الرئيسية » مقالات » محنة الدين في فقهاء السلاطين القسم الثاني

محنة الدين في فقهاء السلاطين القسم الثاني

ويطرحون شعار الحكم إنطلاقآ من مفهومهم له بأن الحاكمية لله وحده , أما ممارسة الحاكمية هذه فعلآ فيقومون بها هم نيابة عن ألله , هذا هو مفهوم الحاكمية حسب إسلام الفقهاء , ولا ندري مَن أعطاهم هذه الوصاية ومَن أوكلهم على أمور الناس في الوقت الذي منع فيه إسلام ألسماء المصطفى لتبليغ رسالته محمد ( ص ) من أن يكون وكيلآ على الناس “والذين إتخذوا من دونه أولياء ألله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل “( ألشورى 6 ) أو ” قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ” (الأنعام 104) . وغيرها الكثير الكثير من ألآيات القرآنية التي يوضح فيها إسلام السماء إسلوب التعامل مع الناس , علمآ بأن مفهوم الحكم يعني به الجانب القضائي لا السياسي .” ولفظ الحكم لا يعني في القرآن الكريم السلطة السياسية على المعنى الذي يٌقصد من اللفظ في لغة العصر الحالي . وإستعمال اللفظ في غير المعنى الذي ورد به في القرآن الكريم , وبعيدآ عن مفرداته , وخلافآ لوقائعه البيانية , هو إمالة لمعاني القرآن وتبديل لمقاصد الجلالة . إن لفظ ” الحكم ” يعني ـ في لغة القرآن ومفرداتها ووقائعها ـ ألقضاء بين ألناس , او الفصل في الخصومات , أو ألرشد والحكمة . فهو يعني القضاء بين الناس: ” وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ” (ألنساء 4 : 58) . وهو يعني الفصل في الخلافات: ” إن ألله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون “(الزمر 39 : 3) . وهو يعني ألرشد والحكمة , فقد جاء في القرآن عن يوسف عليه ألسلام : ” ولما بلغ أشده آتيناه حكمآ وعلما “(يوسف 12 : 22). وجاء فيه على لسان موسى : ” ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكمآ وجعلني من المرسلين “(ألشعراء 26 : 21). وفي القرآن عن بني إسرائيل: ” ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكمة والنبوة “(الجاثية 45 : 16) أي وهبهم التوراة والحكمة وكان منهم انبياء . وكذلك جاء في القرآن عن ألأنبياء جميعآ : ” أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة” (الأنعام 6 : 89) وأغلب هؤلاء الأنبياء لم يحكم ـ بالمعنى السياسي ـ وإنما المقصود بالحكم أنهم أوتوا الحكمة . إن السلطة السياسية بالمعنى الذي يسمى في العصر الحالي : الحكومة , عبَّر عنها القرآن الكريم بلفظ ( ألامر) ومن هذا اللفظ جاء لفظ ألأمير , أي الشخص الذي يتولى الحكم والسلطة , ولذلك لقَّب عمر بن ألخطاب نفسه , ولُقِّب الخلفاء من بعده بلقب أمير المؤمنين لا حاكمهم . وفي القرآن الكريم : ” وشاورهم في ألأمر “(آل عمران 3 : 159) . ” وأمرهم شورى بينهم “(الشورى 42 : 38) . وفيه ” حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ألأمر” (آل عمران 3 : 152) . ” يقولون هل لنا من الأمر من شيئ “(آل عمران 3 : 154) …..لقد قامت شعارات السياسة الدينية على عدة صيغ : أن الحاكمية لله وحده ولا حاكمية لبشر, وإنه لابد من حكومة دينية لإقامة النظام ألإسلامي , وأن الجهاد فريضة غائبة يتعين إعادتها لمواجهة اعداء التيار من حكام او مفكرين , ولضم دار الحرب إلى دار السلام ( أو دار ألإسلام ) وإنه لابد من تطبيق الشريعة ألإسلامية وإلا تعين حرب المجتمع , وإنه لابد من فرض جزية على غير المسلمين وإلا كان المجتمع جاهليآ كافرآ بالله , وإنه لا يوجد إلا الحل ألإسلامي لمواجهة كل مشاكل المجتمع الوطني والدولي , وإن ألإسلام دين ودولة , وإنه لا ينبغي أن تكون للمسلم أية جنسية إلا ألإسلام , ويتعين ألا يكون له ولاء لوطنه بل لجماعة المسلمين. ونظرآ لأن هذه الشعارات العامة والصيغ الهلامية لا تُناقش بالعقل ولا تُقدم من خلال دراسات علمية جادة , بلا تحريف ولا تزييف , بل تتوالى وتلح بإسلوب الدعاية الذي يعتمد على التاثير من خلال التكرار وحده , وتمتد وتنتشر بنهج ألإعلان الذي يهدف إلى ألنجاح ـ ولو بأي ثمن ـ على أسس إقتصادية محضة , وبغير إعتبار للقيم الرفيعة والأخلاق السامية . إن تيار تسييس الدين ـ بالعنف والتطرف ـ يستشهد دائمآ في هدا المجال بآيتين من القرآن الكريم ” فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجآ مما قضيت ويسلموا تسليما “(النساء 4 : 65) . ” إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله “(النساء 4 : 105) . وهذا الإستشهاد خطأ وخطر, فضلآ عن أنه يكشف عن طوية القادة وطبيعة عقليتهم ونفسيتهم . فهاتان الآيتان من الآيات التي تخاطب النبي (صلعم) وحده , وتختص به دون غيره. فاولاهما تنفي صفة الإيمان عمن لا يُحكّم النبي في اي شجار بينه وبين آخرثم يرتضي حكمه , وهذا أمر واجب بالنسبة للنبي نفسه حتى تستقر الأمور في مجتمع المؤمنين, ولما كان له من حفظ بالوحي , اما ان تنتفي صفة الإيمان عمن لا يلجأ إلى بشر ـ مهما كان وضعه ـ وكيفما كان علمه ـ ليُحكّمه في اموره ويرتضي حكمه طائعآ مختارآ , أي أن يلقي بين يديه ـ بخضوع شديد وتسليم كامل ـ كل اموره وشئونه وضميره ومصيره , فهو نفي للإيمان عمن لا يمكن ولا يجوز نفي الإيمان عنه , وهو تحكّم غريب في شئون الناس ومصائرهم , وربما كان ـ وفي الغالب ما يكون ـ ممن لا يفهم في شئون القضاء والحكم او يُدَرّب عليها , هذا فضلآ عن انه إستلاب لولاية خَصّ بها الله النبي وحده , بصريح نص الآية وبيان سبب نزولها. أما الآية الثانية فهي ـ كذلك ـ من الآيات التي تخاطب النبي (صلعم) وحده , وتختص به دون غيره , وهذا واضح أيضآ من الفاظ الآية ذاتها , فهي خطاب للنبي , فضلآ عن انها تفيد أن حكمه ـ أو قضاءه ـ هو بالرؤية التي وهبها الله له , والتي لا يمكن ان يدعي عاقل أن الرؤية الواردة في ألآية هي رؤيته كذلك, أو ان ألآية تخصه هو شخصيآ وتشير إليه صراحة . ” (المستشار محمد سعيد العشماوي ـ ألإسلام السياسي )
إنها إدعاءات باطلة يكررها المُصِّرون على إستغلال الدين لأغراضهم السياسية ورمي المعارضين لهم بشتى التهم الزائفة , فقد أمر ألله محمد (ص) أن يحكم بين الناس ولم يأمره أن يحكم الناس او يكون وكيلآ عليهم . إنهم يعبرون بذلك عن عجزهم عن تقديم الحلول العلمية للمشاكل التي تعاني منها مجتمعاتهم , فيعملون على التلاعب بالشعارات البراقة والأقوال الكاذبة وليّ النصوص القرآنية , حتى إذا ما وصلوا إلى السلطة السياسية تنكروا أو تناسوا ما كانوا يصرخون به وانبروا لجمع ألأصفر والأبيض وصار إسلامهم إسلام المحاصصات الطائفية والنزاعات المذهبية والإنتماءات العشائرية والعصبيات القومية , كما نراه اليوم في العراق الجريح بإسلام الفقهاء. أما إسلام السماء فيظل مهمشآ بكل ما يدعوا إليه من إنصاف المظلومين وإشباع الجائعين وإكساء المعوزين وإيواء المشردين . أما ألوطن والهوية الوطنية فلا حساب لها في إسلامهم بدعوى جاهلية هذا الولاء والتبجح بأن الولاء الصحيح للجماعة ألإسلامية أولآ وليس للوطن بكل ما يحويه من قوميات وأديان . وسرعان ما يتحولون إلى طغاة جبابرة , بأي لباس تستروا وخلف أي شعارات إختفوا, حتى وإن إختلفت أُصولهم الإجتماعية وتباينت منطلقاتهم الفكرية . إنهاء الغير يجري في دماءهم وقمع الآخر وسيلتهم المثلى لتحقيق أهدافهم لأنهم لا يفقهون مقارعة الحجة بالحجة ومقابلة المنطق بالمنطق لأن هذا وذاك علم وهم جهلاء ولأن هذا وذاك مبدأ وهم متسيبون تتحكم في عقولهم وتُسِّير إرادتهم غرائز الذاتية والأنانية التي تقودهم دومآ نحو إنتهاك أي مبدأ وتجاوز أية فضيلة .
أهلنا في العراق عاشوا هذا الطغيان لعقود عديدة حيث سوُّق الطغاة فيها الهزائم المتوالية كانتصارات عظيمة , وقتِل الأبرياء كإنقاذ للوطن والعدوان على الآخرين كدفاع عن ألأرض . ثم سقط الطاغية الأكبر وانتهى إلى بئس المصير في الثلاثين من شهر كانون الأول لعام 2006, وينتظر نفس المصير الطغاة الصغار الذين دأبوا على مواصلة مسيرة سيدهم الدامية بالقتل والإنهاء والتخريب سالكين نفس الطريق لتحقيق نفس الغايات التي يصبو إليها كل طاغية حتى وإن إختلفت شعاراتهم وتباينت طروحاتهم عن تلك التي نادى بها مَن سبقوهم من الطغاة . إلا أن أطروحة الدين ظلت قاسمهم المشترك وورقة التين التي يريدون ستر عوراتهم بها . لكن عوراتهم أقبح من أن تستطيع حجبها التبجحات بالدين والتمشدق بشعارات الجهاد إذ أن خطورتهم عظيمة وضررهم أعظم. فالحملة ألإيمانية التي تبجح بها أفسق خلق ألله وركوبه موجة دين الفقهاء لم تنقذه من عقاب دين السماء الذي ما كان يؤمن به يومآ . لقد إنتهج طاغية الأمس , كما ينتهج طغاة اليوم , أساليب التضليل والخداع , فشوّه الحقائق وقلب موازين القيم وزيف التاريخ وسخر إسلام الفقهاء لتبرير جرائمه وللإستمرار على جبروته الذي باركه له فقهاؤه في كل مناسبة أُتيحت لهم . وهذه هي الطامة الكبرى بالأمس والتي تتكرر اليوم حينما يجعل الحاكم الدين سُلّمآ يعتلي به قمة سياسة القمع والتسلط . وليس ما يحدث اليوم في بعض المدن العراقية التي يسيطر على شؤون أهلها إسلام الفقهاء , إلا التواصل لما بدأ به الطاغية المقبور. فالقمع والقتل والتهديد الموجه ضد النساء كجزء من الحملة ألإيمانية الجديدة لإسلام الفقهاء , والدعاوى الطائفية المتكررة لتكفير هذا وذاك , وعمليات القتل والذبح لكل من يرفع صوته او يُسخر قلمه للحد من إستغلال الدين من قبل زمر سائبة أصبحت التجارة بالدين طريقها إلى الثراء الفاحش , والإعتداءات المتكررة على منتسبي الديانات ألأخرى التي وُجدت على ارض العراق قبل أن يتواجد هؤلاء عليها هم وأجدادهم ألأولون . كل ذلك وغيره من الموبقات التي تُرتكب باسم الدين و تقترن بفتاوى إسلام الفقهاء وخُطب شيوخ السياسة , جعلت العلاقة الفطرية بالدين لدى ألإنسان المسلم , ولدى غير المسلم الذي يرغب ألإطلاع على أولويات هذا الدين في موضع تساؤل كبير عن ماهية هذا الدين , وهل أن كل ذلك من دين السماء حقآ…..؟
إسلام الفقهاء الذي يدعي وحدة ألإسلام كان المبادر ألأول للتنكر لهذه الوحدة التي حولها إلى تيارات متناحرة جعلت من تسييس الدين سبيلها للوصول إلى قمة السلطة لا للدفاع عن القيم الدينية , بل لحيازة القوة القمعية التي تؤهلها لإنهاء المعارضين لها , وما شاهد ناه بالأمس في دولة طالبان المقبورة وفي التحالف الديني العسكري بين البشير والترابي في ألسودان وما قامت به المحاكم ألإسلامية في الصومال أو ما تمارسه دكتاتورية ولاية الفقيه في إيران اليوم أو ما ترتكبه عصابات ألأحزاب الدينية الحاكمة ومليشياتها في وطننا العراق في الوقت الحاضر , لا يحتاج إلى كثير من التفصيل لإيضاح ماهية هذه التيارات ألإسلامية التي وضعت إسلام السماء بكل قيمه ألإنسانية وتعاليمه المبدأية الخيرة في خدمة إسلام الفقهاء بكل توجهاته السياسية ونزعاته الأنانية وأهدافه القمعية التسلطية .

ولم يقتصر هذا التمحور السياسي الديني لإسلام الفقهاء على تسييس الدين وتأسيس التجمعات والأحزاب السياسية الدينية المختلفة ووضع الدين في سوق المتاجرات السياسية التي لا تتوانى عن إستعمال أساليب اللف والدوران والخداع وحتى الكذب إذا إقتضت الضرورة السياسية لذلك , هذه ألأساليب التي لا يعرفها إسلام السماء بتاتآ , حيث أنه يدعو إلى محاربتها والتنكر لها ” إن ألذين فرقوا دينهم وكانوا شيعآ لست منهم في شيئ إنما أمرهم إلى ألله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون” (ألأنعام 59) , بل جعلوا من هذه التجمعات والأحزاب بؤرآ للتعصب الطائفي والتمحور المذهبي يتقاتل فيها أهل الدين الواحد وجماعة الملة الواحدة وكأن بعضهم لبعض عدوآ لدودآ وليس وليآ حميمآ . لا يملكون قوة المنطق في نشر أفكارهم وآراءهم الظلامية , فلجأوا إلى منطق القوة التي جعلوها ملازمة لدعواتهم وسلاح دعاتهم . من إنتصر لفكر غير فكرهم فهو في عرف إسلام الفقهاء كافر ملحد مرتد حللوا دمه وماله وعرضه , فيتجاهلون عن عمد وسبق إصرار ما يدعو له إسلام السماء الذي علّم النبي (ص) كيف يتعامل مع المختلفين معه والمخالفين له بقوله له ” أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمعتدين “(ألنحل 125)
هذه التيارات التي تتستر بستار الدين هدفها لا علاقة له بالدين , هدفها سياسي بحت , إنها منظمات سياسية تفتقد إلى البرنامج السياسي والحجة المٌقنعة , فتلجأ إلى لغة الثواب والعقاب والوعد والوعيد مستخدمة بعض النصوص الدينية التي تفسرها حسب هواها وإستنادآ إلى ما تريد تحقيقه بواسطتها غير آبهة بالنتائج التي يأتي بها مثل هذا الإستغلال للدين لتحقيق اهداف سياسية لا غير. مستخدمة شعارات براقة تتلاعب بمشاعر الناس البسطاء جاعلة من شعاراتها السياسية هذه وسيلة بدائية رخيصة لتحويل أفكار الناس عن هموم الدنيا وتوجيهها إلى تبني حياة ألآخرة التي يجعلونها البديل عن البؤس واليأس وكأن الحكمة التي إنطلقت من رواد إسلام السماء : إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدآ واعمل لآخرتك كأنك تموت غدآ , لا مكان لها في أدمغتهم الضامرة . وينسون أو يتناسون ما تؤكد عليه ألآيات القرآنية الكريمة بأن السعي في الدنيا لعمل الخير وما يعم على الناس من فائدة هو السبيل إلى الحياة الأخرى , وليس قتل الناس أو إجبارهم على ما يكرهون أو إستغفال عقولهم وخداعهم بالقول المعسول المُبرقع ببراقع الدين . يرفعون الشعارات بمناسبة وبدون مناسبة لا يستطيعون ألتستر على إنتهازيتهم وإستغلالهم لكل الظروف سعيآ وراء الحصول على موقع قدم على الواقع السياسي الذي لا يستوعبونه فكريآ ومبدئيآ وتنظيميآ فيلجأون إلى هذه الأساليب بترديد الشعارات التي لا يبتغون من وراءها إلا باطلآ . جاعلين من الدين , من دينهم هم ,لا دين السماء , وسيلتهم لتحقيق هذا الباطل .
تاريخ المسلمين مليئ بمثل هذه النماذج التي جعلت من الدين ُسلَّمآ للوصول إلى أهداف دنيوية , حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة والمبادئ والأخلاق , إذ أن مثل هده ألأمور لا تعنيهم شيئآ قدر ما تعنيهم السلطة والتحكم في رقاب الآخرين مستغلين صفاء النية وطيبة السريرة والإخلاص للمبادئ الدينية الأصيلة لدى كثير من الناس الذين سيقفون على حقيقة مثل هؤلاء يومآ ما طال الزمن بالعروش ام قصر .
يحاول مستغلو الدين لأغراضهم السياسية والحزبية أن يوهموا الناس بتفسيراتهم للنصوص القرآنية على أنها تعاليم ومبادئ الدين الحقيقية ويطالبون ألإلتزام بها ويجعلون من مخالفتها مخالفة للاحكام الدينية وخروجآ على التعاليم ألإلهية يتوعدون مَن يخالفهم الرأي بالويل والثبور لا يتورعون من الإقدام على الجريمة لإنهاء المعارضين لهم ولتأويلهم للنصوص القرآنية .

يقدم تيار الإسلام السياسي الدين الإسلامي وكانه مرتبط بالعنف والتكفير وإنهاء الآخرين بالإرهاب والقتل فيبدو الإسلام أمام أبناءه وغير أبناءه بهذه الصورة التي لا تعرف الرحمة والتسامح , وهذا هو دينهم , إسلام الفقهاء , فقهاء مروجي ألإرهاب والداعين له , وقد لاقى أهل العراق , كما لاقى غيرهم من المسلمين ألأمرين من فتاوى إسلام الفقهاء التي أحلت دمهم . علمآ بأن المبادئ الدينية الحقة التي يدعو لها إسلام السماء مليئة بالدعوات التي تؤكد على الحكمة والموعظة الحسنة وترك الوصاية على الناس في أمور دينهم والتوجه من المبادئ التي تدعو إلى السماح وسعة الصدر ونشر المحبة والتآلف بين الناس جميعآ , فكيف بالأمر إذا كان بين المسلمين أنفسهم..؟
لا يقتصر ظهور هذا التيار على المجتمعات الإسلامية فقط , بل ويمكن مراقبة هذه الظاهرة في مجتمعات اخرى أيضآ يلجأ فيها دعاة تسييس الدين أو تديين السياسة إلى أساليب مشابهة عند مواجهة خصومهم في الرأي . لقد أصبح التطرف الديني ظاهرة تعكس ما يتبلور عن المشاكل الإجتماعية بأشكالها وصورها المختلفة في اي مجتمع من المجتمعات .

ألاسباب السياسية وهدف الوصول إلى السلطة يكاد يكون القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات أينما وجدت , أي الرغبة بالوصول إلى الحكم وليس الدفاع عن الدين , كما يدعون , هو السبب الرئيسي الذي يدفع هذه التيارات لإرتكاب مثل هكذا حماقات . إلا أنه من الممكن ان تتواجد في بعض المجتمعات عوامل مساعدة أخرى , قد تختلف من مجتمع لآخر , يعمل المتطرفون على إستغلالها ومن ثم توظيفها لأغراضهم .

ومن شعارات فقهاء السلاطين المضَلِلَة دعوتهم إلى وجوب كره من ليس منهم أو على قناعاتهم معتبرين ذلك تحقيقآ لمبدأ شرعي يقضي بمخالفة من ليس على دينهم , لا بل وكرههم واعتبارهم من سلالة الخنازيروالضفادع . إنهم يروجون لمخالفة الكافرفي أي شيئ . والكافر في رأي فقهاء السلاطين هو ذلك الذي يخالفهم مسلمآ كان أو غير مسلم . فيفترون على المسلمين المخالفين لهم متهمينهم بالردة عن الدين وما هذا الإتهام إلا واحدآ من أساليبهم الخبيثة التي يخولون أنفسهم بها إستعمال القمع والقوة لإنهاء الآخرين . همهم ألأول والأخير البقاء ضمن المحور الذي يوجهون الغير فيه , فإن فكر هذا الغير يومآ ما أن يخرج من طوقهم هذا , وليس من الدين , فإن دمه وعرضه وماله سيكون مباحآ لجلاديهم الذين لا هم لهم سوى التصدي لقتل الآخرين وإنهاءهم . لا يعلم أي إنسان من أين جاءوا بهذه الأحكام , أو ما يسمونها بالحدود التي يطبقونها على مخالفيهم . فالقرآن الكريم لم يذكر ولا في موقع واحد أية عقوبة دنيوية للردة عن الدين , حيث جعل العقاب والثواب على ذلك في يوم الدين وليس في هذه الحياة الدنيا . لم أجد في جميع الآيات التي عالجت موضوع ترك الدين أية آية تشير إلى أية عقوبة دنيوية. فنقرأ مثلآ في سورة الزمر , ألآية 7 ما يلي ” وإن تكفروا فإن ألله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور ” أو ما جاء في سورة النساء , ألآية 137 ” إن ألذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرآ لم يكن ألله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلآ ” أو ما جاء في سورة آل عمران , ألآية 106 ” يوم تبيض وجوه وتسوّد وجوه فإما الذين إسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم نكفرون ” وإلى مثل ذلك تشير جميع الآيات التي تعالج موضوع الردة عن الدين أو تغيير الدين في سورة البقرة , الآية 217 وفي سورة آل عمران , الآية 90 والآية 176 وفي سورة النساء , ألآية 115 وفي سورة المائدة , ألآية 54 . تأجيل عقاب المرتدين هذا من قِبَل ألله إلى يوم الحساب في دار البقاء لا تتحمله عقول فقهاء السلاطين المتعطشين للدم والذين يريدون تطبيق شريعة إسلام الفقهاء لا شريعة إسلام السماء . إنهم يخالفون شريعة إسلام السماء حينما يصنفون المسلمين حسب أهواءهم هم وإلصاق تهمة الردة بهذا وذاك وكأن تصنيفهم هذا قد جاءهم عن طريق الوحي ولم يصدر عن بشر قد يصيب أو يخطئ في قراراته , ونحن نعلم أن مثل هؤلاء الفقهاء قد يقعون في الخطأ أكثر من بقية الناس لأنهم يتصرفون حسب أهواءهم وعواطفهم لا حسب ما يمليه عليهم العقل السوي المحايد . وحينما عجز فقهاء السلاطين عن إيجاد ألأدلة التي تبيح لهم قتل من ليس على توجهاتهم في النص القرآني لجأوا إلى إختلاق الأحاديث التي أرادوا بها شرعنة جرائم القتل التي يمارسونها ضد من يختلفون معهم في فهمهم لدين السماء . فجاءوا بالحديث الضعيف الغير متوارد والذي يقول : من غير دينه منكم فاقتلوه . وكأن صاحب هذه الرسالة السماوية لا عمل له غير التفتيش عن الذين غيروا دينهم ليقتلهم . فبالإضافة إلى ضعف هذا الحديث فإنه يتناقض تمامآ مع المعطيات التالية: أولآ: لا يمكن للنبي محمد (ص) أن ينطق بهكذا حكم طالما أن القرآن نفسه , أي ألله , لم ينطق بهذا الحكم . يضع فقهاء السلاطين النبي محمد هنا وكأنه يريد أن يأتي بشيئ مغاير للقرآن أو غير موجود فيه واالله يقول ” ….ما فرطنا في الكتاب من شيئ ” (ألأنعام 38) . أي أنهم يُقوّلون النبي ما لم يقله وما لا يمكن أن يقوله لأن قولآ كهذا يخالف ما جاء في القرآن الكريم وحاشى لحامل الرسالة ألإسلامية أن يقوم بفعل كهذا .
ثانيآ: إن هذا الحديث يتناقض أيضآ مع النص القرآني الذي يحدد واجب النبي محمد(ص) من القرآن والذي يقضي بتفسيبره وشرحه للناس , لا لتغيير نصوصه . فالآية 44 من سورة النحل تنص على ما يلي ” …..وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم لعلهم يتفكرون ” ثالثآ: يتناقض هذا الحديث مع كثير من الآيات القرآنية التي تدعو إلى حرية ألإختيار وعدم ألإكراه في الدين . وقد تطرقنا إلى معظم هذه الآيات أعلاه فالتُراجع . رابعآ:يتناقض هذا الحديث مع الحديث النبوي المتوارد والقائل بأن ألإنسان يولد على فطرته وأبواه يهودانه أو يمسحانه أو يمجسانه .

فمسألة قتل من يسميه فقهاء السلاطين مرتدآ , لا تتعلق إذن بتطبيق حد نصت عليه الشريعة ألإسلامية , إذ لا وجود لهذا الحد أساسآ في كل أسس هذه الشريعة , بل لتحقيق هدف التسلط على أفكار الناس بالقوة وإجبارهم على تبني إطروحات شريعة إسلام فقهاء السلاطين التي لا وجود لها في شريعة إسلام السماء .

جرائم القتل وإنهاء الآخرين المخالفين لفقهاء السلاطين تشمل غير المسلمين أيضآ . ألأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية التي يضمرون لها العداء المقيت بالرغم من كل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تخالف مثل هذه التوجهات . وسنتناول هذا الموضوع في الحلقة الثالثة والأخيرة من هذا البحث .