الرئيسية » مقالات » نص المذكرة الى رئاسة مجلس النواب – وجهة نظر قانونية حول المادة 140 من الدستور

نص المذكرة الى رئاسة مجلس النواب – وجهة نظر قانونية حول المادة 140 من الدستور

الى رئاسة مجلس النواب الموقر

م / مداخلة قانونية حول المادة 140 من الدستور

بدءأّ أود أن أؤكد بأن إحلال السلام بين مكونات مجتمعنا العراقي ليس ترفا ولا خيارا متروكا لنا وإنما هو مسؤولية وطنية والتزام في أعناقنا علينا الوفاء به
ونحن نبحث في المادة 140 من الدستور علينا أن نضع مسؤوليتنا الوطنية في الإعتبارالأول و نستوعب السبب الموضوعي الكامن وراء تشريع هذه المادة وما إذا كنت الفترة الزمنية في هذه المادة هي جزء منها أم ليست كذلك ؟ فإن إجتهدنا بان المادة تسقط بإنتهاء المدة الواردة فيها فماهي التبعات القانونية والأخلاقية المترتبة على ذلك ؟ وهل كان الهدف من وراء الإطاحة بالنظام الفاشي وجرائمه عبثيا لا سمح الله أم كان مطلبا وطنيا وإنسانيا ؟ أود أن أناقش فيما يلي هذا الموضوع كقانونية وبعيدا عن السياسة بكل موضوعية وبلا تشنج ولا انفعال فأذكر الحقائق التالية:

1 – ألمادة 140 مرتبطة بشكل وثيق بالمادتين 142 و143 وعلينا كنواب أن ندققهما جيدا لنكتشف هذا الترابط والتلازم .

2 – لكل مادة دستورية أو قانونية ركنان أساسيان : أولهما الركن الموضوعي وهي حاجة المجتمع الحقيقية الواقعية والملحة لتنظيم قضاياه بما يكفل إقرار العدالة والسلام بين أفراده..والركن ألثاني هو الجانب الشكلي وهنا يأتي دور المشرع ليضع الإطار القانوني لتلك القضية المطروحة في المجتمع فيخرجها كقاعدة قانونية لتصبح أما مادة دستورية أو مادة في القانون ملزمة وآمرة يلتزم بها أفراد ذلك المجتمع . فالقانون لايكتسب شرعيته بصدوره بإرادة منفردة من ألأعلى أي الدكتاتور وما سمي بمجلس قيادة الثورة المنحل وإنما يكتسب شرعيته في استناده للقاعدة الأصلية وهي حاجة المجتمع الفعلية لذلك التشريع .
3 – لنأتي إلى المادة 140 من الدستور فقد شرعت بقصد إزالة الظلم الذي لحق بالعراقيين من النظام السابق وإعادة الصفاء للعلاقات بين أبناء الشعب الواحد من قبل العهد الجديد الذي هو ملزم أن يعيد لهؤلاء المواطنين حقا أوليا من حقوقهم الإنسانية ألا وهو إعادتهم إلى قراهم وأراضيهم التي اغتصبت وسلبت منهم سواء في كركوك أوفي كربلاء أوفي أي من المناطق التي تلاعب بوضعها النظام السابق لأغراضه المشبوهة .. فهل أنجزت لهم تلك اللجنة التي انبثقت عن هذه المادة مطاليبهم العادلة؟ والجواب هو كلا . أي أن القضية الوطنية المطروحة علينا لا زالت تراوح في مكانها ولم ننصف فيها شعبنا حتى الآن وبالتالي فالحاجة الموضوعية لبقاء المادة 140 مازالت كما هي وهذه المادة الدستورية تستمد شرعيتها وقوتها القانونية من هذا الركن الأساسي ألموضوعي لكل قاعدة قانونية وعليه فإن الإجتهاد بإعتبار هذه المادة ملغاة هو إجتهاد باطل لأنه لن يمحو تلك المظالم والذي هو هدف المشرع وإنما على العكس سيقودنا هذا الإجتهاد لأن نظلم شعبنا ظلما يفوق ماعمله الطاغية بهم والعياذ بالله كما أنه يزرع الفتنة والإقتتال بيننا .. فالكل يعلم أن من بين الملايين من المشاكل التي خلفها لنا النظام الفاشي كان زرع الفتنة بين أبناء الشعب العراقي وتطبيق الميكيافيلية بكل حذافيرها على الأرض بالبطش والتهجير والتغيير بالقوة والجبروت للواقع السكاني لبعض المناطق وشمل ظلمه العراقيين جميعا وبالذات الشيعة والكرد والتركمان هذه الممارسات قد أدانها المجتمع الدولي وأعتبرها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

4 –وعندما أطيح بالطاغية ونظامه الفاشي أصبحت حاجة شعبنا ملحة لإزالة الملايين من تلك المشاكل التي خلفها لنا ذلك النظام وكان على رأسها إعادة الأوضاع إلى طبيعتها السابقة على أرض الواقع وبرزت مأساة محو وإزالة أكثر من أربعة آلاف قرية كردية في كركوك من الوجود وتسويتها بالأرض بعد قتل وتشريد أهلها وبرزت مشكلة قتل وتشريد عشرات الآلاف من التركمان من كركوك حيث جيء بالعرب ليستوطنوا غاصبين مناطق أولئك الضحايا وكانت الأغلبية العظمى للمستوطنين الجدد من البعثيين ومن المقربين للسلطة جاؤا تنفيذا لسياسة عنصرية شوفينية تطابق تماما السياسة الصهيونية في فلسطين.

5 – لا أرى داعيا لذكر الوشائج التاريخية والدينية وأواصر المصاهرة التي ربطت أبناء كركوك ببعضهم على مر العصور حيث عاش الجميع في أخوة وتناغم اجتماعي مثالي بلا أي تسلط قومي أوشوفيني هذه حقائق نعرفها جميعا قبل وثوب الطغمة الفاشية على السلطة ويحزنني اليوم أن أرى نتائج الصدع الذي أحدثه فينا ذلك النظام فكل طرف منا حتى داخل مجلسنا أصبح اليوم يتكلم بتطرف وتشنج وانفعال نتراشق المواقف العدائية ونتبادل الإتهامات مستهدفين تسجيل مواقف على الأطراف الأخرى متناسين أن أمامنا جميعا قضية عراقية و مسؤولية وطنية كبرى نحن أهل لمواجهتها بكل أمانة ونحن قادرون على أن نضع الحلول الناجعة لها وإلا فنحن لا نستحق أن نكون نوابا لشعبنا.. فقد طوقنا رقابنا بقسم عظيم وميثاق غليظ وأشهدنا الله على مانقول قبل أن نباشر أعمالنا كنواب نمثل شعبنا المظلوم بأن نعمل بأمانة وحياد لنرعى مصالح شعبنا فأين الحياد من بين كل هذا الصخب والضجيج ؟ هذا الشعب الذي لحق به ظلم فادح يطالبنا اليوم بإزالة الظلم عنه فإن اعتبرنا المادة ملغاة ولا وجود لها نكون قد أبقينا الحال على ماكان عليه في عهد الطاغية على أساس القبول بالأمر الواقع ويكون ظلمنا لشعبنا أفدح من ظلم الفاشست له لأننا نملك اليوم خيارنا وحريتنا وبوسعنا أن نرفض الظلم ونرضي الله سبحانه وتعالى ونرضي ضمائرنا وشعبنا .. صحيح أن المتفائلين قد وضعوا للمادة 140 سقفا زمنيا ولكن المادة موضوعا وشكلا غير ملغاة بانتهاء المدة لعدم انتهاء موضوعها الذي شرعت من أجله وهي تنتظر تفعيلها من خلال اللجنة المشكلة بموجب المادة 142 التي مازالت فاعلة و لم تنهي أعمالها بعد والمادة 143 أكدت بما لا يقبل الشك بأن المادة 58من قانون إدارة الدولة تبقى على حالها حتى يعاد الحق إلى أهله ويعاد التوازن للميزان الذي إختلّ طوال 35 عاما من السنين المريرة العجاف ..واني لأستغرب من خلط بعض الكتاب بين وجود السقف الزمني لهذه المادة وبين مدة التقادم التي يحددها المشرع عادة في القوانين الجنائية فيجعل سقفا زمنيا لبعض الجرائم تسقط فيها العقوبة عن الجاني وتتوقف الملاحقة القانونية بحقه فالتبس الأمر على هؤلاء الكتاب وبالتالي أوقع تحليلاتهم في متاهة لا علاقة لها بموضوعية أو قانونية هذه المأساة الوطنية التي ماتزال موجودة على أرض الواقع وتنتظر منا حلا ولن ينفعنا قط التهرب منها ..هذا البعض يتصور واهما أن السقف الزمني للمادة 140 هو جزء منها تسقط المادة بانتهائها تماما كالتقادم البالغ 15 عاما عن جريمة القتل والتي تسقط عن المجرم بعد مضي المدة القانونية لإنزال العقوبة به وعدم القبض عليه ولكن شتان مابين التكييف القانوني لهاتين الواقعتين فالمشرع حين نص على احتساب التقادم المسقط للعقاب في جرائم القتل فهو يدرك أن الجاني يكفيه عذابا ومعاناة قضاء خمسة عشر عاما من عمره متخفيا وهاربا من وجه العدالة خائفا أن ينكشف أمره وحكم الإعدام كالسيف مسلط على رقبته في كل لحظة ولكن ما وجه مقارنة النصوص الجنائية بقضية إرجاع حقوق مغتصبة لعراقيين سحقت حقوقهم الإنسانية كبشر في حياتهم وفي أرضهم وفي وطنهم وفي أمنهم ومازالت معاناتهم على أرض الواقع دون حل.هذه القضية الموضوعية توجب علينا إزالة الظلم عن الضحايا وإحلال العدل والسلام بين أبناء العراق بدلا من زرع الشقاق والفتنة لاأستند فيما أذكر على دستورنا الذي هو الأسمى والأعلى في العراق وحسب وإنما أيضا استند على نصوص ألإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى القانون الدولي في هذا المجال.. وبعكسه كأننا نضفي الشرعية على الظلم الذي نزل بساحتنا فنبقي على ماأحدثه الطاغية من مظالم وتجاوزات على حقوقنا الإنسانية تحت واجهة واهية هزيلة لا تصلح مجالا للمقارنة وهي أن للعراقيين أينما كانوا كل الحق في الإنتقال والعيش على أية بقعة يختارونها من أرض العراق ؟ إنها كلمة حق يراد بها باطل .. وأني أتساءل هل جاء أولئك المستوطنون الجدد لكركوك تحت ظروف إعتيادية وطبيعية كما حدث في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي .. أم جاء بهم النظام الفاشي لأغراض التطهير العرقي والعنصرية البغيضة ؟ و لا أدري من أعطانا الحق في إسقاط حقوق الضحايا بحجة انتهاء المدة وعدم الإنتهاء من إنجاز معاملاتهم وهو سبب خارج عن إرادتهم ولا يعود لتقصير منهم ؟ وان كان صحيحا ما يدعيه بعض هؤلاء من وجود التقادم في هذه القضايا ألوطنية والإنسانية فهذا يعني انه ليس من حق العراقيين أصلا المطالبة الآن بإزالة الظلم عنهم لأن بعض تلك المظالم والتجاوزات قد مضى عليها أكثر من 27 عاما وبعضها ابتدأت منذ تاريخ قبض الفاشست على السلطة عام 1968
” مالكم كيف تحكمون ” .

6 – أعتقد جازمة أننا جميعا كنواب لشعبنا نطالب بالحقيقة فالحقيقة لا تخيفنا ولا نريد أن ندفن رؤوسنا في الرمال ولا أدري لماذا يخاف البعض من كشف الحقيقة فيطالب بإنهاء المادة 140 ؟ بينما الحقيقة لا تنكشف ما لم ننتهي من تطبيق هذه المادة بحذافيرها و نبدأ أولا بإزالة الأوضاع التي أوجدها الطاغية لتعريب وتبعيث كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها وتطبيع الأوضاع وإعادة المهجرين إلى قراهم والإلتزام بإحصائيات النفوس لعام 1957 و بسجلات التسجيل العقاري في كل منطقة ونأمل أن يتم تشكيل لجان متعددة فاعلة تعمل ميدانيا في تلك المناطق ترفع تقاريرها الشهرية لمجلسنا بعد تعديل المادة 140 وبعد استبعاد الوزراء من تلك اللجان كليا فنحن لسنا بحاجة للوجود ألتشريفاتي لهم .كما لن يفيد هذا الطرف أو ذاك التطرف في الأقوال وألأفعال ولا يقدم أو يؤخر في هذا الموضوع صدور قرار من المجلس الوطني لإقليم كردستان بالتمديد للمادة 140 أو صدور قرار من مجلسنا بالتمديد من عدمه لأننا أمام مادة في الدستورالإتحادي ولسنا أمام مادة في قانون معين وعلى اللجنة البرلمانية المكلفة بتعديل بعض مواد الدستور استنادا لأحكام المادة 142 أن تقوم بواجبها في اقتراح تعديل المادة140 من الدستور وذلك بإلغاء السقف الزمني والإبقاء على النص كما هو وأن تقدم للمجلس مقترحاتها خلال هذا العام مع التقدير . 

/ 3 / كانون ألثاني / 2008