الرئيسية » مقالات » عاصمتنا رهينة ثقافة الاستبداد

عاصمتنا رهينة ثقافة الاستبداد

من الطبيعي أن تشهد عواصم العالم ومدنها وأريافها على مرالتاريخ أحداثا وتغيرات من كوارث طبيعية وحروب وحملات عسكرية وانقلابات وتسلط طغم ومفسدين ومهما تعرضت عواصم البلدان ومن فيها كما يعلمنا التاريخ الى غلبة موجة بشرية غريبة أو عقيدة مفروضة أو نظام جائر متجبر بوسائل قسرية فانها وبمعالمها البشرية والحضارية تبقى كما كانت برمزيتها وأصالتها وشموخها موضع فخر شعوبها عصية على الرضوخ لمشيئة الأشرار في تغيير جلدها بعد كل بلاغ رقم واحد فالعاصمة سر شعبها حتى لو كانت رهينة الطغاة ودمشق من تلك العواصم التي تئن منذ عقود تحت نير حكام مستبدين وتتلظى بنيران الطوارىء والأحكام العرفية ومحكمة أمن الدولة العليا والمحاكم العسكرية الخاصة بعقاب أبنائها وأحفاد مجاهديها الأوائل من بناة الاستقلال وأبطال مقاومة الانتداب والأحلاف الاستعمارية والمدافعين عن قضايا الشعب المعيشية والمصيرية وفيها تحاك الخطط والمؤامرات ضد شعوب الجوار وترسل القتلة لاغتيال المعارضين السياسيين في لبنان والعراق وفلسطين وتحولت منبعا لثقافة العنصرية والكراهية ووكرا للارهاب .
عندما تشخص منظمة – اليونسكو – دمشق عاصمة للثقافة العربية بناء على طلبات وايحاءات رسمية فانها بذلك لاتبرر ثقافة الاستبداد الجاسم من فوق بل تكرم دمشق التاريخ والشعب كمدينة عريقة معروفة منذ نشوئها بالتعددية الثقافية والدينية باسلة بعزة وكرامة ومتسامحة ومنفتحة على الآخر كما كانت في عهد صلاح الدين وحرة أبية كما أرادها يوسف العظمة ديموقراطية وليبرالية مسالمة بأطيافها الزاهية ورجالاتها من أمثال خالد العظم والبارودي والعسلي والخوري والحوراني وبكداش والسباعي وامتداداتهم الفكرية والثقافية في كافة المحافظات والمناطق والأرجاء السورية هؤلاء من رسموا الخطوط الأولى لثقافة دمشق الأصيلة وليس الانقلابييون المستبدون من افرازات أنظمة الحزب الواحد والعائلة الواحدة والطائفة الواحدة الشمولية أو الطفيلييون من سارقي أموال السوريين فدمشق بريئة من ثقافات ومصطلحات وعناوين هؤلاء الذين سيحاولون دون أدنى شك بحكم تسلطهم على مقاليد الحكم وغياب أو تغييب مثقفي سورية ان كانوا في الهجرة القسرية أو في السجون والمعتقلات مثل أنور البني وأكرم البني وعلي العبدالله وعارف دليلة وغيرهم في استغلال المناسبة وتجييرها لمصالحهم الذاتية .
من واجبنا أن نوضح للقريب والبعيد وبهذه المناسبة بالذات أن الثقافة في سورية عامة في أزمة حقيقية وفي المقدمة ثقافة الديموقراطية وحقوق الانسان والحريات والمساواة وأن الشعب السوري بكافة قومياته وأطيافه وتلاوينه السياسية بريئة من الثقافة الرسمية السائدة في مجالات الحكم والسلطة والادارة والاقتصاد والتعامل مع طبقات وفئات الشعب ومع المحيط العربي والاسلامي كما من حقنا أن ندعو العالم بدء من منظمة اليونسكو وانتهاء بالسيدة فيروز أنه من المؤلم لكل سورية وسوري أن يقطف نظام الاستبداد ثمار الجائزة على حساب تغييب مثقفي البلاد القابعين في السجون أو المهجرين الى ديار الغربة وهنا نضم صوتنا الى نداء الجار الشريك السيد وليد جنبلاط في دعوة فيروز الى عدم تلبية طلب النظام الحاكم بالمشاركة في فعاليات المناسبة التي نظمتها السلطات السورية ومناشدة هذه المبدعة بالذات دون غيرها من المطربات والفنانين ذات دلالات وفي مقدمتها تميزها عن الآخرين وعدم اعتبارها كأية فنانة تغني هنا وهناك كمهنة واحتراف لكسب الرزق بل كرمز وطني في هالة التقديس في نظر جنبلاط وكل وطنيي لبنان وسورية ارتبطت ابداعاتها مع عائلتها من الرحابنة بقضايا المصير القومي وفلسطين والتقدم الاجتماعي والتزام الفن ومسؤوليته تجاه الديموقراطية والتغيير ومناشدتها بحد ذاتها تكريم لها وتعظيم لمقامها واستثناء لمدرستها الفنية المعطاءة .
هناك الكثير من المراحل في تاريخ البشرية أبلى فيها المبدعون من سياسيين وعلماء وفنانين وشعراء وأدباء البلاء الحسن عندما سجلوا مواقف مشرفة دخلت التاريخ تجاه الطغاة من أنظمة وحكام وآيديولوجيات فهناك الكثير من هؤلاء أبوا التوجه الى بغداد في عهد الدكتاتورية وسيولة البترودولار لنيل الجوائز والمكرمات من – بطل القادسية – دعما واسنادا للعراقيين ومعارضتهم الوطنية وهناك من قاطع مناسبات دمشق منذ بدايات عقود الدكتاتورية المظلمة وحتى الآن تعاطفا مع السوريين في محنتهم وهناك من رفض المساعدات المالية من العديد من أمراء ومشايخ الخليج تضامنا مع قضايا العدل وحقوق الانسان ألم يرفض نيلسون مانديلا الذهاب الى أنقرة لاستلام جائزته استنكارا لسياسة الحكومة التركية تجاه الشعب الكردي وحقوق الانسان ؟ نحن لانطلب من السيدة فيروز اعلان الحرب على نظام دمشق أو الانشاد لصالح المعارضة السورية أو جمع التواقيع لاطلاق سراح مثقفي ومبدعي سورية بل نرجو منها أن لا تلحق الأذية بشعبها اللبناني وديموقراطييه الذين يعانون الموت كل يوم من جرائم نظام بلادنا وأعوانه أولا وبالشعب السوري ومثقفيه المكبلين بالقيود ثانيا نحن لن نبدي أي اهتمام يذكر بزيارات أرباب الممانعة اللبنانية وفناني اللعب بالسياسة الى دمشق من حسن نصرالله الى نبيه بري مرورا بقانصو وفرنجية وقنديل وانتهاء بمطربات ومطربي الفنادق والحانات لأنهم ببساطة من صلب نظام الاستبداد فكرا وسياسة وثقافة وممارسة أما الذين نبدي الغيرة على تاريخهم وأصالتهم وابداعاتهم فمن واجبنا ايصال نداءاتنا الصادقة الى أسماعهم وأسماع محبيهم .
من الغريب والمستهجن دخول بعض الكاتبات والكتاب السوريين الى جانب مثقفي الممانعة اللبنانية على خط هذا الموضوع الاشكالي من غير بابه فأمام مطالبة الحريصين من مثقفي سورية على قطع الطريق لمحاولات الاستغلال السياسي من جانب نظام الاستبداد للثقافة والمبدعين ومثل هذه المناسبات نرى هذا البعض وبسبب افتقاره الى الحجة والدليل يخلط بين الأمور مثل امتداح فن السيدة فيروز والاشادة بكلمات أغانيها لكأن السيد جنبلاط والمثقفين السوريين المعارضين قدموا أبحاث نقدية فنية لأعمال هذه المبدعة وتجاهل حقيقة أن الموضوع سياسي وليس فني ووطني عام وليس شخصي ومبدئي وليس مصلحي ونقول لهذا البعض أن السيد جنبلاط ليس ناقدا فنيا بل زعيم سياسي صديق لشعب سورية وحليف لكفاحه في سبيل التغيير الديموقراطي .