدا من الإنسانية غير المقسمة على أنقاض كل الكنائس و الدول . إنني مدافع مقتنع بالمساواة الاقتصادية و الاجتماعية , لأنني أعلم أنه خارج هذه المساواة فإن الحرية و العدالة و الكرامة الإنسانية و الخير الأخلاقي و الروحي للإنسانية و ازدهار الشعوب و الأفراد كل ذلك سيبقى على الدوام مجرد كذبة فقط . لكن كمدافع دون أية شروط للحرية , الشرط الأول للإنسانية , فإنني أعتقد أنه يجب إقامة هذه المساواة من خلال التنظيم العفوي للتعاون الطوعي للعمل المنظم بشكل حر و في كومونات ( جمعيات تعاونية ) متحدة , عبر اتحادات المنتجين و عبر الاتحاد الطوعي المتساوي للكومونات – و ليس عبر فعل المراقبة الأعلى للدولة . هذه النقطة أكثر من أي نقطة أخرى تقسم الاشتراكيين الثوريين أو الجماعيين عن “الشيوعيين”* الدولانيين ( أو التسلطيين ) , أنصار الضرورة المطلقة للدولة و بواسطتها . يتصور الشيوعيون أن شروط الحرية و الاشتراكية ( مثلا , إدارة شؤون المجتمع بالإدارة الذاتية للمجتمع نفسه من دون توسط و ضغط الدولة ) يمكن تحقيقها بتطوير و تنظيم القوة السياسية للطبقة العاملة , بشكل أساسي بروليتاريا المدن بمساعدة البرجوازية الراديكالية , فيم الاشتراكيون الثوريون ( أو الذين يعرفون أيضا بالتحرريين ) , أعداء الحلفاء و التحالفات ذي الحدين , يعتقدون على النقيض تماما أن هذا الهدف يمكن تحقيقه و تجسيده فقط عبر تطوير و تنظيم ليس القوة السياسية بل القوى الاجتماعية و الاقتصادية , و لذلك القوى المعادية للسياسة , للجماهير العاملة في المدينة و الريف , بما في ذلك كل الأشخاص المنبوذين من الطبقات الأعلى المستعدين لأن يقطعوا الصلة مع ماضيهم و ينضموا إلى الجماهير علانية و يقبلوا برنامجها بدون شروط .

طريقتان
من الاختلاف الذي سميناه , تظهر طريقتان مختلفتان . يدعي “الشيوعيون” أنهم ينظمون الطبقة العاملة لكي “يستولوا على السلطة السياسة للدولة” . فيم ينظم الاشتراكيون الثوريون الجماهير بهدف تصفية الدولة مهما كانت صيغتها . الأولون هم أنصار للتسلطية في النظرية و الممارسة , أما الاشتراكيون فإنهم يثقون فقط بالحرية لتطوير مبادرة الجماهير لكي تقوم بتحرير نفسها . التسلطيون الشيوعيون يرغبون بفرض “علم” الطبقة على الآخرين , أما التحرريون الاجتماعيون فإنهم ينشرون العلم التجريبي بين هذه الجماهير بحيث أن المجموعات و التجمعات البشرية المشبعة بالاقتناع بها و بفهمها , ستنظم نفسها بعفوية و حرية و طوعا من الأسفل إلى الأعلى بحركتها الذاتية و وفقا لحدود قوتها – و ليس وفقا لخطة مرسومة سلفا قد أمليت عليهم , خطة تجري محاولة فرضها من أعلى من قبل قلة “عالية الذكاء , مخلصة و كل ذلك” على ما يسمى بالجماهير الجاهلة . إن التحرريون الثوريون الاجتماعيون يعتقدون أن هناك أسبابا عملية أكثر و منطقا أكبر في طموحات الجماهير أكثر من الذكاء “العميق” لكل الرجال و المرشدين المتعلمين للبشرية الذين يريدون أن يضيفوا إلى المحاولات الكارثية “لجعل البشرية سعيدة” محاولة أخرى جديدة . إننا على النقيض من هذا مقتنعين أن البشرية قد سمحت بأن تحكم و يشرع لها لفترة طويلة جدا و أن أصل كل بؤسها لا يمكن البحث عنه في هذا الشكل أو ذاك من الحكومة أو الدولة التي يقيمها الإنسان , بل في ذات طبيعة أو وجود أية سلطة حاكمة , من أي نوع أو مهما كان اسمها . إن أفضل أصدقاء الناس الجاهلين هم أولئك الذين يحررونهم من عبودية السلطة و يتركونهم ليعملوا فيما بينهم و مع كل فرد آخر على أساس الرفقة القائمة على المساواة .

* هذه التسميات : الشيوعيون و الاشتراكيون الثوريون , تعود إلى تلك المرحلة في بدايات النصف الثاني من القرن 19 , الاشتراكيون الثوريون هم نظير التحرريين اليوم أما الشيوعيون فهو الاسم الذي يصف التيار السياسي و الفكري الدولاني الداعي للاستيلاء على الدولة – المترجم .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/reference/archive/bakunin/index.htm