الرئيسية » مقالات » حول قرار البرلمان الأوربي وحقوق الإنسان في مصر

حول قرار البرلمان الأوربي وحقوق الإنسان في مصر

أفادت الأنباء أن أصدر البرلمان الأوربي قراراً طالب فيه الحكومة المصرية بـ”الإفراج الفوري عن الزعيم المعارض أيمن نور، وتغيير القوانين الخاصة بالمحاكم العسكرية التي استخدمتها السلطات المصرية في بعض الأحيان ضد المعارضين السياسيين للحكومة. كما يدعو القرار إلى إنهاء جميع أشكال التعذيب والتحقيق في الحالات المشتبه فيها والاستقلال الكامل للقضاء ووضع نهاية لملاحقة نشطاء حقوق الإنسان.” (تقرير آفاق: مصر تنتقد بلهجة حادة مشروع قرار أوروبي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان ).
نحن، كمواطنين شرق أوسطيين، نعرف أن ما جاء في تقرير الاتحاد الأوربي ليس جديداً، بل هو تلخيص مكثف لواقع الحال ليس في مصر فحسب، بل وفي جميع البلدان العربية. فالحكومات العربية هذه تعامل شعوبها كما يعامل الراعي قطيع الماشية، لذلك يطلق على أبناء هذه البلدان رعايا و رعية وليس مواطنين كما في البلدان الأخرى غير العربية وذلك لغياب حقوق المواطنة في بلاد العرب. إذ كما قال الشاعر الراحل نزار قباني في قصيدة بعنوان ‘عندما يسقط متعب ابن تعبان في امتحان حقوق الإنسان’ جاء فيها:
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن
ولذلك يستحق البرلمان الأوربي التهنئة على إصداره هذا القرار الشجاع وتوبيخه للحكومة المصرية على انتهاكاتها لحقوق الإنسان. فالمواطنون في البلاد العربية عليهم واجبات فقط وليست لهم حقوق.
نلاحظ أيضاً مدى حساسية الحكومات العربية إزاء أي نقد يوجه لها من قبل حكومة أجنبية أو منظمة دولية لحقوق الإنسان أو برلمان أجنبي يقوم بإصدار قرار احتجاج على ما يجري في هذه البلاد من انتهاكات لحقوق الإنسان. فما أن يصدر أي نقد لهذه الحكومات بهذا الخصوص حتى ويسرع الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية لتلك الدولة، المصرية في هذه الحالة، باستنكار القرار، والنفي القاطع لهذه الانتهاكات جملة وتفصيلاً، والادعاء بأن حقوق الإنسان في مصر بألف خير!!! (وعين الحسود بيها عود يا حمامة!!).
وليت الأمر توقف عند إنكار الخارجية المصرية انتهاكات حكومتها لحقوق الإنسان، إذ استدعت هذه الوزارة سفراء دول الاتحاد الأوربي الذي يضم 27 عضوا لتقديم شكوى بشأن مشروع قرار البرلمان المذكور، وقالت بلهجة حادة في بيان لها: “من الأحرى أن تلتفت تلك الدول إلى ما يعانيه مواطنوها من انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان قبل أن تحكم على حالة دولة أخرى”. وهذا يعني أن دول الاتحاد الأوربي هي التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي وليست الحكومة المصرية. وهذا يذكرنا بالمثل المصري (ضربني وبكى، سبقني واشتكى). برافو عليك يا وزارة الخارجية المصرية على هذه الفهلوة !!
فهل حقاً تنتهك حكومات الوحدة الأوربية حقوق مواطنيها، كما ادعت الخارجية المصرية، بحيث يحتاج هؤلاء المواطنون إلى تدخل الحكومة المصرية لحمايتهم من حكوماتهم الأوربية؟ كشاهد عيان، عشت نحو ثلاثين عاماً في بريطانيا، إحدى دول الاتحاد الأوربي، فراراً من ظلم حكم البعث الفاشي في العراق، فمما جلب انتباهي، أن المسؤولين الحكوميين هنا هم الذين يحتاجون إلى حماية حقوقهم من الذين يسيؤون إلى الديمقراطية والحريات الواسعة المتاحة في هذه البلدان، أما المواطنون فحقوقهم مضمونة دون نقصان. فالذي نشاهده أن المسؤولين الحكوميين هم الذين يتعرضون لتجاوزات وإهانات، لا مبرر لها في أغلب الأحيان، من قبل بعض المواطنين مثل رميهم بالبيض الفاسد والطماطم، كما حصل للرئيس الفرنسي نكولاي ساركوزي بعد أسبوع واحد فقط من فوزه بالرئاسة في العام الماضي، وقد شاهدنا كيف تغاضى الرئيس سركوزي الاعتداء وتحمل الإهانة بصمت وصبر شديدين وكأن شيئاً لم يكن. ونحن نسأل، ماذا ستكون نتيجة لو حصل مثل هذا التجاوز للرئيس المصري حسني مبارك أو أي رئيس عربي؟ لا بل حتى ولو حصل مثل هذا التجاوز على أصغر مسؤول في أية دولة عربية؟ بالتأكيد لذهب جلده للدباغ، كما نقول بالعراقي.
الحقيقة الساطعة تؤكد أن ليس في مصر، ولا في أي بلد عربي حقوق مضمونة للمواطن في هذه الدول. ونحن نعرف، والعالم من حولنا يعرف، وكما تؤكد جماعات حقوقية، “إن السلطات المصرية (كما في أي بلد عربي) تنتهك حقوق الإنسان بصورة منهجية ولا سيما من خلال الاحتجاز لفترات طويلة دون توجيه اتهام وانتهاك حقوق الأشخاص في الحجز.” هذه هي القاعدة في هذه البلدان.
كما إننا نعرف أنه بالإضافة إلى انتهاك حقوق الإنسان في مصر بصورة عامة وبشكل منهجي، إلا إن انتهاك حقوق الأقليات والمرأة يتم بشكل مضاعف بحيث تعامل أبناء هذه الأقليات كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة كما هي الحال للأقباط الذين يشكلون نحو 15% من السكان في مصر، وهناك أقليات أخرى مثل، أتباع الديانة البهائية ليست لهم أية حقوق في المواطنة، ومع ذلك يدعي المسؤولون المصريون أن حقوق الإنسان في مصر بألف خير. ونفس الكلام ينسحب على حال الأمازيغ في بلدان شمال أفريقيا وخاصة ليبيا، والشيعة في السعودية، والسنة في إيران، وما تعانيه الأقليات المسيحية والصابئة والشبك والأيزيدية والمرأة في العراق على أيدي المليشيات الإسلامية الفاشستية وعصابات التكفيريين القتلة.
وفيما يخص موضعنا الأصلي، حقوق الإنسان في مصر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر هنا بعض انتهاكات الحكومة المصرية لحقوق الأقباط، وهو الجزء اليسير المرئي من الجبل الجليدي مما تنتهكه هذه الحكومة من حقوق الإنسان بصورة منهجية منذ انقلاب العسكر على الحكم في عام 1952 ولحد الآن. ومن أهم هذه الانتهاكات هو تغاضي الحكومة عن الجرائم التي ترتكبها عصابات الأخوان المسلمين ضد الأقباط. فمن أبسط حقوق المواطنة أن تقوم السلطات بحماية أمن المواطنين من المجرمين. وقد ذكر المهندس عدلي أبادير يوسف، رئيس الأقباط متحدون في الخارج، قائمة طويلة في إحدى مقالاته، من هذه الجرائم البشعة ضد الأقباط والتي تتمثل في حوادث قتل واختطاف ونهب الممتلكات وحرق البيوت والمحلات التجارية وهدم الكنائس …الخ.
كما وذكر المفكر المصري الباحث الأستاذ مجدي خليل، رئيس منتدى الشرق الأوسط للحريات، في بحث قيم له عن وقوع أكثر من 4000 بين قتيل وجريح بين الأقباط خلال الثلاثة عقود الماضية، دون أن تقوم السلطات الحكومية بمحاسبة قانونية للجناة. (مجدي خليل، كيف نوقف العنف ضد الأقباط؟ ، إيلاف، 17/1/2008)
أما حوادث التعذيب في السجون وزنزانات التوقيف ضد الخصوم السياسيين، فحدث عن البحر ولا حرج، ففي عصر الإنترنت والتصوير الرقمي، أصبحت مناظر تجاوزات الشرطة المصرية واعتداءاتهم على المواطنين في مظاهرات سلمية من الأمور المألوفة التي لا يمكن لأي مسؤول حكومي إنكارها وقد شاهدنا صورها البشعة بواسطة البريد الإلكتروني. والسؤال هو، إذا كانت الحكومة المصرية حقاً ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان، وأن حقوق المعارضة السياسية مضمونة، فلماذا زج بالسيد أيمن نور، زعيم المعرضة المصرية بالسجن؟ أما التهم الموجهة له فهي من الاتهامات الجاهزة التي لا يصدقها أي إنسان عاقل.
وعليه، أود أن أوجه الأسئلة التالية للخارجية المصرية وأتحداها إذا قدمت أجوبة شافية عليها: لماذا عدد المواطنين الأقباط في مصر في تناقص مضطرد في الوقت الذي هناك انفجار سكاني للمواطنين المسلمين؟ ولماذا يفر الأقباط بالملايين إلى الخارج، مفضلين العيش في بلدان المهجر على العيش في وطنهم الذي أحبوه، ولسان حالهم يقول: “مصر تعيش فينا ولا نعيش فيها”؟ ولماذا لا يجوز تعيين المواطن القبطي في القوات المسلحة والأمن؟ ولماذا يمنع الأقباط من المناصب الرفيعة في الدولة منذ انقلاب العسكر على الحكم عام 1952؟ ولماذا لا يوجد ممثلين لهم في البرلمان المصري ومجالس البلديات يتناسب مع نسبتهم السكانية؟ فعلى سبيل المثال، في البرلمان نسبتهم أقل من 2% بينما نسبتهم في الشعب نحو 15%. ثم لماذا تتغاضى سلطات الأمن محاسبة الجناة الذين يرتكبون الجرائم ضد الأقباط؟ ولماذا لا يسمح للأقباط ترميم كنائسهم، ناهيك عن بناء كنائس جديدة لهم؟ ولماذا يمنع على المصري من أتباع الديانة البهائية ذكر ديانته في هويته الوطنية أسوة ببقية أتباع الديانات الأخرى، ولماذا يحرم المصري البهائي من حقوق المواطنة جملة وتفصيلاً؟ وأخيراً وليس آخراً، هل حكومة هذه سياساتها مع مواطنيها تستطيع الادعاء أنها حريصة على حقوق الإنسان وتتهم دول الاتحاد الأوربي بانتهاك هذه الحقوق ضد مواطنيها؟

والمضحك المبكي أن الحكومة المصرية التي تضطهد الأقليات الدينية في بلادها مثل الأقباط والبهائيين والشيعة، يعرب ناطقها الرسمي عن “قلق مصر العميق إزاء حالة التردي الذي تشهده حالة حقوق الاقليات الدينية والعرقية والمهاجرين في القارة الأوروبية بشكل عام.” إن هذا الادعاء يمثل نكتة سخيفة تثير الضحك على قائلها. أعتقد أن الحكومة المصرية المعروفة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان وخاصة لحقوق الأقليات الدينية، هي آخر من يحق لها انتقاد الدول الأوربية بهذا الخصوص، فحقوق الأقليات الدينية والعرقية، وبالأخص المسلمين في أوربا هي مضمونة مائة بالمائة، ولذلك نرى مواطني الدول الإسلامية يغامرون بحياتهم في زوارق الموت هرباً من ظلم حكوماتهم من أجل ضمان العيش بكرامة في الدول الأوربية.

والجدير بالذكر أن أمريكا رغم دعمها الاقتصادي السخي لدول العالم الثالث، (معونتها لمصر وحدها نحو مليارين دولار سنوياً، عدا مساعداتها العسكرية) ولكن في نفس الوقت، فأمريكا مثل السمك، مأكول ومذموم، لأن دعمها لهذه الدول يفسر من قبل الشعوب على أنها تدعم حكومات مستبدة ضد شعوبها.
وعليه، وبناءً على كل ما تقدم، أقترح، كما اقترح غيري، على كل المناضلين من أجل الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان في البلاد العربية، مطالبة أمريكا بربط معوناتها الاقتصادية لمصر، ولجميع دول العالم الثالث، إلزام هذه الحكومات بتبني الديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان، وإلغاء التمييز ضد الأقليات بجميع أشكاله، وتحقيق دولة المواطنة، وأن تقوم أمريكا بدعم الحركات الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان في هذه الدول، وقطع هذه المعونات لهذه الحكومات في حالة عدم التزامها بهذه الشروط .

وختاماً، ألف تحية لبرلمان الاتحاد الأوربي على قراره الشجاع في دعم حقوق الإنسان وتوبيخ الحكومة المصرية على انتهاكاتها لهذه الحقوق. كما ونطالب البرلمانات الأخرى وخاصة الكونغرس الأمريكي أن تحذو حذو البرلمان الأوربي بهذا الخصوص.