الرئيسية » مقالات » بعض الدول النفطية العربية تهيمن على أجهزة الإعلام العربية

بعض الدول النفطية العربية تهيمن على أجهزة الإعلام العربية

منذ أن تعاظمت موارد النفط المالية وتساقطت مثل زخات مطر كثيفة وغير منقطعة على رؤوس بعض الأنظمة العربية , تفاقم معها السباق بين هذه النظم للسيطرة على أجهزة الإعلام لا في دولها حسب , بل وفي الدول العربية والإسلامية الأخرى وبعض الدول الأوروبية وحيثما أمكن من أجل الحصول على صحفيين مستعدين لبيع أقلامهم وضمائرهم لمن يدفع أكثر. وقد برع النظام العراقي في هذا المجال منذ البدء وتفاقم منذ النصف الثاني من العقد الثامن حتى سقوطه , إذ لم يترك بلداً عربياً واحداً دون أن يكون قد زرع في أجهزة إعلامه , دعْ عنك الأجهزة الأمنية قدر الإمكان , من يعمل بأساليب شتى للدفاع عن النظام العراقي وترويج أفكاره وسياساته والتحري عن أتباع له. وكان في مقدور المتتبع أن يلاحظ ذلك بوضوح لا بشراء مجموعات من الصحفيين العرب والأجانب حسب , بل شراء كتاب وشعراء وروائيين مثقفين عرب , إذ تحولت مجموعات غير قليلة وفي فترة قصيرة إلى أبواق ناعقة ومرتزقة تسعى إلى تبييض وجه النظام وطاغيته مقابل حقائب سمسونايت مليئة بالأموال والحلي الذهبية التي كانت تقتطع من لقمة عيش الشعب العراقي. وقد برز ذلك بوضوح كبير في فترة الحرب العراقية – الإيرانية وفي الفترة التي تلتها. كما استخدم كوبونات النفط العراقي لهذا الغرض بعد أن تقلصت الأموال في خزينة النظام. ولن أنسى الشكوى المريرة المقرونة بحشرجة الصوت وقطرات من الدمع تسيل على خدي الصديق الراحل الأستاذ الدكتور فؤاد مرسي قبل وفاته المفاجئة بفترة وجيزة (حادث سيارة على طريق الإسكندرية) حين تحدث لي في بيته في محلة العجوزة بالقاهرة عن الأموال الغزيرة وسيارات المرسيدس وغيرها التي تنساب من بغداد إلى جمهرة من الصحفيين والكتاب والسياسيين لكي يقفوا إلى جانبه ويدافعوا عن سياساته حتى في فترة احتلال الكويت وما بعدها رغم ما جره على المواطن المصري من مصاعب خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية وما بعدها. ولم يكن صدام حسين يدفع للصحفيين والكتاب والشعراء العرب وغير العرب فحسب , بل كان يمنح الأموال الكثيرة لدور النشر ومراكز الدراسات والأبحاث لكي تمنع صدور كتب عنها ضد النظام أو تقف إلى جانبه وتصدر الكتب وتنشر الأبحاث لصالحه. وحين كان للنظام باع طويل في لبنان , كان يهدد دور النشر بتهديمها على رؤوس أصحابها إن تجرأت على نشر ما يسيء إلى النظام العراقي. كما اغتال العديد من الكتاب والصحفيين المثقفين العراقيين في العديد من الدول العربية خلال ذات الفترة. وعلينا أن لا ننسى في هذا الصدد دور النظام الليبي الذي سار على ذات النهج ألصدامي لسنوات طويلة وفرط بأموال الشعب الليبي بتوزيعها على تنظيمات وشخصيات ودور نشر وصحف وإذاعات وتلفزة , ولم يكف عن ذلك حتى الآن.
إلا أن هذه السيرة التدميرية لكرامة وضمير الصحفي والكاتب والشاعر وحرية وأمانة الكلمة الحرة والعقلانية والجريئة لم تتوقف عند حدود النظام العراقي والنظام الليبي الاستبداديين حسب , بل تجاوزتهما إلى نظم عربية أخرى لها من الأموال والقدرات ما فاق النظام العراقي , الذي كان قد تورط بمزيد من الحروب الداخلية والخارجية , لتمارس , إضافة إلى شراء أقلام وضمائر جمهرة من الصحفيين والكتاب والشعراء والسياسيين , شراء الجرائد والمجلات ومحطات إذاعة وقنوات التلفزة لتسخرها دفاعاً عن نظمها السياسية وتكريساً لوجودها في السلطة وتجميلاً لسياساتها ومواقفها البشعة إزاء الإنسان وسكوتاً عن مظالمها إزاء شعوبها ومصادرة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية وحقوق المرأة على نحو خاص وإزاء تفاقم الفجوة بين الفقراء والأغنياء في بلدانها.
ولم يعد هناك أي حياء في الإعلان عن قيام هذه الدولة أو تلك بتمويل هذه الجريدة أو تلك الإذاعة أو هذه القناة التلفزيونية , بل أصبح الإعلان عن الملايين الجديدة من الدولارات التي تصب في خزائن جمهرة من أصحاب دور النشر وقنوات التلفزة والمجلات الأسبوعية والشهرية والجرائد أو الكتب التي تصدر عن دور النشر في الدول العربية والإسلامية والأوروبية وفي الولايات المتحدة. وأصبح عدد الصحف والمجلات الديمقراطية المستقلة القادرة على البقاء وممارسة العمل الصحفي والنشر من خلال تمويلها الذاتي لإصدار صحافتها ودور نشرها نادرة جداً ومهددة في كل لحظة بالكساد والإفلاس والإغلاق , حتى أن البعض من القوى الديمقراطية والتقدمية أضطر على بيع جريدته إلى من يستطيع إصدارها وفقد أي تأثير فعلي عليها. ويمكن أن يكون الحديث عن المواقع الإلكترونية أكثر بروزاً في هذا المجال أيضاً نتيجة قدرة الكثير من البشر على الدخول إلى تلك المواقع للاستزادة بالأخبار والمعلومات , ولكنهم يفاجئون بحجب القدرة على الدخول إلى المواقع التقدمية , وتبقى المواقع الدينية السلفية والرجعية واليمينية هي المهيمنة على الساحة , أو تبذل الجهود لشراء تلك المواقع وتحويلها لصالحهم.
نحن أمام ظاهرة سلبية في حياتنا اليومية. فالإعلام الأصفر المناهض لحقوق وحريات الإنسان وحقوق المرأة وحرياتها والعلمانية والحياة الديمقراطية يزداد هيمنة بفعل أموال السعودية وقطر وليبيا وإيران وقوى إسلامية سياسية أخرى تأتي لها الأموال من قوى حكومية أو غير حكومية يهمها السيطرة على نهج أجهزة الإعلام وتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالحها. ويكفي أن نلقي نظرة على الصحف العربية الصادرة في لندن أو المواقع الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية التي يمكننا الوصول إليها , سنجد أنها خاضعة بالكامل لممولين حكوميين أو من العائلات الحاكمة في بلدانها أو من قوى من أمثال القاعدة والأخوان المسلمين والقوميين الشوفينيين , أو ممولة من قوى خارجية متحالفة بصيغة ما مع بعض أو أغلب أو حتى جميع هذه القوى. ورغم الوضع المالي الصعب لسوريا عموماً فإنها لا تبخل بهذا الاتجاه أيضاً وخاصة دورها في لبنان.
إن القوى الديمقراطية والتقدمية في العراق وفي الدول العربية بحاجة ماسة إلى تفعيل قدراتها لمواجهة هذا السيل الجارف من الإعلام الأصفر والديني المتخلف والطائفي المسموم والمناهض للتنوير والتوعية العقلانية والمدافع عن مصالح الشعوب , إلى التفكير بالسبل المناسبة لكي تكون لها أكثر من قناة تلفزيونية وإذاعة وموقع وجريدة ومجلة توظف لها أفضل الكفاءات المتوفرة وتضع لها برنامج يؤثر ويكسب له المزيد من البشر بدلاً من اللجوء إلى تلك المواقع الصفراء بأمل إيصال كلمة حرة شريفة مسربة بطرق مختلفة إلى الناس.
هل يمكن أن ينشأ مشروع إعلامي ثقافي وسياسي حر وديمقراطي وعلماني مستقل حقاً ينهض به واحد أو أكثر من الإعلاميين من أصحاب الكفاءات والقدرات الفنية والعلمية لتنظيم وإدارة قناة تلفزة علمانية ديمقراطية واعية وفعالة ومؤثرة ؟ وهل سنجد أكثر من إنسان قادر على المشاركة بأمواله لتمويل مثل هذا المشروع مقابل شرط واحد هو أن تكون هذه القناة ديمقراطية مستقلة ومفتوحة وتضع نصب عينيها التنوير الفكري والديني واستنهاض الجماهير للدفاع عن روح المواطنة الحرة والمتساوية للنساء والرجال بدلاً من الطائفية والإثنية الضيقة ؟ هل يمكن أن ينبري أحد أو مجموعة من الإعلاميين الأكثر تواضعاً ومسئولية إلى النهوض بمشروع من هذا النوع على أساس شركة مساهمة يشتري كل الراغبين أسهمها لتظهر إلى الوجود وتحمل على صفحاتها راية الحرة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والمرأة والطفل وحماية كرامة الإنسان وتقدمه؟
أتمنى وأرجو ذلك , وأملي أن لا يكون هذا التمني راس مال المفلس!