الرئيسية » مقالات » أفكارٌ في الطابور

أفكارٌ في الطابور

حديثٌ مع رَبَّةِ الشفاء
————————
إجعلي من رأسي موطئاً لقَدمكِ أيتها الربَّةُ وانتِ تنزلين الى الأرض ولا يحرجَنَّكِ ما قد يتمخَّض عن هذا النزول المقدَّس من اضطرابٍ في أفكار هذا الرأسِ فهذه الأفكار في النهاية لا قيمةَ لها فقد حفَرَ في رأسي ثغرةً قَدَرٌ مجنونٌ ضالٌّ ثمَّ دسَّها فيه وعاد لينسبَها اليَّ لذا فانني لا أخاطبُكِ من خلال هذه الأفكار فانا سحيق الغربة عنها وإنما أخاطبكِ من خلال روحي التي تتألَّم , التي تتطلَّع ,
وهاتان كفّاي أبسطهما عَتَبةً ثانيةً لسُلَّمِ نزولك وسأجعلُ من رُكْبَتيَّ عتبةً ثالثة .
أمَّا وقد بُتْنا الآن وجهاً لوجهٍ فتعالي معي الى حيث مُستقرّي الجديد في مشفاي لأريكِ شجوني من النافذة .
أُنظري , الحقولُ تزيَّنتْ احتفاءاً بمقدمكِ , وسأسمّيكِ من الآن باسم التي أحبَّتني وأحبَبْتُها ثم استجابتْ بلا وداعٍ لنداء الأبد وباتت تتنفَّسُ في جسد قصائدي ,
سأسمّيكِ باسم الصروح المفقودة : الأملِ , الحرية , الأخلاص , وأقول : الرياحُ مِهما تبلَّدتْ ستجدُ ذاتَ يومٍ غيوماً فتهرعُ لحملِها مبتهجةً ,
والنجومُ مِهما ابتعدتْ عن ناظرينا نحن البَشَرَ ستظلُّ على مرأىً من الآلهةِ , وعلى مرأىً منكِ ,
والزهور مِهما عبثَتْ بألوانها أصابعُ الخريف فعطرُها باقٍ في جدائل النساء ,
والعصافيرُ … ؟
لا أتذكَّر أني رأيتُ جُثةَ عصفورٍ في طريقي حتى أنني لا أُصدِّق أنها تموتُ , أظنُّ أنها تقطعُ عمرَها اللحظويَّ زقزقاتٍ حتى تستهلكَ جسدَها أيْ تتبخَّر , تتحوَّل الى أصواتٍ تملأ فضاء الدنيا وفضاءَ روحي ,
والينابيعُ مِهما طمَرَها ترابُ العواصف فسرعانَ ما يطلُّ من بين شقوق التراب برعمٌ أخضرُ ساخراً فنعرفُ أنهُ ما زال في الأعماق مرجانٌ ولئالئُ وأصداف وأسماك ,
وهناك الى الشمال حيث المدينة , المدينة !
كم مرةٍ دخلتُها صارخاً في شوارعها الليلية : مَن انا ؟ ما انا ؟ فلا تنحني أسفاً وتعاطفاً إلاّ الجدران !
أقول هناك , كنتُ في أشدِّ ساعات توقي الى الوحدة المطلقة أجلس على أريكتي وكما الآن , أنظر من خلال النافذة , أرى حدود الدنيا بعين القلب , ولكن هل استطعتُ التعبير عنها يوماً ؟
مهما يكنْ فقد كنتُ أقول متمتماً مع نفسي :
الأرصفةُ مِهما امتصَّتْ من نفاياتٍ وعويلِ شاحناتٍ ففي المساء ستزيح عنها هذا الغضبَ العاجز أغنيةٌ خافتةٌ يدندنُ بها عابرُ سبيلٍ مخمورُ القلب .
ومرةً أخرى على الطرف الشمالي , ألا ترين معي تلك الغابة ؟ كنتُ كذلك أرقبها , وفي آخر مرَّةٍ ومن خَلَل الظلام رأيتُ على أحد أطرافها ضوءاً بحجم دُبّوسٍ , إنه منقارٌ أحمر لبلبلٍ من بلابل الدانوب , كان يتحرَّكُ قلِقاً , أكان يكافح للإستيقاظ من حلمٍ مزعجٍ ؟ وكنتُ أقول : حتى ذلك البلبلُ ستنحني ورقةٌ فتربِّتُ على كتفهِ , واستبشرتُ قائلاً عمّا قليل ستطلع أنوارُ الفجر فيُداهمُها بالرفيف .
لا تسأليني أيتها الربَّة كيف عرفتَ هذا ؟ إنني أعرف هذه الغابة بكلِّ تفاصيلها فعلى لحن أوراقها وهي تتمايل نغَّمتُ قصائدي وكان من أنساغها حبري وجنب كلِّ جذعٍ من جذوعها غرستُ زجاجة نبيذٍ حتى أنها كانتْ تورقُ أحياناً قبل الأغصان !
وذلك البحرُ على الشمال أيضاً ,
ألا ترينَ أنه يتحيَّنُ فرصةَ اقتراب الأشرعة , الأشرعةِ البعيدةِ حدَّ الدُّوار ؟ أقول مِهما طالَ أمدُ ابتعادها ورُسوِّها عند السواحل ستناديه في الختام , وكلُّ شراعٍ لسانٌ مائيٌّ بليغ فالبحر لا يفهم إلاّ لغة الرحيل الزرقاء ,
وتلك الجبال السوداءُ الخُضرةِ والمتمايلةُ السفوح حتى لتوشك أنْ تطير , رأيتُ ذات ظهيرةٍ نجمةً تتقافزُ على قممها وعلى كلِّ قمةٍ تنبشُ حفرةً وتغرسُ فيها شيئاً ما لا أدريه , لعلَّهُ دمعة او وعدٌ وكانت تحيط بها خيامٌ تخفق كالغيوم الصغيرة .
أقولُ أيتها الربَّة : كلُّ هذا وجدَ لهُ حَلاًّ إلاَّ دمي الدائر كقلادة براكين , وانا ما كنتُ لأقول هذا إلاّ لأنك تقفين الى جواري وتصغين اليَّ وإلاّ فجرحي أعمقُ من كونٍ مقلوب .
فقالتْ الربَّة :
إبقَ في محيط عذابك فالخروج منه فخٌّ ! قد تتبرَّمُ من سعادة الناس وعبثيتها , وهو كذلك فما جدوى واحةٍ في صحراء غير آهلة إلاّ بالموت وصفير الريح ؟
ولكنَّ أفكارك عناوين يقظتك , والفكرةُ , أيةُ فكرةٍ اذا بقيتْ حبيسةً في داخلك فلن تجد مَن يمَيِّزكَ عن السجّان ! أعرفُ أنَّ في داخلك الكثيرَ من الأفكار التي تمور وتنتظر في الطابور .
إصنعْ من بعضها شراراً .
انا لا أريد لك الشفاءَ العاجل وإنما الحرف القاتل , الحرفَ الذي تقول بهِ بأنك وضعتَ الجبّارَ المناسب في القُمْقم المناسب !

كولونيا – 2008