الرئيسية » مقالات » هل يسهم الحراك الجديد في إنهاض العملية السياسية

هل يسهم الحراك الجديد في إنهاض العملية السياسية

تشهد الساحة العراقية هذه الأيام حراكا جديدا قد يسهم في أعادة تشكيل الخارطة العراقية على أسس جديدة تبتعد بعض الشيء عن المحاصصة الطائفية – القومية،رغم أن الكثير من الجهات لا تمتلك رؤية واضحة أو برنامج محدد يسهم في تشكيل رؤيتها السياسية لأمد بعيد،أو تمتلك بعدا إستراتيجيا لطبيعة الأهداف الرامية لتحقيقها،فقد شهدت الخارطة القديمة انفراط في تحالفاتها،وتمزقت الكتل الكبيرة إلى جماعات لها أهدافها المغايرة لأهداف حلفائها ومواقفها المتعارضة مع الآخرين،فقد أنقسم الائتلاف العراقي الموحد إلى كتل متعددة رغم تذبذب مواقفها وتعدد تصريحاتها وعدم وضوح أطروحاتها، وكان أول الخارجين عن الطوق حزب الفضيلة الإسلامية (15) مقعد،ثم تلاه التيار الصدري (32) مقعد وجماعة المستقلين(8) مقعد،فيما يتأرجح حزب الدعوة تنظيم العراق في مواقفه(15) مقعد،في ظل تقاطع لرئيس الوزراء السابق الدكتور إبراهيم الجعفري مع حزبه ومعه(8) مقعد،وهذا يعني أن الائتلاف أصبح يشكل(60) مقعدا في البرلمان أن لم تحدث هزات جديدة وتقاطعات قد تزيد من هذا العدد أو تنقصه،في الوقت الذي تشرذمت القائمة العراقية في مواقفها وأخذت كل جهة تعبر عن وجهة نظرها وتتخذ المواقف الملائمة لسياستها،فيما ينح الحزب الإسلامي في جبهة التوافق العراقية إلى النأي عن كثير من مواقف القائمة ويأخذ طريقا مستقلا في تحالفاته وسياسته ورأيه فيما يحدث من تغيرات،ومواقفه المخالفة لمواقف حلفائه في الكتلة سواء المتعلقة بإدارة الدولة أو الموقف من الحكومة،ويحاول الإنفراد بتمثيل الجانب الغربي،وسحب البساط من تحت أقدام حلفائه الآخرين إذا منح ما يرضي طموحاته في الحكومة الجديدة،والدليل محاولته للهيمنة على المراكز الحساسة في تلك المناطق والتفرد بإدارة المحافظات مما جعل الأطراف الأخرى تتوجس ريبة من تحركاته في الداخل والخارج،وقد ينفرد في تحالفات تبعد حلفائه إذا حصل على تحالف يرضي طموحاته بالتعاون مع أطراف أخرى من خارج جبهة التوافق،وظل التحالف الكردستاني محافظا على وحدته وتماسكه لوضوح أهدافه وسعيه لهدف موحد هو مصالحه القومية التي تلتف تحت رايتها جميع الأطراف الكردية.
وتجلى الحراك السياسي الجديد بعقد الحزب الإسلامي اتفاقا استراتيجيا مع الحزبيين الكرديين الرئيسيين وأن لم يرقى إلى مستوى التحالف إلا انه وضع الخطوط العريضة لاتفاق قد يأخذ صيغة التحالف الاستراتيجي تبعا للتطورات المحتملة في الخارطة السياسية،فيما تسعى القائمة العراقية الوطنية والتيار الصدري وحزب الفضيلة وحزب الدعوة تنظيم العراق وبعض المستقلين والجبهة العراقيين للحوار الوطني الى أقامة تحالف جديد تضاربت الآراء حوله،فقد صرح التيار الصدري بأن التحالف هو اتفاق على خطوط عامة لم ترقى الى مستوى تشكيل جبهة جديدة،وإنما هو اتفاق في وجهات النظر حول المادة 140 الخاصة بكركوك،والسعي لإلغائها،وهذا يعني الاختلاف مع التحالف الكردستاني الذي يضع في أولوياته قضية كركوك،والحزب الإسلامي والمجلس الأعلى الإسلامي وجناح رئيس الوزراء في حزب الدعوة الموافقين على تفعيل المادة،مما يعني أن هذا التحالف لن يستطيع مواجهة الحلف الرباعي،رغم بروز خلافات آنية بين التحالف الكردستاني والائتلاف العراقي حول التباطيء في انجاز قضية كركوك ومخصصات البيشمركة والاستثمار النفطي وهو خلاف مع وزير النفط حسين الشهرستاني الذي يترأس كتلة المستقلين في الائتلاف،ويحضا بتأييد من جهات دينية مؤثرة في اتخاذ القرار،وبالتالي فأن هذه التحالفات قد تؤدي الى تشكيل معارضة مؤثرة قادرة على تحريك العملية السياسية نحو الأفضل إذا تماسكت الجبهة الجديدة في تحالفها واستطاعت كسب بعض الأطراف الى جانبها،حيث سيكون الحلف الرباعي غير قادر على تمرير القوانين التي أخذت الحكومة على عاتقها تمريرها بموجب اتفاقات جانبية مع الولايات المتحدة الأمريكية ،لأنها سيصبح كتلة قوية ضاغطة تستطيع إفشال أي قرار لا يتوافق وإرادتها،وبالتالي تكون الأطراف الأخرى ملزمة بإعطاء تنازلات قد تسهم الى حد بعيد في أخراج العراق من المحاصصة الطائفية القومية،وتؤدي الى ولادة جبهتين متكافئتين تساعدان في حلحلة الأوضاع باتجاهات تخدم إدارة البلاد.
ولكن هل يمكن لهذه التوافقات أن تستمر أو ترقى الى مستوى التحالف في جبهة واحدة لها خطوطها العامة المتفق عليها،ونظرتها الموحدة اتجاه القضايا المختلفة،هذا ما يثير التساؤل والشك بجدية هذه القوى وإمكانيتها على الاتفاق على قاسم مشترك،لوجود اختلافات كثيرة في توجهاتها وإستراتيجيتها والأهداف التي تسعى إليها،فلا تستطيع هذه القوى الخروج عن شرنقتها السابقة،بسبب أنتمائتها المتغايرة وعدم وضوح الرؤيا المستقبلية لديها،ووجود أجندات مختلفة لا يمكن لها أن تلتقي على أمر سواء،مع الأطراف الأخرى التي تمتلك رؤى متقاطعة معها،ولكن يمكن لها الاتفاق على خطوط عامة وبرامج آنية لا تلغي تصوراتها،وفق برنامج يضع في أولوياته طبيعة المرحلة،وما تحتاج أليه في ضوء المصالح الوطنية العراقية بعيدا عن المصالح الضيقة.
ويلوح في الأفق بوادر خلاف عميق بين القيادة الكردية ورئيس الوزراء نوري المالكي يعاضدهم في ذلك المجلس الأعلى الإسلامي،حيث تحاول هذه القوى إسقاط حكومة السيد المالكي وإسناد الحكومة الى الدكتور عادل عبد المهدي الذي يبدو أنه المرشح الأكثر سخونة في الوقت الحاضر لأن حزب الدعوة قد تولى الرئاسة لدورتين متتاليتين دون أن يثبت قدرته على تمشية الأمور لظهور خلافات بين قياداته الرئيسية،وأن وصوله الى الرئاسة جاء بسبب ظروف معقدة تطرقنا إليها سابقا ونتيجة خلافات بين أطراف فاعلة في الائتلاف،رغم أن الأمريكان لا يحبذون في الوقت الحاضر تغيير رئيس الوزراء رغم معرفتهم بالمعارضة الشديدة التي يتعرض لها وأدت الى فشل أدائه لمهامه،بسبب طبيعة التشكيلة المتباينة لحكومته،والمؤامرات التي تحاك لإسقاطه من أطراف كانت وراء وصوله لهذا المنصب،وربما ستكون الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن كثير من التساؤلات،رغم أن القوى الحالية بطبيعتها المتناقضة لا تستطيع تشكيل حكومة قادرة على أخراج البلاد من أزمتها إلا في حالة أجراء انتخابات جديدة على أسس انتخابية تختلف عن الأسس السابقة،لأن التركيبة السياسية الحالية لا توحي بقدرتها على تلمس الطرق السليمة المؤدية للاستقرار وإعادة البناء لأنها جاءت نتيجة ظروف استثنائية لا يمكن التعويل على نتائجها،أو الخروج عن مساراتها أو تجاوزها إلا بهزة قوية تقلب المعادلات رأسا على عقب وتعيد الأمور الى نصابها الصحيح.