الرئيسية » مقالات » المصالحة الوطنية العراقية.. قراءة في المسكوت عنه

المصالحة الوطنية العراقية.. قراءة في المسكوت عنه

” مامن احد لايشكل خطراً على احد”.
رابوتيه


من لا ينفع نفسه لا يتوقع انه سينفع الاخرين بشيء، والمعادلة لا تستقيم إلا بنقيضها، فمن لا ينفع نفسه لا ينبغي ان يتوقع نفعا من الاخرين. اتحدث هنا في السياسة ، وعن الجامعة العربية والمصالحة بين العراقيين،حصرا، وساتوقف -مؤقتا- عند الشق الاول من المعادلة، إذ تحدثتْ الاخبار عن اجتماع وشيك لفرقاء النزاع العراقيين دعت له الجامعة العربية.
فالذين يسعون الى الجامعة العربية ان تبادر الى تقديم النفع الى العراق، في هذا الوقت، ينسون ان الجامعة نفسها تعيش حالة عجز عن تقديم النفع لغير العراق من الدول الاعضاء، بشهادة اقطابها واكثر الاعضاء حرصا عليها، بعد ان كفت الدول الاعضاء، من دون استثناء، عن الوفاء بالتزاماتها إزاء الجامعة، وهو التعبير المباشر عن سقوط ارادة العمل الجمعي على مستوى العالم العربي.
وقبل هذا كفت الجامعة عن تقديم النفع لاعضائها في ظروف حاجتهم خلال الفيضانات أو الزلازل أو الحروب الاهلية أو الجفاف او الارهاب.. وقبل هذا وذاك انتقلت الجامعة الى دور المتفرج في اكثر من انعطافة شهدها هذا الارخبيل الجغرافي العاصف من حروب وانشقاقات وخلافات، اللهم إلا من تصريحات لا شك في حرارتها، لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع في نهاية المطاف.
على ان تعامل الجامعة العربية مع الازمة العراقية طوال اكثر من عقدين شهدا حربين اقليميتين خاضهما النظام الحاكم في العراق ضد جيرانه وحربا ثالثة تسبب فيها واختارها، وجنى على نفسه بها، يشكل مثالا لتخبط الجامعة العربية حتى في تطبيق بنود ميثاقها وقراراتها وعهودها، وليس من التجني القول ان الجامعة العربية بقيت رهينة سياسات تابعة لعاصمة المقر، وسياسات أخرى للترضية، وثالثة للتهرب من المواجهة وقول كلمة الفصل.
كان العراقيون والملايين من العرب يستجيرون بالجامعة لكنهم لم يجدوا هناك غير ابواب موصدة باردة ليمسوا كمن يستجير من الرمضاء بالنار، ويومها، قبل ما يزيد على ستين عاما، همس النحاس باشا، أول امين عام للجامعة العربية لوفد شعبي عربي حمل شكوى ضد السياسات الرسمية العربية: لا تعولوا علينا ايها الاخوة .. نحن منشغلون(وابتسم) بقضايا أخرى.



الرافضون كثيرون والمتحمسون لاوجود لهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رحلة المصالحة الوطنية من يوم ولادتها كخيار في مؤتمر لندن في ديسمبر 2002 برعاية الولايات المتحدة حتى آخر منتدى لها عقد في ديسمبر الماضي في مكة برعاية منظمة المؤتمر الاسلامي، تذكّر المتابع برحلة مغامر مصري لف العالم كله على دراجته الهوائية وحين وصل الى مشارف منزله في حي المعادي بعد مشاق سنتين دهمته سيارة طائشة لتنهي رحلة مضنية ذهبت مشاقها سدى.
قد يبدو هذا الاسقاط متشائما، لكنه الحقيقة المرة، وستبقى المصالحة الوطنية محكومة بمعادلة الاحباط حتى يثبت العكس، وعلينا ان لا نستبعد الشائعات التي انطلقت توا بان الجانب الحكومي العراقي تلقى اشارات مقلقة عن تراجع الحماس في الجامعة العربية لجهة عقد لقاء جديد، هو الرابع، لفرقاء الازمة العراقية، كان مقررا له ان يعقد في الشهر الجاري، وان السبب يعود الى ان “اطراف مهمة” كانت قد حضرت مثل هذه اللقاءات ابدت عدم رغبتها في اللقاء المقرر في القاهرة، وفي ثنايا الاخبار نعثر على بيان صادر عن التيار الصدري وآخر عن حزب البعث(الدوري) يؤكدان علنا مقاطعة لقاء القاهرة، الى جانب تسريبات عن هيئة علماء المسلمين وجماعة الخالصي وجيوب في الاكثرية البرلمانية تشير الى فقدان الامل بجدوى اللقاء، كل من الزاوية التي يفهم بها المصالحة الوطنية.
لا يصح ان يعالج موضوع المصالحة الوطنية العراقية من غير ان يجري تثبيت الحقيقتين التاليتين، الاولى، وجود تيارات سياسية وطائفية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، من المحسوبين على الحكم وقواه المتنفذة والمحسوبين على معارضته ومجموعاتها المسلحة، ترفض خيار المصالحة، اصلا، وتعده بمثابة خيانة وتزكية للطرف الآخر واعترافا بشرعيته ودوره، والثانية، ان غالبية المشاركين في لقاءات المصالحة الوطنية والساعين الى تحقيقها يتهربون من الاحكام التي لا يمكن ان تتحقق المصالحة من دونها وفي مقدمة تلك الاحكام الاستعداد للتضحية بالامتيازات والمواقع والمطالب والشروط الى الحد الذي يصبح مقبولا من الجميع، وبكلمة، وعي فقه المصالحة القائم على الحلول الوسط التي تعني تفكيك منطق “العفو العام” او “العودة الى الصف الوطني”او تقاسم السلطة بين اسياد الحرب.
بعض الرافضين للقاء المصالحة، ولفكرة المصالحة، من المشاركين في العملية السياسية ينطلقون من خندقة طائفية لأن المصالحة تبدأ من النقطة التي تردم فيها الخنادق، وثمة البعض من شرائح هذا المعسكر تعيش وهم الانتصار بالحرب ثم الفوز بالسلطة عن طريق الانتخابات، فكيف لها –من داخل هذا المنطق- ان تسلم السلطة لمن فقدها، او تتقاسمها معه، طواعية او بالمراضاة، فيما الرافضون للقاء والمصالحة من المعارضين و”المسلحين” يخدعون انفسهم بانهم قاب قوسين او ادنى من الحكم، وانهم اهل لهذا الحكم واحق من غيرهم به، فكيف لهم-وفق رايهم- ان يعترفوا بشرعية حكم الاخرين ويحاورونهم كانداد، ثم ان يتعايشوا معهم متنازلين عن برنامج التجييش والسلاح؟ ويضرب بعض مفاصل هذا المعسكر عارض طائفي يمتد في جذوره الى تلك النعرات التي كرسها النظام الدكتاتوري السابق.
في الخطاب الرافض لخيار المصالحة ثمة القليل مما يخاطب العقل، والكثير مما يعيد انتاج ثقافة الرفض في صيغتها المستعارة من ضجيج السيوف التي مضى اوانها.
والان مضى ما يزيد على عام ونصف على المبادرة التي اطلقها رئيس الوزراء نوري المالكي ذي الاربع والعشرين نقطة لجهة تحقيق المصالحة بين الاطراف والكيانات العراقية المختلفة، والغريب ان احدا من المعنيين بالامر لم يعد اليها، او يراجعها، على الرغم من انها تتضمن افكارا والتزامات محددة في مجالات الدستور والاجهزة الامنية والعسكرية والمعتقلين والخطاب السياسي والاعمار والخدمات والنشاط الارهابي والتكفيري والمليشيات وحقوق الانسان، بالاضافة الى احترام الرأي المخالف للحكومة.
قد يكون السبب الرئيسي في فشل الخطة من ان تصبح قاعدة للمصالحة الوطنية يعود الى الظرف السياسي الذي انطلقت فيه والذي كان يتسم بالاستقطاب وانعدام الحياد والتقاذف بالاتهامات والتهديدات بين فصائل العملية السياسية وغياب الحد الادنى من اجواء الثقة بين قادتها وجمهورها، والغريب ان الخطة، بدلا من ان تناقش كفاية في الهواء الطلق من اجل تطوير واغناء منطلقاتها وتقليص بعض تضميناتها العمومية وترسيم الالتزامات على نحو اكثر وضوحا، فانها تعرضت الى الطعون في دواعيها والشكوك في نياتها، ولم تقتصر المواقف السلبية على معسكر التوافق الذي لم يكلف نفسه مسؤولية المناقشة والبحث فلجأ الى التشهير والتجييش، بل ان اطرافا محسوبة على الاكثرية البرلمانية القت امام الخطة بالكثير من الاعتراضات والحجارة.
وتواصل الموقف السلبي من الخطة حتى مع انعقاد مؤتمر الحوار في شرم الشيخ في مايو من العام الماضي لدعم المصالحة الوطنية في العراق وبحضور ممثلي ستين دولة، واللافت ان المالكي في كلمته اامام المؤتمر تجاوز خطته مؤكدا على الجوانب ذات الصلة بالعلاقات بين العراق وجيرانه وبقضايا الديون والمساعدة على مواجهة الارهاب، في حين تحولت الجهود المحلية لترويج خيار المصلحة الى نداءات من رجال دين من الطائفتين الاسلامية والى اجتماعات استعراضية لشيوخ ووجهاء القبائل انتهت ببركة دم حين فجر مسلحون اجتماعا لهم في فندق المنصور في حزيران 2007 اودى بحياة ستة منهم.
وبدلا من ان يساعد الائتلاف الحكومي الموسع على تطوير وإغناء حشوة خيار المصالحة فان الانسحابات المتكررة من الوزارة، وبخاصة انسحاب وزراء التوافق الخمسة منها في آب 2007 القت بظلالها السوداء على هذا المشروع واعادته الى نقطة الصفر، على خلفية سؤال مشروع: اذا لم تتصالح اطراف الحكومة مع نفسها فما الحاجة لبحث فكرة المصالحة مع اطراف خارج الحكومة، او في موقع المعارضة منها؟.
الذين تابعوا لقاء البحر الميت الذي دعا اليه المعهد الامريكي للحوار في اكتوبر الماضي ، وهو لقاء ذو طبيعة بحثية، بين ممثلي شرائح وخيارات سياسية عراقية مختلفة يمكن ان يتوصل الى الاستنتاج التالي: ان فكرة المصالحة الوطنية لم تختمر تماما لدى السياسي العراقي مثلما هي مختمرة لدى المواطن العراقي.. الاول يحشرها في حسابات الربح والامتيازات والثاني يلجأ اليها اتقاء الخسارة والمزيد من الكوارث.
على ان ثمة ارتباك واضح رافق جهود المصالحة الوطنية منذ انطلاقها غداة سقوط نظام الحزب الواحد ووقوع العراق تحت هيمنة قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة، ويعبر هذا الارتباك عن نفسه في غموض (او التهرب المقصود من احكام) مفهوم المصالحة بالنسبة لغالبية الاطراف السياسية، حتى اختزلت الى ما يشبه الصفقة السياسية بين فرقاء الازمة، كما اثقلت بمناقشات عقيمة عن الفيدرالية والدستور والهوية والثروة وتناسب الامتيازات بين الطوائف وقضايا تفصيلية كثيرة، ولجأت اطراف مشاركة في حوارات المصالحة الوطنية الى وضع شروط سياسية لا تخفي رائحة الطائفية او المنافع الفئوية او الاعتبارات الاقليمية مما لا يدخل في قوام العناصر التي تشكل معنى ومفهوم المصالحة الوطنية.
وبدلا من ان يجري ترحيل، ما يمكن ترحيله من الخلافات والمطالب والاعتراضات السياسية الى مرحلة ما بعد الاتفاق على خيار المصالحة واطارها العام، فقد جرت عمليات حفر وخندقة عند مواقف سياسية عقدية كان يمكن معالجتها مع احلال اجواء الثقة بكفالة عهد الشراكة وفي مجرى اعادة البناء وترسيخ نظام التعددية والدستور، كما حصل في جنوب افريقيا، إذ بقيت عالقة الكثير من الملفات والقضايا المختلف عليها الى ما بعد التوقيع على ميثاق المصالحة الوطنية، وآنذاك انفتحت الافاق، رحبة وبعيدة عن التوتر والاحتقانات، امام تسوية تلك القضايا، ثم قبر الى الابد نظام الابارثيد، لكن على خطوات ترسخت بارادة المصالحة القائمة على مبدأ الاستعداد للتضحية بالامتيازات وحُصنت بالثقة المتبادلة بين الفرقاء، وتحولت الى بيئة وطنية جرّت المجتمع كله الى بناء دولة مدنية تتعايش فيها الجماعات السكانية المختلفة.
وكان على اطراف الازمة السياسية العراقية، التي التزمت خيار المصالحة ودخلت في سلسلة حوارات لتحقيقها، ان تدخل في التنافس على التضحية بالامتيازات والمواقع سبيلا لاقناع الجمهور بجديتها وحرصها على تجنيب البلاد المزيد من الويلات، ثم، ان تتجنب الاستغراق في تفاصيل الخلافات السياسية وان تنأى بنفسها عن املاء الشروط على بعضها وان تستثمر(وهذا امر مهم) تعاطف الشعب الجارف مع خيار المصالحة باعتباره مصدّاً امام حريق الحرب الاهلية الكارثي المخبوء في اجندة الارهابيين والطائفيين، ولو ان هذه الاطراف، تملّت جيدا معادلة المستقبل برجاحة العقل والمسؤولية لتوصلت الى النتيجة التالية: ما لا يمكن تحقيقه بالحوارات والسجالات المضنية وسياسات التهديد والابتزاز والمناورة وكسر العظم يمكن ان يتحقق في اجواء المصالحة والاسترخاء والشراكة، ولو بعد حين، اخذا بالاعتبار الحقيقة الاخرى الاكثر اهمية وهي انه في حال انهارت جهود المصالحة وسويت بالارض هوامش الحوارات بين اطراف الازمة فلن يبق، بعد ذلك، اثر للامتيازات والمواقع التي يتخانقون عليها، بل ستكون، اغلب الظن اطلالا.. وربما اعشاشا للقالق.

زعماء العالم مروا من هنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
من زاوية اخرى يبدو ان الكثير من ساسة العالم وزعمائه وضعوا اسماءهم في سجل المصالحة الوطنية، وقد غلبت على الكثير من مبادراتهم كلمات “النخوة” والنصيحة والاستعداد لتقديم المساعدة، عدا عن انها، ومن دون استثناء، كما كان يؤكد الامين العام السابق للامم المتحدة كوفي عنان، تشدد القول على انه من دون اتفاق العراقيين انفسهم على جدوى المصالحة في ما بينهم فانه لا مستقبل لأي مبادرة تأتيهم من الخارج.
ويبدو ان مبادرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهي آخر المبادرات الدولية التي يجري تداولها هذه، تمضي بهذا الاتجاه وإن كانت تفترق عما سبقها في نقطة جوهرية تتمثل في انها تعزل بوضوح قوى العنف والارهاب والمليشيات (المتطرفون) كما افادت الصحف الفرنسية، وهو امر له دلالته مثلما هو يقترب من جوهر استعصاءات عملية المصالحة الوطنية، إذا ما اخذنا بعين الاعتبار حقيقة ان ثمة فئات متطرفة انتقامية، مسلحة وغير مسلحة، تناهض خيار المصالحة، اصلا، وتسعى الى تخريب اية خطوة لجهة تنقية الاجواء وجمع الاطراف السياسية على طاولة الحوار.
مشكلة مبادرة الرئيس ساركوزي تتمثل في انها تعتمد المبادرة الفرنسية حول الازمة الحكومية اللبنانية قياسا وهيكلا للمصالحة العراقية، وذلك بعد حصول باريس على اجازة مرور(موافقة اولية) من دمشق الى طاولة الحوار اللبنانية، وهو قياس غير صالح طبعا للقضية العراقية إلا في حدود سياسية عمومية(تسوية الحساب مع الامريكان على ساحة مجاورة) بل ان علاقات فرنسا المتردية مع طهران (واختلافها في مابعد مع سوريا) قد تقف حائلا دون اي دور فرنسي في القضية العراقية، وربما لهذا السبب لم تحظ المبادرة الفرنسية الاولى في نوفمبر من العام الماضي بحماس في العراق وايضا، في دول الجوار المؤثرة، اضافة الى ان فرنسا لا تملك نفوذا في العراق يضاهي نفوذها التاريخي في لبنان.
على انه ينبغي الحذر في التعامل مع موجبات “عزل المتطرفين” المناهضين للمصالحة الوطنية، فان الامر بحاجة الى مبضع تشريح شديد البصيرة والحكمة، فان للمتطرفين، من الطائفتين، ومن فئات تجييشية، نفوذ كبير على المعنيين المباشرين بخيار المفاوضة، بل ان بعض المشاركين في المفاوضات تبنوا افكار اولئك المتطرفين وسربوا اجندة الارهاب والمليشيات واملاءات دول الجوار الى طاولة الحوار، وثمة بعضهم اعلن من دون خجل انهم شاركوا في حوارات المصالحة لغرض “التلصص على نيات الاخرين وعلى سبل تفكيرهم”.
الامر الايجابي، ذو الكلفة الباهضة، يتمثل في تراجع نفوذ وقوة القوى المسلحة الاكثر تطرفا ودموية وايغالا بالجرائم، الامر الذي يشكل عاملا مشجعا للمضي قدما في تفعيل خيار المصالحة الوطنية ويستطيع المراقب ان يرصد في كومة الاخبار والتصريحات بعض المؤشرات الايجابية على وعي جديد لخيار المصالحة، وتناقلت الالسن بعض الاستعدادات للمرونة.. قلت الالسن، اما القلوب فعلمها في الغيب.. وما ادراك ما الغيب.