الرئيسية » مقالات » (اللوحة المعقدة) اسم الدولة، وعلمها، وشعارها، ونشيدها الوطني

(اللوحة المعقدة) اسم الدولة، وعلمها، وشعارها، ونشيدها الوطني

تتناول الأوساط السياسية ووسائل الإعلام هذه الأيام حواراً متأزماً حول مسألة تبديل العلم العراقي أو الإبقاء عليه. أجزم بأن هذا الحوار يدور بين طرفين لا يجمعهما أي درجة من الالتقاء (وقد يتم الالتقاء بشكلٍ كارثي وتساومي). فالأول يتطلع إلى الإبقاء عليه تيمناً بذكريات فترة سابقة يتصور أنها كانت تمثل قمة النهوض التأريخي والحضاري للوطن، متجاهلاً تأريخ اعتماد هذا العلم في عام 1963 وما رافق ذلك من أحداثٍ مأساوية، أحدثت شرخاً عميقاً في وجدان واجتماعية الإنسان العراقي في ذلك العام. والثاني يتبنى سياسة ردود الأفعال، ويُريد أن يُبدّله بأي شكلٍ من الأشكال ولو على سبيل التغيير فقط أو إثبات الوجود، ويتجاهل أن هذا الموضوع (العَلَم) مثل غيره من الرموز والدلالات عميقة التأثير في نفسية المجتمع كالنشيد الوطني والشعار الجمهوري، والتي يجب أن توضع لها الدراسات المركزة من قبل جمهرة من المفكرين وعلماء التأريخ والاجتماع والسياسيين المحنكين والمثقفين والفنانين… وغيرهم.
وفي تقديري بأن هذه الحالة وإن كانت تحدث اليوم بين المتنافسين على السلطة حالياً في العراق، إلا أنها تعكس أوضاع شؤون أخرى يمر بها وطننا لا تقل أهمية عن الرموز والدلالات الوطنية التي نتحدث عنها.. والتي يتم البت بها أحياناً بشكلٍ متسرع، وقد يؤدي إلى المساس حتى بالسيادة الوطنية، وتخديش بعض مقوماتها النهضوية، من هنا تأتي هذه المساهمة في شكل خلاصات، آملاً أن تساعد في إذكاء حوار بناء لا يتبنى أي إقصاء أو تهميش للرأي الآخر. وقد يكون من المناسب التأكيد على حقيقتين أساسيتين:
الحقيقة الأولى: أن النداءات الصادرة من المفكرين العراقيين، منذ أربع سنوات لم يتم الاستماع إليه، والتي كانت تنادي بضرورة وضع دراسات وتصاميم للعلم والنشيد الوطني، والشعار الجمهوري، بعد المنعطف التبديلي الذي تمّ في بداية عام 2003، وإنما تم الاهتمام بمناقشة ووضع قوانين لمواضيع كان يمكن تأجيلها، وأعتقد بأن ذلك التأجيل بشأن هذه المقومات كان يجري لتغطية الخلافات بين التيارات السياسية المكونة للسلطة. وإن ظهور هذا الموضوع بشكلٍ مُفاجئ ومُتسرع تسهيلاً لإجراءات انعقاد مؤتمر في إقليم كردستان هو أزمة بحد ذاته، وأن البت بالإبقاء على العلم مع هذه التزويقات السطحية والبدائية والغير مدروسة سيؤدي ذلك في المستقبل إلى أزمة أكبر.
والحقيقة الثانية: إن تجاهل رؤية الخلل والتزمت بإلصاق بطولات وهمية وقعت تحت ظل هذا العلم (وهي لم تكن كذلك كانقلاب شباط الأسود، وضرب كافة القوى الوطنية، يساريين وقوميين ومتدينين، وحتى العقائديين من البعثيين الشرفاء، والدخول في حروبٍ طاحنة فقدنا من خلالها الملايين من أبناء شعبنا وتوقيع اتفاقية الجزائر الجائرة. وضرب الجنوب والشمال بكافة الأسلحة التدميرية. وتحطيم الاقتصاد والمعنوية العراقية وانكسارها، وأخيراً استدراج القوى الإمبريالية لدخول العراق، تحت ذريعة الجهاد الواهية). نقول إن تجاهل رؤية الخلل يُشكّل حتماً تربة صالحة لنمو حالة التأزم الراهنة.
وإنني ما زلت مُتيقناً من أن المواضيع والمقومات الواردة في عنوان هذا المقال كلها تُعاني من خللٍ واضح أو خفي، وتحتاج إلى مراجعة جذرية ومتأنية إذا ما أُريد لهذا البلد أن يصحو من كبوته ويرافق ركب العالم المتحضر، حيث أن بقاء هذه الرموز والدلالات الوطنية على هذا الحال أو البت بها بشكلٍ متسرّع وغير مدروس سيُساهم في استراتيجية العدوان الموجّهة ضد العراق بشكلٍ مُركّز من قوى عالمية وإقليمية ومحلية.
فلنبدأ أولاً بالنشيد الوطني، والذي يُنشَد دائماً من قبل مواطني البلد نفسه بأعمارهم المختلفة وبمناسباتهم المختلفة الوطنية، والاجتماعية، والرياضية وغيرها، لذا لابد أن يكون مكتوباً بلغة ومفردات سهلة الفهم، عميقة التأثير في نفوس المُنشدين، ويتمتع نظمه بموسيقية عالية، يُساعد على الأداء والحفظ السريع، ولابد أن يحتوي في مضمونه على المآثر الإيجابية التي يتمتع بها الشعب والمشاعر الوطنية، وحب البلاد، ونذكر مرةً أخرى بأن محتوى النشيد قد لا يهم شعوب أخرى ولا يؤثر وقعه فيها، وإنما ينفرد تأثيره وأداءه والحماس له بذات الشعب صاحب هذا النشيد.
أما الشعار، والذي يتم تقديمه كتصميم يُتّخذ فيما بعد كَرَمزٍ ودلالةٍ عن بلدٍ ما.. وهذا ما يشترك بالتأثر به كلٌ من الشعب داخل البلاد والشعوب الأخرى خارجه. حيث يحتاج من مصممه إلى الفهم العميق، والنسب فيه تعتبر دلالات رياضية، ترتبط بالحجم ودرجة الوضوح، وعدد المفردات المكونة للتصميم، والتنغيم الذي يؤدي إلى الافتتان بإنشائه الرياضي والهندسي، على أن يتم التوجه بتصميمه باتجاهين: الأول محدد إنشائي ووظيفي، والثاني تعبيري، على ألا يكون بينهما تعارض، وهذا ما تم التوصل إليه من خلال تصميم الفنان العراقي الكبير، المرحوم جواد سليم في تصميمه لشعار الجمهورية في عام 1958.
وأما العَلَم والذي يُرفع داخل البلاد وخارجها، على مباني المؤسسات العامة بأنواعها المختلفة، وعلى مباني السفارات والقنصليات خارج البلاد، وكذلك من قبل الوفود الرسمية التي تمثل البلاد في مختلف اللقاءات والندوات والمؤتمرات.
وأنا أميل للجزم بأنه يجب أن يؤثر في محتوى تصميمه ومفرداته وألوانه بالشعوب الأخرى بنسبة أعلى مما يتوجب عليه من تأثيره في داخل البلاد. وكلما كانت مُفرداته مختصرة وأحياناً متكررة (مثل النجوم في داخل العَلّم)، كلما كان أكثر وقعاً. وهو يعتمد على وضوح أشياء ثلاثة فيه، ألا وهي: الفكرة، والشكل، واللون.
وإن الاختزال والتجريد يجب أن يتوفران بشكلٍ كبيرٍ لاختصار كثير من المفاهيم التي تخص الوطن، وتدل عليه من النظرة الأولى، حتى وإن كانت نقطة الرصد للشخص الرائي من مسافة بعيدة، لا سيما وأن الأعلام في الغالب ستكون مثبتة في أعالي المباني الرسمية الخاصة بالدولة بداخل البلاد وخارجها.
وإن الإغراق في إضافة جزئيات له لتُعبّر على سبيل المثال عن مكونات مذهبية أو عرقية للمجتمع، لا يدل إلا على التشويش الدلالي لدى المُشاهد، وتحتاج إلى شرحٍ مفصل مرافق لكل علمٍ يوضع جنبه للتعرف على جُزئياته، وهذا لا يتوفر في الغالب لأي مُشاهد. فعلى سبيل المثال فإن الاتحاد السوفيتي (السابق) أو يوغسلافيا السابقة كانت هاتان الدولتان مكونتان من جمهوريات متعددة مختلفة في تأريخها ولغاتها وأديانها، إلا أن أعلامها الرامزة إلى وحدتها كانت بسيطة ومُعبّرة عن النظام الذي حكمها لعشرات السنين. وكذلك الأمر بالنسبة لعلم الولايات المتحدة الأمريكية المكونة من عددٍ كبيرٍ من الولايات، لا يمثلها سوى عدد النجوم في العلم.
وإذا عُدنا إلى الرمزية اللونية، فنجد بأن اللون له دلالات رمزية ومشاعرية لدى كل شعب أو قومية بشكلٍ متباين، فمثلاً نجد بأن كل أعلام دول أفريقيا السوداء تحتوي على اللون الأصفر، ويرمز لدى شعوب هذه البلدان، كلون للغنى (لون الذهب). بينما لدى العرب كان يُمثّل لون المرض (كالسل واليرقان)، فلذلك لا نجد علماً واحداً يُمثّل دولةً عربيةً يحتوي على اللون الأصفر. كما يُمثّل هذا اللون لدى بعض الشعوب المتأثرة بديانات قديمة (النار المشتعلة)، والتي كانت تعبدها بعض الشعوب، ولها تأثيرٌ روحيٌ مغروس فيها. وهكذا فإن الألوان لها تأثيراتها السيكولوجية، واستعمالها في الأعلام إذا لم يتم دراسته مفاهيمياً وكذلك انسجامياً (من بين كل الألوان المكونة للعَلَم)، فإن ذلك سيكون مَبعثاً للتشويش الذي يفهمه المواطنون ولا يعرفه الآخرون، فمثلاً لا يُفيدنا أن نُذكَر الناس الآخرين خارج وطننا بأن بلادنا كانت تُمجد الأمويين والعباسيين والعلويين والأندلسيين والفاطميين وغيرهم من خلال العَلَم (هذه العهود مرّت وأبقت تأثيرها المعنوي فينا)، وما فائدة أن يعرف الأجنبي ذلك.. المطلوب أن يعلم المشاهد للعلم برمزٍ بسيط بأن هذا العلم يُمثّل دولةً جديدةً على سبيل المثال تُسمّى (دولة الذهب الأسود) رمزاً للنفط الذي يعني الغنى كمرتكز اقتصادي تعتمد عليه الدولة المعنية، ويمكن أن تستعمل خارطة الوطن (بدون تفاصيل داخلية) في داخل العلم لتمثل الشمولية لكل مكونات الشعب كما هو موجود في علم قبرص، والبرازيل. ويمكن أن يكون لون الخريطة باللون الأسود (كناية إلى أرض السواد). وأخيراً فإن العلم هو شيءٌ آخر ليس كالنشيد الوطني، ولا يتحمل بُقعاً لونية مختلفة أو حتى كتابات دلالية بألوان مختلفة لا تؤدي إلا إلى تثبيت الشعور بالفرقة بين مكونات متنافرة لا يجمعها جامع، وعلى سبيل الذكر فإن مرور الشعب العراقي بمحنة كبيرة مرّت عليه في فترة محددة من تأريخه الطويل الذي يمتد إلى سبعة آلاف سنة أدّت بالحاكم المتجبر وبشكلٍ انفعالي ليكتب بخط يده عبارة (الله أكبر) على العَلَم، وقد أضاف لجهله باللغة همزة على حرف الألف في لفظ الجلالة، وصارت الأعلام كلها تحتوي على هذه الجملة بخط يده، وبالتأكيد فإن كل مسلم مؤمن يُردّد هذه العبارة عشرات المرات يومياً أثناء الصلوات وبينها، فلماذا نكتبها له على العلم، ولماذا نكتبها أيضاً للآخرين، ومن المعلوم لغوياً بأن كتابة الهمزة تظهر في الكلمات كهمزة متوسطة أو همزة آخرية، أما الهمزة الأولية، فهي في الغالب همزة وصل. ولم نجد في أي كتابٍ ديني أو تأريخي بأن حرف الألف في لفظ الجلالة كان مكتوباً بالهمزة. ولكن علماء وأساتذة اللغة العربية في العراق وعلى كثرتهم (وهم معذورون في ذلك) لم يتجرأ واحدٌ منهم حتى على سبيل التنويه أو الإشارة إلى خطأ كتابة لفظ الجلالة بالهمزة (لأن من خطّ هذه العبارة وهو صاحب الأسماء التسعة والتسعين التي ألصقها بنفسه مُتمثلاً برب العالمين) كان بيده كل شيء وعلى الجميع يتوجب السمع والطاعة فقط، واليوم يتخوف القادة داخل السلطة العراقية من بعضهم البعض، ولا يتجرأ أي واحدٍ منهم على التفكير بإزالة هذه العبارة، لأنها موجودة أصلاً في قلوب المؤمنين ولا داعي لكتابتها على العلم. وتم من البعض اقتراح كتابتها بلونٍ آخر، فهذا لا يعني سوى مسألة إثبات الذات من خلال تحويرات شكلية لا تمت بصلة إلى الفكرة التي طرحها المفكرون العراقيون منذ مراحل التغيير الأولى، والتي أيدها القادة الأكراد، وهي ضرورة إيجاد رموز ودلالات معنوية جديدة لمقومات الدولة الأساسية الأربعة (اسم الدولة، وعلمها، وشعارها، ونشيدها الوطني).
وفي مقالٍ لاحق سأحاول أن تحدث عن اسم الدولة، واقتراح صياغته باللغة العربية وترجمته إلى اللغات الأخرى، وأرى بأن ذلك مهماً ويحتاج إلى مناقشةٍ أيضاً.
أشك أن أحداً يمكنه تقديم الإجابة النهائية أو الحلول الأحادية وبشكلٍ مُستعجل. غير أن الوقت حان لحوار هادئ يُساهم فيه الجميع دون إقصاء أو تهميش، ويعترف بالضرورة بحالة الوضع الراهن، ولا ينسى المستقبل لمن يُريد أن يتطلع إلى الرفاهية والسعادة لهذا الشعب بكامل مكوناته وليس بجزيئاته.