الرئيسية » مقالات » محاولات غير مباشرة للاجهاز على المادة 140

محاولات غير مباشرة للاجهاز على المادة 140

لو قمنا بتحليل حديث الدكتور ابراهيم الجعفري مع فضائية الشرقية قبل بضعة ايام وبما له علاقة بالمادة 140 لوجدناه رغم التفصيل والتكرار لا يتعدى ثلاث نقاط وهي: الوقت غير مناسب لتطبيق المادة 140، وضرورة اجراء حوارات، لتحقيق ما سماه بالتثقيف والتثاقف حول كركوك، وخصوصية مدينة كركوك.
اننا اذ نرد على الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق السابق فان ردنا هذا يتأتى من منطلق الاحترام للمكانة السياسية للدكتور الجعفري وهو احد رموز المعارضة العراقية ايام الحكم الدكتاتوري ومشارك حقيقي في الاجتماعات والمؤتمرات التي سبقت سقوط النظام الدكتاتوري وما تضمنته من التزامات.
بدءاً وفي كل حديث الدكتور الجعفري عن هذه المادة نجده يتعامل معها وكأنها تخص كركوك فقط وليس كل العراق وهذا الخطأ او التحجيم للمادة 140 لا يقتصر على الدكتور الجعفري وحده للاسف.
ان موضوع الوقت غير المناسب لتطبيق المادة 140 والذي اكد عليه الدكتور الجعفري، والسبب الوضع الامني كما يعتقد يدفعنا الى اكثر من سؤال، فهل كان الوضع الامني هادئاً ومناسباً عندما جرت الانتخابات في العراق وبغداد بالذات هل كان من المناسب تأجيل الانتخابات وتأجيل تشكيل مجلس النواب العراقي اذ انبثقت عن ذلك الحكومة التي رأسها الدكتور الجعفري؟ أليس هذا نوعاً من الرغبة المغلفة بعدم تطبيق هذه المادة بعد ان مضى كل هذا الوقت عليها واخذت مداها الدستوري مضافا الى ذلك التمديد؟.
يرى الدكتور الجعفري ان التمديد الذي حصل يمكن ان يستمر الى تمديد آخر واما حكاية الدستور فهي سهلة لان الدستور ليس بالكتاب المقدس كما ذكر، ويستنجد بالتأجيل الذي قرره مجلس نواب اقليم كوردستان وما دام هذا التأجيل قد حصل ويسميه الخروج عن الدستور فيمكن ان يتكرر الخروج ثانية او اكثر على الدستور.. ولِمَ لا؟.
نعم ليس الدستور بالكتاب المقدس ولكن ليس الدستور في ذات الوقت كتاباً اعتيادياً يمكن الخروج عنه حسب الرغبات وحسب اختلاف المشارب والاهواء ومن اجل لي عنق الحقيقة، الدستور جاء ليطبق وليس للخروج عليه وما قيمة دستور يسهل تكرار الخروج عليه؟.
اننا نفهم جيدا كل اشكال التأخير والتلكؤ وقد ذكرنا ونبهنا الى ذلك مراراً وعلى صفحات “التآخي” ولا داعي للعودة اليها مجدداً فهي واضحة وان جاءت كل مرة بلبوس جديد.
الدكتور الجعفري يرى ان تبدأ الحوارات حول هذه القضية بين مختلف الاطراف التي يهمها موضوع كركوك ويطالب ايضاً بمسألة الوقت الكافي.. وهنا نستنتج من كلام الدكتور مسألتين خطيرتين، اولاهما انه يريد ان يجعل من مسألة الوقت مسألة مفتوحة، لانه كما يبدو يرى هذه السنوات بعد السقوط لم تكن كافية لتفهم هذه المشكلة وهذا المقترح ليس فيه سقف زمني طبعاً، وثانيتهما انه يريد العودة بالقضية الى المربع الاول! فهو يطلق على هذه الفترة التي مرت كلها عبارة (بين عشية وضحاها) اذ يتساءل قائلاً (اي دولة ارتحلت من الدكتاتورية وحلت مشاكلها بين عشية وضحاها) وهنا نجد لزاماً علينا ان نوضح ما يأتي:
1- ان تطبيق المادة 140 لا يعني قطعاً ضم مدينة كركوك الى اقليم كوردستان بل التطبيق يعني الشروع بالعملية الديمقراطية للوصول الى النتائج التي ستعبر عن ارادة الناس فلماذا التخوف من الواقع الذي سيظهره الاحصاء؟ ان الدكتور الجعفري يتكلم وكأن تطبيق خطوات وآلية المادة 140 هي النتيجة وليس الطريق الى ماستسفر عنه من نتيجة.
أليس هذا يعني ان هناك قناعة مترسبة في الاعماق بأحقية الخطاب الكوردي؟ وهنا يأتي الحذر والتخوف من النتائج ان تكون لصالح الخطاب الكوردي، فهل في هذا اي شكل من اشكال الموضوعية، هل هذه هي الديمقراطية عندما تلوح لنا احدى نتائجها نحاول تسويفها بأي شكل فنتوكأ على عنصر الوقت تارة وعلى ضرورة الثقافة والتثقيف تارة اخرى؟.
2- المادة اشبعت دراسة وتثقيفا والصحافة العراقية عامة والكوردية خاصة لم تأل جهداً فقد طرحت المادة في الصحافة وبآراء متباينة وهذا عين الديمقراطية اما ان تسمى كل هذه المدة مع التمديد “عشية وضحاها” فيظهر ان علينا وعلى الاسر والعوائل المشردة نتيجة التهجير ان تنتظر سنوات وسنوات ريثما تتم عملية (التثاقف) كما يسميها الدكتور الجعفري بين ابناء الشعب العراقي بأسره لحل قضية كركوك.. أليس التطبيع والاحصاء والاستفتاء هي العوامل الموضوعية ام ان الدكتور الجعفري على ما يبدو يرغب في تجميد هذه المادة (140) ورمي الموضوع في بحر لا اول له ولا اخر ولا حدود له وما من نهاية لهذا البحر الذي اسمه عملية التثاقف بين الاطراف العراقية!! ولا ندري من المتهم عند الدكتور الجعفري اذ يقول: (لماذا يخشى هذا الجانب الحوار، لماذا يخشى التثقيف) اذا كان الكورد هم المعنيين فنعتقد ان الدكتور الجعفري يعرف قبل غيره اننا لم نخش حواراً حول حقوقنا المهضومة ولكن الموضوع يراد به “التمييع” وهذه حقيقة…
ونؤكد ثانية ان المنطق الكوردي يطالب بتطبيق المادة (140) ومستعد ان يتحمل نتائجها ولا يطالب بضم كركوك الى الاقليم كما يحلو للبعض ان يصيغ المشكلة بل يطالب بالتطبيق الدستوري وصولا الى ما سيقرره المواطنون.
وطبيعي ان الدكتور الجعفري يسوغ ما تقدم لأن لكركوك خصوصية، وان في كركوك العربي والكوردي والتركماني والآشوري وهناك خلاف على نسب التكوين، هذا ما يقوله الدكتور الجعفري.
حسناً أليس من حقنا هنا ان نسأل لماذا اذن جاءت المادة 140 لو لم تكن هناك اشكالات ديموغرافية في كركوك وسواها وحصلت هذه الاشكالات وبشكل مقصود لتغيير واقع كركوك في العهد الدكتاتوري.
هل يقول الدكتور شيئاً جديداً بعد كل تلك الاجتماعات السياسية قبل وبعد السقوط وبعد تمديد تطبيق المادة 140؟
اذن لماذا كل هذا الذي يحدث لو لم تكن هناك خصوصية ولو لم يكن هناك خلاف على النسب السكانية؟ أليس الاحصاء .. أليس الارقام.. أليس احصاء 1957.. أليس الاستفتاء والتعرف على اراء الناس هما الوسائل التي تجسد لنا هذا الخلاف في النسب التكوينية؟ ومن بعد يتم حسم الامر؟.
ويقول لا يستطيع احد انكار الاخر في كركوك، نعم اكيد ما من احد سينكر الاخر في كركوك عندما يفصح الاحصاء عن الحقيقة السكانية التي لا يريدها الدكتور حالياً بل يرجئها الى اجل غير مسمى وريثما تتم عملية التثقيف والتثاقف بين ابناء الشعب.
وعندما سأل المذيع (مشكوراً) الدكتور الجعفري قائلاً: (لكن السيد مسعود البارزاني طالب باجراء استفتاء نزيه قانوني وان الكورد سيقبلون بالنتيجة مهما كانت وعن امكانية تقييم شفافية او قانونية الاستفتاء؟.. المراقبون الدوليون ام من؟).
جاءت اجابة الدكتور اجابة عائمة.. مفيداً ان ما يطلبه اي من وقت وتثقيف وارجاء هو الذي يمكن ان يحقق ما يطالب به الرئيس مسعود البارزاني ثم يقول لقد قطع الفرقاء شوطاً لا بأس به في الحوار في طريقة التعامل مع ملف كركوك! اذن لماذا التمديد ما بعد التمديد ما دامت عملية الحوار بين الفرقاء قد جرت وقطعت شوطاً لا بأس به حول ملف كركوك ولماذا لا يكون الاتجاه نحو تطبيق المادة الدستورية عندما تستكمل جوانبها الفنية بعيداً عن لغة الوقت والوقت الضاغط والوقت المأزوم وممارسة الوقت بعقل والوقت غير مغلوق والانفتاح على (المجتمعية) والخ من المصطلحات الارجائية التي وردت في حديث الدكتور الجعفري لتنويم المادة 140 لزمن غير محدود، ام ترى ان الاجهاز على هذه المادة بات هو المطلوب؟.
هكذا تبدو المحاولات المبطنة والودودة للاجهاز عليها لكن شعبنا الكوردي لن يتنازل عن مكاسبه وما اقره الدستور العراقي له من حقوق ولن تثنينا عن ذلك المحاولات سواء كانت مباشرة ام غير مباشرة.