الرئيسية » مقالات » إبراهيم الداقوقي في ذمة الخلود

إبراهيم الداقوقي في ذمة الخلود

بقلب يعصره الألم والحزن العميق وبمزيد من الأسى والأسف، نقل إلي الأخ أميد بابان عبر الهاتف من فينا، وهو بالكاد يحاول التغلب على نبرات صوته، نبأ توقف قلب إبراهيم الداقوقي عن النبض وإلى الأبد، في يوم الأربعاء المصادف 16/ 1 / 2007 تاركا وراءه كومة من المشاريع الثقافية التي كان من المفروض أن ننجز جزءا منها معا. وكنت بدلا من سماع نبأ وفاته، أنتظر قدومه إلى مدينة لايبزك لزيارتي في طريقه إلى لندن، إذ جرت بيننا مخابرة تلفونية قبل الخبر المشؤوم بأقل من أسبوع.
كان إبراهيم الداقوقي أخا كبيرا وصديقا ومعلما وأبا لعائلة، أحتفظ بحيويته النادرة حتى النفس الأخير من حياته. كان من المفروض أن يحضر اجتماعا للعراقيين في فينا، ولكنه اعتذر من الحضور بسبب وعكة خفيفة، فاكتفى بإرسال ملاحظاته بيد صديق. وكان أن سقط واقفا كالشهاب.

عمل إبراهيم الداقوقي طيلة الأربعين عاما الماضية في شئون الثقافة والإعلام في العراق وخارجه، حيث كان مترجما في وزارة الارشاد عام 1960 (أشتغل قبل هذا التاريخ عدة سنوات في التعليم ببلدة داقوق، مسقط رأسه). وأصدر أول مجلة فولكلورية باسم “التراث الشعبي” في العام 1962 ثم أصبح رئيسا لهيئة رقابة المطبوعات خلال 1964. في العام 1966 تم تعيينه ملحقا صحفيا في السفارة العراقية بأنقرة وعمل هناك إلى العام 1972 ، قدم خلال تلك الفترة رسالة دكتوراه عن (فضولي البغدادي وديوانه العربي المفقود) إلى كلية آداب أنقرة ثم رسالة دكتوراه إلى كلية الحقوق بجامعة أنقرة بعنوان (حرية الإعلام). في بداية 1972 نقل إلى وزارة الإعلام واصبح مديرا للصحافة فيها، بيد أنه أعتقل عام 1973 وقضى ثلاثة أشهر في سجن “أبو غريب” نتيجة التقارير الحزبية ضده وتم إبعاده إلى قسم الدراسات الشرقية بكلية الآداب “جامعة بغداد” عام 1974 . وفي العام 1975 حصل على دكتوراه علوم، فانتقل مدرسا إلى قسم الإعلام ليصبح رئيسا للقسم خلال 1982 – 1983 . وعندما أراد أحد أساتذة القسم (وكان ضابط أمن الكلية) أن يتصرف بشئون القسم وبالمناهج والدوام بالشكل الذي يرغب فيه هو، دون ايلاء الأهمية برئاسة القسم وبالتعليمات الأكاديمية، قدم الداقوقي استقالته إلى رئيس الجامعة آنذاك الدكتور طه النعيمي في مجلس الكلية وبحضور عميد الكلية ورؤساء الأقسام. وكان أن قال النعيمي كلمته المشهورة:”إن الأستاذ الجامعي لا يستطيع تقديم استقالته برغبته الشخصية في عهد حزب البعث، لأننا نحن نحيله إلى المعاش متى ما أردنا ذلك” التي ذهبت مثلا وتقليدا جامعيا (مرموقا) في عهد (الرئيس القائد)!! وعندما قدم الداقوقي مسودات كتابيه “الأنظمة الإذاعية” و “قانون الإعلام: نظرية جديدة في الدراسات الإعلامية الحديثة”، اللذين يدرسان اليوم في معظم أقسام وكليات الإعلام في الوطن العربي، لنيل درجة الأستاذية في الإعلام، أحيل على التقاعد عام 1985 لقطع الطريق عليه كي لا ينال تلك الدرجة العلمية.

قضى الداقوقي أربعة عشر عاما في تركيا، دبلوماسيا وطالب دكتوراه ثم أستاذا في جامعتها ومترجما للعديد من المؤلفات التركية إلى اللغة العربية ومؤلفا للعديد من الكتب التي تجاوزت الـ35 كتابا، منها كتابه الضخم الذي صدر عن دار المدى بعنوان: “أكراد تركيا” الذي أهداه إلى روح والدته:
في حياتي امرأة،
كانت كالسنديانه السامقة،
رأسها في الأعالي كبرياء وحشمة ووقارا،
وجذرها في أديم هذه الأرض الطيبة.
تتسلق حولها نباتات الدنيا…
تحمل زهرا وتفوح أريجا.
وتبني الطيور فيها أعشاشها،
لأن أغصانها توفر لها الدفء والحنان.
فتغني بلغات العالم، أناشيد الحب والسلام.
هل عرفتم من هي تلك السنديانة الرائعة؟
إنها المرأة التي كانت معي في صحوتي وجنوني.
وسكنت سويداء القلب، بعدما علمتني حب البشر.
إنها حبيبتي، شقيقتي، أبي وأخي،
إنها والدتي.
وإني لأقبل جبينها النبيل،
لأقدم إليها جزءا من كفاح شعبها،
شعبي، شعبنا في دروب الحرية والنضال،
هدية حب ووفاء،
عرفانا بجميل العطاء والتضحية. إبراهيم بغداد 14/9/ 1992 .
كان إبراهيم الداقوقي يجسد في ذاته، عقله وتصرفه، الهوية العراقية الحقيقية بكل أطيافها: ثقافة عربية، أم كردية وأب تركماني. لن ننساك يا إبراهيم. أسكنك الله فسيح جنانه ولعائلتك وذويك وأصدقائك الصبر والسلوان.