الرئيسية » مقالات » كيف نفهم العولمة (الكوننة )الحلقة الأولى ( 12)

كيف نفهم العولمة (الكوننة )الحلقة الأولى ( 12)

العالم بجمعه ، أغنيائه و فقرائه ، شعوبه و بلدانه ، شبابه و شيوخه ، معني بما هو متوقع من انتقال إلى مرحلة جديدة و انخراط في نظام عالمي جديد ، و التفاعل مع مقدمات و إفرازات تلك الحركة السريعة التي تسمى العولمة 0
كل ذلك بمثابة – القدر المحتوم – لا مفر منه و لا مناص عنه و لا خيار للبشرية إلا في أطرها ، في القلب منها، خاصة وأن تلك التطورات تتناول كل جوانب الحياة الاقتصادية و الاجتماعية ،و الثقافية و الحياتية ،و الحاضرة و المستقبلية 0
( وهي عملية تاريخية مستمرة في حياة البشرية ،لن تتوقف إلا بتوقف الإنسان عن الحياة و العيش على الكرة الأرضية )0هكذا عرف الأستاذ صلاح بدر الدين العولمة في كتابه : القضية الكردية أمام التحديات ،السلام ، العولمة 0– الصادر عن رابطة كاوا للثقافة الكردية 1999م0
أما كوفي عنان- أمين العام للأمم المتحدة السابق، فقد شبه الكرة الأرضية في ظل العولمة بأنها ستصبح مثل سفينة صغيرة ، الكل فيه مسؤول عن الجزء ، و الجزء فيه مسؤول عن بناء الكل ، و الضعيف فيه يقوى بالقوي و القوي منهم يحمي الضعيف 0
إذا من تكون هذه العولمة التي شغلتنا بعدما كنا قد ألفنا النوم منذ الولادة ! هل هو شبح أم ملاك؟ هل الكوننة آت إلينا خيرا أم شرا ؟0
هذا ما سوف نحاول الإجابة عنها من خلال هذه الدراسة ، مستشهدين بآراء و مواقف كتاب و مفكرين ، عرب و أجانب و أكراد، لعلنا نصل إلى الموقف و نقرر هل نفتح الباب و نستقبلها بالأحضان ، أو نحصن مواقعنا من الداخل و الخارج ، شرط أن لا نقف مكتوفي الأيدي0
المنشأة التاريخية للعولمة :
لقد شاعت كلمة (عولمة ) على ساحة الفكر في المنطقة و العالم منذ العام 1989م وهو العام الذي شهد انهيار الاتحاد السوفيتي ، و يرى آخرون ، برجوعها إلى بطون و أعماق التاريخ القديم ،لتقضي على أية خصوصية أو جدة أو أصالة فيها ، قبل عصر الديانات الكبرى و إلى إمبراطوريات العظمى كالإسلامية أو الرومانية ، أو في نظام البروليتاريا لدى ماركس ، و غيره من النظم الأخرى 0
وتناول الباحثون و المثقفون العولمة في سلسة طويلة من الكتب و الدراسات و الندوات ، لتحليل هذه الظاهرة 0 ولم تتوصل كل هذه المحاولات إلى نقاط مشتركة واحدة ، حول تعريفها و مضمونها و أهدافها 0إن الاتجاه إلى توحيد بلاد العالم ، كان على الدوام هدفا يراود أحلام الكثير من الحكام و المثقفين ، و حتى الرسل الذين قاموا بنشر رسالة واحدة على كل العالم ،و لكل البشر0 و قد عمل الحكام على تحقيق هذا الهدف بوسائل شتى ، سواء بالطرق السلمية أو العسكرية 0
و هناك من يقول أن نزعة العولمة وجدت منذ عهد الفراعنة ، و قد ورثها الأسكندر المقدوني الذي عمد إلى الحروب لتوحيد الشرق و الغرب ، و جاءت بعد ذلك الإمبراطورية الرومانية 0كذلك المسيحية هي ضرب من ضروب العالمية ، و الإسلام أيضا0 و أن أوربة عندما بدأت غزواتها الاستعمارية في القرن السادس عشر الميلادي كانت تفعل ذلك بادعاء أنها تنشر الحضارة بين الشعوب المتخلفة ، لتحقيق العالمية و هذا ما تفعله اليوم الدول الكبرى لنشر العولمة 0
و قد صاغ ” رولاند روبرت سون ” في دراسته المهمة ( تخطيط الوضع الكوني) العولمة باعتبارها المفهوم الرئيسي ،إلى خمس مراحل تاريخية :
1-المرحلة الأولى ، (مرحلة الجينية) : وقد استمرت في أوربة منذ بواكير القرن الخامس عشر و حتى منتصف القرن الثامن عشر هذه المرحلة شهدت نمو المجتمعات القومية 0
2-المرحلة الثانية ، ( مرحلة النشوء): و قد استمرت في أوربة من منتصف القرن الثامن عشر و حتى 1870 م و ما بعدها ، و أخذت تتبلور المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية ،و زادت إلى حد كبير الاتفاقات الدولية ، و نشأت المؤسسات المتعلقة بتنظيم العلاقات و الاتصالات بين الدول0
3-المرحلة الثالثة ، ( مرحلة الانطلاق ): استمرت من عام 1870 م و حتى العشرينات من القرن العشرين ،و قد ظهرت مفاهيم كونية ، مثل ( خط التطور الصحيح و المجتمع القومي ) و جرت الحرب العالمية الأولى ، و أنشئت عصبة الأمم 0
4-المرحلة الرابعة ، (مرحلة الصراع من أجل الهيمنة ): استمرت من العشرينات و حتى منتصف الستينات ، و بدأت الخلافات و الحروب الفكرية حول المصطلحات ، و قد تم التركيز على الموضوعات الإنسانية ، بحكم المجازر التي رافقتها ، مثل إلقاء قنبلة الذرية على اليابان 0
5-المرحلة الخامسة ،(مرحلة عدم اليقين ): و بدأت منذ الستينات و أدت إلى اتجاهات و أزمات في التسعينات ، و قد تم إدماج العالم الثالث في المجتمع الدولي ، و تصاعد الوعي الكوني ، و هبوط الإنسان على سطح القمر ، و نهاية الحرب الباردة ، و شيوع أسلحة تدمير الشامل ، ثم تم تدعيم نظام الإعلام الكوني و تطور الاتصالات و المعلومات 0
تعريف العولمة :
لو فتشنا عن معنى كلمة (( العولمة )) في المعاجم اللغة العربية الكلاسيكية ، لما و جدنا لها أثرا ، لأن الكلمة دخلت حديثا في لغة الضاد كترجمة عن الكلمة الفرنسية””mondlisation
التي هي بدورها ترجمة محرفة عن الكلمة الانكليزية globalization و لهذا يفضل بعض الباحثين العرب من ذوي الثقافة الانكليزية ، كلمة كوننة بدلا من عولمة 0
و أذا أردنا أن نأتي بتعريف علمي مقبول لكلمة عولمة فأننا سنجد أن مثل هذا الأمر هو مسألة بالغة الصعوبة و الدقة ، و ذلك لثلاثة أسباب رئيسية :
أولا: أن هذه الكلمة ، هي حديثة جدا في قاموس اللغة العربية ، و مفهومها لم يستقر بعد 0 ويرى أغلب الباحثين أن مفهوم العولمة لا يزال من قبيل الفرضية ، وهو فرضية 0 لأن الاتساع في تناول العولمة و أصلها و تعميمها أو تعميم ما قد ينتج منها ، أمر غير مستقر علميا ، و هذا إقرار بعدم وضوح العولمة و الإحاطة النظرية و العلمية بها خصوصا أنها مازالت في طور التكوين و التبلور ، و غير مكتملة الملامح و النتائج 0 و لكي نثبت أنها غير مكتملة الملامح و النتائج بعد ، دعونا نقرأ الأرقام التالية :
أ – في حوالي عام 1977 م كان هناك 50000 جهاز كومبيوتر ( حاسوب ) في العالم ، وفي عام 1997 م أصبح العدد 150 مليون جهاز من مختلف الأشكال و الأحجام و الأنواع و الغايات 0 وفي عام 2005 أرتفع العدد إلى 500مليون جهاز كومبيوتر 0
ب- كان هناك 12 مليون جهاز كومبيوتر موصول على شبكة الانترنيت حتى عام 1997 و سيرتفع العدد إلى 1500 مليون خلال عشر سنوات 0
ج- في عام 1997 كان هناك 50 مليون مشترك على شبكة الانترنيت ، و أرتفع العدد إلى 400 مليون عام 2005 و هو رقم يجب أن يؤخذ في الحسبان 0
ثانيا: أن مفهوم العولمة ذو محتوى شامل ، و ذو تأثير فعال على حياة جميع الأمم و الشعوب و الثقافات الوطنية و المثقفين أيضا ، لذا لا مجال لأن يقف صاحب التعريف موقفا حياديا منه ، بل عليه منذ الوهلة الأولى أن يقف معه أو ضده ، أو أن يقف موقفا توافقيا بين إل مع و الضد 0
وهذا الانقسام بالذات ، نجده في جميع معطياته لدى المفكرين اليوم تجاه ظاهرة العولمة ، فهناك نفر منهم ضدها مبدئيا ، ويبحثون منذ الآن عن كيفية محاربتها و تدابير الوقوف ضدها ، و خاصة أولئك الذين يمثلون آراء السلطات التي تعيش على الاستبداد السياسي و الثقافي و الاقتصادي ، خوفا من انهيار عروشهم 0 و هناك نفر آخر معها يبحثون في كيفية الاستفادة منها بدلا من الوقوف في وجهها 0 و هناك أخيرا من ينادونا بأتباع مذهب – أنتظر و ترقب – بانتظار تبلور الموقف 0
و المشكل في الأمر هنا أن الانتظار أكثر من اللازم قد يجعل قطار العولمة يفوتنا ، بعد أن فاتنا قطر كثيرة من قبله ، و ينطبق علينا عندئذ قول عالم الاقتصاد الأمريكي “ليستر ثرو ” في هذا المجال : (أن عدم المشاركة في اختراع العجلة ليس أمرا مزعجا ، ولكن المزعج هو التأخر و لو لحظة عن استخدام العجلة بعد اختراعها) 0
ثالثا: أن مفهوم العولمة ، مثله في ذلك ، مثل مفهوم البيئة ، لم يتوقف عن التمدد و التوسع بشكل رهيب 0 فلقد بدأت العولمة كنظرية اقتصادية محضة ، تستهدف ” فرض النظام العالمي الجديد “في الاقتصاد فحسب 0 و لكنها سرعان ما مدت أذرعتها الأخطبوطية إلى النواحي الوطنية و القومية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية أيضا ، في مرحلة عقد أو عقدين من الزمان ، كما يقول د 0 ناصر الدين الأسد في بحثه الموسوم ” الهوية و العولمة “، ولهذا ربما لم يكن المفكر العربي المعروف ” محمد عابد الجابري ” مخطئا عندما وصف العولمة بأنها : ( نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد ، أنها نظام عالمي يشمل المال و التسويق و المبادلات و الاتصال ، كما يشمل أيضا مجال السياسة و الفكر و الايدولوجيا “0
*- و يعرفها أستاذ الفلسفة السوري د 0 جلال صادق العظم : ( هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي ، عند منتصف هذا القرن ” القرن الماضي ” تقريبا إلى نقطة الانتقال إلى عالمية دائرة التبادل و التوزيع و السوق و التجارة ، و التداول و السلع و البضائع ) و ينتهي العظم بصياغة تعريف عام للعولمة ، بكونها : هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز ، و الدول الصناعية الغنية بقيادة ” الولايات المتحدة ” و في ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ 0
*- و العولمة في القاموس الانكليزي : تعني إكساب الشيء طابع العالمية ، و جعل نطاقه و تطبيقه عالميا0
*- أما في القاموس الفرنسي : هي أن يصبح الشيء عالميا ، و العالمية هي نظرية تتوخى تحقيق الوحدة السياسية للعالم ، على اعتبار أنه يشكل مجموعة إنسانية موحدة 0
*- ويعرف فيردمان ، العولمة – الكوكبة : بمعنى التغير السياسي و الاقتصادي النوعي في النظم العالمية 0 من نظام هيمني ممركز إلى آخر تكون فيه القوة و الثروة مبعثرة على نطاق عريض ، و هي تعني انتشار مناطق التجارة الحرة ، مترافقة مع تصاعد قوة و سطوة الشركات المتعددة الجنسيات 0
*- و يرى الدكتور معنا ألنقري أن فريدمان في تعريفه للعولمة – الكوكبة ، يرصد الجوانب الاقتصادية و السياسية ، و يغفل المكونات الثقافية و الإعلامية و الاجتماعية ، و الجوانب البيئية 0
*- و يعرف الدكتور طيب تزييني العولمة : بأنها تحول باتجاه إحكام قبضة الامبريالية في العالم برمته ، عبر تفكيك هوياتها كلها ، من أجل هوية واحدة أساسية ، هي ما يمكن تسميتها بالهوية السوقية السلعية ، و كونها نظاما سياسيا و عسكريا و ثقافيا ، تسعى إلى الهيمنة بعد إقصاء كل الهويات و في مقدمتها ، هوية الدولة الوطنية و القومية ، و العقلانية و غيرها 0000الخ 0
مخالفا لما يدعوا إليه شارل مالك حين يقول : طالما أننا ننتسب إلى عالم التخلف ، و التخلف مغروس في جلدنا ، لذلك أقل ما نستطيع أن ننجزه ، يكمن في أن نجعل من إمكانية محاصرة هذا التخلف أمرا واردا ، و ذلك عبر الالتقاء بالغرب 0 إذا لا يصح إلا أن نكتشف كيف نندمج بالغرب كيانا ، أي مصيريا إلى درجة أننا مدعوون إلى أن ندخل في حذائه 0
*- و يعرف الأستاذ صلاح بدر الدين ، النظام العالمي الجديد – قيد التشكيل : هو مجموعة العلاقات السياسية و العسكرية و الاقتصادية ، القائمة بين الدول و الحكومات ، في ظل موازين قوى مختلة ، لصالح ” القطب الأكبر ” ( الولايات المتحدة الأمريكية ) التي تتحكم باتجاهات السياسة الدولية ، و تطبعها بمصالحها الآنية و الإستراتيجية 0
– و أن نظرة أولية إلى التعريف الانكليزي للعولمة ، و التعريف الفرنسي له ، يجعلنا نكتشف منذ أول وهلة أنه قد تمت صياغتهما بطريقة بريئة و ساذجة و سطحية عن قصد أو من دون قصد ، لأن العولمة ، بما هو معروف عنها حتى الآن ، هي أمر أخطر و أشرس و أكبر و ربما هي تخطيط لمشروع من مستوى ما ، كما نراه في أفلام الخيال ، و حروب للسيطرة على الكون و ما يحيطه 0
وهاهي شركات أمريكية قد بدأت ببيع أراضي القمر و تقسيمها بصكوك و خرائط ، و هي نظرية اقتصادية في المنطق , سياسية واجتماعية و ثقافية في النتائج ، تستهدف فتح الأسواق الاقتصادية ، و تطبيق سياسة السوق فيها ، بإلغاء الرسوم الجمركية ، و إقرار حرية تنقل رأس المال و البضائع و الخدمات بين الدول دون أية قيود ، و فتح الحدود الوطنية في المجال السياسي، والترويج لثقافة نمطية عالمية واحدة هي ثقافة القوة المهيمنة على العالم 0
و نستنتج من التعاريف السابقة ، بأنها ليست نظرية اقتصادية فقط ، مثل مؤسسة ألغات gatt أو وريثتها ( منظمة التجارة العالمية ) و إنما هي نظرية للقولبة الأحادية 0 و هي في هذا تتجاوز حدود الاقتصاد و المال ، لكي تفرض أنماطا معينة من النظم و الإيديولوجيات التي لا يمكن لأية قوة وطنية أو محلية السيطرة عليها 0
وقد وصفها أحد الاقتصاديين الغربيين عن حق بأنها ( سماوات مفتوحة ، و محيطات مفتوحة ، و الحواجز الجمركية لا وجود لها ، و العلم بلا وطن ، و رأس المال كذلك ، و زيادة في حرية العمالة و رؤوس الأموال و الأفكار عبر العالم بأسره ، مما يؤدي في النهاية إلى تحويل العالم إلى قرية كونية 0
و لا يخفى ما يحمله هذا التصور من اعتداء على الدولة الصغيرة أو النامية و نهب لثرواتها الطبيعية و خيراتها ، و تحويلها إلى – سوبر ماركت – كبير ، يتم إغراقه بمنتجات الدول الصناعية الكبرى ، تحت دعاوى الحرية الاقتصادية ، و الاعتماد المتبادل بين الدول ، و لكن هذا لن يحمي الدول الكبيرة 0 ففتح الحدود سوف يؤدي إلى هجرة الكثيرين إليها 0 و لكن ليس المهاجرون كلهم <<طيبون >> فلا بد من ظهور الكثيرون من <<المشاغبين >> الصغار الذين سوف يقلقون الدول الكبيرة 0 و ربما أحداث (11 أيلول لعام 2001 ) و ضرب مراكز القوة الأمريكية في مركز التجارة العالمية ، ووزارة الدفاع الأمريكية ، تعتبر من ضرائب العولمة التي تدفعها أمريكا ، و هي بالتالي من نتائج العولمة السلبية التي سوف تتكرر بأشكال مختلفة ، أذا ما أراد لها الكبار أن تكون وسيلة للسيطرة و نفي الآخر0
تجليات النظام العالمي الجديد : (العولمة )
إن نظرة سريعة على الدراسات و الكتب التي تدرس العولمة ، تبين أن لها تجليات متعددة ، اقتصادية و سياسية و ثقافية و اتصالية و عسكرية :
1-التجليات الاقتصادية : تظهر في نمو و تعمق الاعتماد التبادل بين الدول و الاقتصاديات ، و في وحدة الأسواق المالية و إنشاء منظمة التجارة العالمية ( ألغات ) و تبرز بشكل خاص ، من خلال عمل التكتلات الاقتصادية العالمية و المؤسسات الدولية الاقتصادية ، كالبنك الدولي 0
2- التجليات السياسية : من أبرزها سقوط الشمولية السلطوية ، و النزوع إلى الديمقراطية و التعددية السياسية و سقوط نظام الحزب الواحد و السلطة الواحدة المتفردة ، و احترام حقوق الإنسان 0
و لكن هل الديمقراطية نظام متفق عليه ، و على أسسها و مبادئها ، و هل نقصد بذلك الديمقراطية الغربية ، أم أن هناك صياغات أخرى تقتضيها الخصوصية السياسية لكل دولة ، و الخصوصية الثقافية للمجتمعات في العالم ، و هل هناك إجماع على احترام حقوق الإنسان ، أم أنها تصبح خاضعة أيضا للسياسات و المصالح 0
3- التجليات الثقافية للعولمة : المشكلة المطروحة ، هي الاتجاه لصياغة ثقافة عالمية لها قيمها و معاييرها ، و لكن أية ثقافة يراد لها أن تصبح عالمية 0 هل هي ثقافة الأمريكية أم الغربية ، أم الثقافة الشرقية ، ؟ و ما هي مصير باقي الثقافات 0 هل ستزول ؟ أم أنها سوف تنحصر في زوايا ضيقة و يتهم من يتبعها بالتخلف و عدم التحضر 0 و هل التحضر هو ( همبرغر و هوت دوك و باي باي 000الخ ) 0
4- التجليات الاتصالية للعولمة : و التي تجسدها وسائل الإعلام و عملية النشاط الإعلامي الكبرى ، خلال شبكة الانترنيت ، التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة 0
5- التجليات العسكرية للعولمة : و أبرزها ظهور الولايات المتحدة الأمريكية ، كقوة عظمى مسيطرة على النظام العالمي الحالي ، مما يجعلها تتمتع بالقدرة على القيام بدور حاسم في أي صراع 0 وبرز ذلك بقيادتها للتحالف الدولي في الحرب الخليج الثانية عام 1991 م ، و قوات حلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو عام 1999 م و الحرب في أفغانستان عام 2001 م بعد أحداث أيلول ، و تزعمها التحالف الدولي ضد الإرهاب ، هذا من – وجهة نظر الأمريكية – 0 و برزت مفاهيم جديدة و استراتيجيات متنوعة ، مثل استراتيجيه تسوية النزاعات ، و الدبلوماسية الوقائية ، و حفظ السلام ، و القضاء على الإرهاب الدولي 0
و هناك أنماط مختلفة للعولمة ، أو هكذا يبدو لنا على الأقل 0 فإذا كان النمط السائد هو العولمة ” المؤمركة ” ، هناك عولمة ” متأوربة ” حيث تحاول أوروبا أو بعض دولها معارضة سيادة النمط الأمريكي بشكل خجول ، دون أن تغضب المارد الأمريكي – الصهيوني – 0 و في نفس الوقت هناك عولمة على الطريقة الأسيوية ، فهل تكون هناك عولمة ” متأكردة “حتى ولو على مستوى الأحزاب الكردية ، و ذلك بالوصول إلى اتفاق كردي كردي 0
معضلات العولمة (الكوكبة ) : إن المشكلات المرتبطة بالعولمة (الكوكبة )هي تلك التي نالت تسمية المشكلات العالمية 0 و قد جهد الكثيرون في ذكرها و تعدادها ، و في تصنيفها ، منذ حوالي عقدين ، و هي مشكلات مثل قضايا الطاقة و البيئة و الثروات الطبيعية إجمالا ، في مواجهة احتمالات النضوب و الغذاء و الأمن الغذائي ، و الصحة و الرعاية الصحية و التحضر أو التمدين ، و قضايا العلم و البحث العلمي ، و الثورة العلمية – التكنولوجية – و المسائل المرتبطة بالمعلومات و المعلوماتية ، و ثورة الاتصالات ، و قضايا الحرب و السلام ، و مشكلات الإنسان و العصر ، و قضايا التربية و التعليم ، بما ينسجم مع متطلبات و مستجدات العصر ، و قضايا الثقافة و الفكر ، و قضايا غزو و استيعاب و استثمار الفضاء الخارجي ، و المحيط المائي العالمي و منعكسات ذلك 0
مما يمكن إذن النظام العالمي الجديد ، و كما يقول الدكتور طيب تزييني : ( يعمل على ابتلاع كل شيء ، و إعادة بنائه سلعيا من أجل تشكيل ما يمكن تسميته “السوق الكونية ” و إلى إيجاد حكومة عالمية تحت هيمنة أمريكية أو بريطانية أو فرنسية ، و إقصاء الدولة الوطنية )
و يتحدث الدكتور عاطف عواد في بحث بعنوان (الأدب العربي و تحديات العولمة ) عن مشاكل النظام العالمي الجديد : (يبدو لي الآن أننا أمام نمط جديد من الاستعمار و لكنه مختلف فقد كان بالإمكان أقامة حوار ثقافي من نوع ما في ظل النظام الاستعماري القديم ، و لكن آلة الاستعمار الحالي غير التي خبرناها ، و ما يرسله نظام العولمة ، يختلف عن كل أشكال الحضارة السابقة ، و تتميز بنقلة نوعية لجعل العالم كله سوقا اقتصادية ، تهيمن عليه عدد من الشركات)0 و يطالب بالدفاع عن الأدب العربي الذي يعتبره دفاعا عن الأمة العربية ضد العولمة 0
و في نفس الموضوع يؤكد الدكتور وجيه فانوس على ضرورة التفكير في هذا النظام ، و عدم رفضه كليا ، مقارنا بينه و بين موقف المفكرين من عصر النهضة ،التي أتى بها حملة نابليون ، و يؤكد على ضرورة أن تكون المواجهة ايجابية إزاء نظام سيفرض ذاته ، و هو يفعل الآن فعله شئنا أم أبينا 0
و جوهر الخلاف حول العولمة يدور بالأساس حول مشكلة الثقافة الكونية و التي يريد أنصارها أن تعم مختلف أقطار العالم ، و صياغة ثقافة كونية شاملة 0 و في المقابل هناك بعض المثقفين و الباحثين الذين يعترفون بالخصوصية الثقافية المميزة للمناطق الحضارية ، و في هذا المجال هناك صراع فكري بين أنصار الخصوصية الثقافية المغلقة و الخصوصية الثقافية المفتوحة 0
إن ثمة سؤال يطرح نفسه هنا وهو : هل يمكن لدولة ما أن تعيش منعزلة عن نظام العالمي الجديد ، و أن تبني تجربتها الخاصة في التنمية ، بعيدا عن تشابكاته ؟
هناك من يجيب و كما أسلفنا سابقا بالنفي ، و أن هذا ضرب من الأوهام 0 و هناك من يرفض العولمة ، و هذا يأتي عموما من منطلقات دينية ، أو مراجع ماركسية ، أو أصحاب الحكم الاستبدادي الشمولي 0
و ينطلق التيار الديني الرافض للعولمة ، من موقع الدفاع عن الخصوصية الثقافية المهددة من قبل موجات العولمة المتدفقة ، التي سوف لن تكون بالتأكيد ذات طابع ديني 0
أما الرفض الماركسي ، فيأتي من منطلق الدفاع عن التنمية المستقلة ، في مواجهة التبعية المفروضة من قبل مراكز العولمة الاقتصادية و المتمثلة أساسا في الشركات المتعددة الجنسية و المؤسسات المالية الدولية0
و قد عبر عدد من الباحثين العرب ، في مؤتمر (العولمة و قضايا الهوية الثقافية ) ، في مصر عام 1998م و ركزوا على عدد من سلبيات العولمة ، و منها :
– تحكم الشركات المتعددة الجنسية في الإدارة الاقتصادية العالمية ، و تراكم أرباحها على حساب دول الجنوب الفقيرة 0
– إضعاف السيادة القومية للدول ، وعدم وصولها إلى الرخاء ، لأنها عملت على تفكيك المجتمعات 0
أما رفض النظم الاستبدادية للعولمة ، فيأتي من كون العولمة سوف تقوم بكنس هذه النظم ، و نشر (الديمقراطية ) ، و إضعاف سيطرتهم على المجتمعات 0
و من المخاطر التي يراها بعض المفكرين ، للعولمة : هو محاولات قوى دولية مختلفة ، أن تجعل من العولمة حقا للتدخل في شؤون الدول الأخرى ، تحت شعارات و أسباب سياسية أو إنسانية ، كحقوق الإنسان ، و استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية ، و بصورة غير قانونية و غير مشروعة 0

انتهى الحلقة الأولى