الرئيسية » مقالات » سمير! أيها الراقد بشموخ بين الجبال لك المجد كله

سمير! أيها الراقد بشموخ بين الجبال لك المجد كله

في منتصف السبعينات من القرن المنصرم ، وصلت ليلا اسيا الوسطى، اولى محطات الشتات البعيدة عن الوطن .. كنت منهكا تلفني حيرة الغرباء في المدن الجديدة ، وعالم من تداعيات الذاكرة يحاصرني، بين حبيبة تركتها ورائي، ورفاق قاب قوسين او ادنى من أنياب الغول الممتد على طول البلاد وعرضها، وأم تبكي ولداً – صدق حدسها – بأنه لن يعود، وأشقاء تغالبهم هواجس الحيرة والقلق، وأب يتمترس بالشجاعة والصبر.
في الصباح التالي، فتحت الباب لطارق غريب، فتى ممشوق القوام، عذب الابتسامة، القى عليَ التحية باناقة طمأنت روحي المضطربة. استأذنني الدخول، فدعوته ورحنا نتجاذب اطراف الحديث.. راح يسألني بشغف عن مدينة الثورة، عن ازقتها واسواقها، عن اهلها الطيبين المحروسين بفكر الفقراء.. دعاني ان اتناول معه الفطور مازحا: سأقاسمك ما تبقى من راتبي ريثما يصرفون لك المعونة الجامعية.. ذهبنا معا الى حانوت الحي الجامعي، فأومى للبائع بيده مؤشرا صفاً من المعلبات الرخيصة جدا و التي يبدو ان أحدا لم يسأل عنها لفترة طويلة وقال باللغة الروسية:
ـ بقلجان (اي معلب مرقة الباذنجان).
فدفع البائع الينا العلبة متثاقلا ومندهشا من طلب هؤلاء الاجانب البؤساء! وهكذا رحنا نتناوب على شراء هذه العلب حتى كان يوم ولجت فيه باب الحانوت فصرخ جميع بائعيه بوجهي وبصوت واحد:
ـ بقلجان !!
فشعرت بالخجل الشديد وهرعت الى سمير مضطربا، ولم أكد اقول له بأني كنت في الحانوت الجامعي حتى قاطعني قائلا: وصرخ بك جميع البائعين (بقلجان ) أليس كذالك؟ اجبت مندهشا: نعم، ولكن كيف عرفت ذلك؟
ضحك بصوت عال، وقال: لقد فعلها الابآلسة معي كذلك، بعد ان ساعدناهم في تصريف كل تلك البضاعة البائرة. وشاعت الحادثة كطرفة جميلة بين الطلبة العرب، من كان كادحا مثلنا او من أغدق صدام عليه من ثروة العراق بما يكفي ليعمي بصيرته ويشتري به ذمته!
كان سميررجلاً خجولاً ، يطأطأ رأسه تواضعاً لمحدثيه، كالسنابل المترعة بالقمح.. كانت روحه شفافة وجميلة والدعابة حاضرة لديه دوما.. وجدته يوما مهموماً وبيده قصاصة ورق ، سألته ما بك ياسمير ؟ قال لي : لقد قررت ان أبادر الى جمع التبرعات للحزب، وبدأت مع زملائي في الصف وأغلبهم من الطلبة الفيتناميين، فأرادوا إذناً من مسؤولهم الطلابي في مدينة طاشقند، فقصدته، وبعد ان أضناني شرح وضع حزبنا له في الداخل، إثر إشتداد الهجمة البعثية الشرسة عليه، كتب لي هذه القصاصة باللغة الفيتنامية، وشدد علي أن لا أستعملها لأكثر من مرة ، وخلافه وعدني بالويل والثبور وعظائم الامور ، وما ان واجهت أحدهم بهذه الورقة لأبدأ بحملة التبرع ، سألني أين موافقة وتوقيع الرفيق (ديك فان ) !. من هذا الديك الأخر؟ وأين أجده ؟ وأخيراً عرفت أنه مسؤولهم في هذه الكلية. وبعد الحصول على موافقته، عرضت هذه القصاصة على جمع منهم تصادف وجوده في مطعم الجامعة فتلاقفوها ثم نشب بينهم شجار عنيف وتجمع الطلبة من حولهم يتسائلون عن سر ما اصاب هؤلاء المساكين، وأنا في حيرة من أمري.. رفيق سوري راح يهمس: لك..العمى ..شو عملتلهم سمير! ثم جاءني ما جمعوه: بضعة كبيكات! لماذا؟ وكم دعاهم ديكهم أن يتبرعوا به؟ رد علي قائلهم: خمسة كبيكات (ما يعادل خمسة فلوس عراقية). شطت غضبا ولعنت تلك الساعة التي قررت ان أبدأ التبرعات مع هؤلاء حيث أضعت معهم كل هذا النهار. وسرعان ما إبتسم سمير قائلا : يابه..امريكا دمرتهم، ما خلت على حالهم حال..همه يحتاجون تبرعات) !
کان سمير مهدي شلال رفيقاً صادقاً وحالماً ببناء الاشتراكية الانسانية في بلادنا، وفي إختفاء الجوع واللامساواة.. كان يتمنى أن يرى في العراق كل مظاهر التحضر والتقدم، التي تقع عليها عيناه السوداويتين الجميلتين في العالم المزدهر، إنه رسام مأخوذ بالتصوير الفوتوغرافي للطبيعة وبالأخص أيام تغير ألوان أوراق الشجر، لذا وحقه ، ما مر خريف ورأيت فيه شجرة أحمرت أوراقها الا وترآى لي راقصاً فوق أوراقها جذلاً كالطفل.
وحين أنهى سمير دراسته الجامعية العليا بتفوق، رأى أبواب الوطن موصدة دون اهله الخيرين والحروب الخائبة للقعقاع ابن يوسف التكريتي تلتهم إبنائه الفقراء، فراح يدور حوله مترحلا مثلما تدور الكواكب حول شموسها، حتى التقطته ذرى جبال كردستان الشماء، والتحق بقوات الانصار، مقاتلا طيب القلب وديعا ، شيوعيا باسلا وعنيدا في مقارعته للدكتاتورية البعثية، الى ان سقط اسيرا بين ايدي قوات ـ أوك ـ ايام أعراس الصفقات التي روت سفوح بشت اشان ربيع 1983 من دماء عشرات الشهداء من الشيوعيين الأباة، المغدورين غيلة وعدوانا تنهش اجسادهم الطاهرة ضواري الجبال. لقد كانوا رسلاً للأخوة بين العراقيين، جاءوا من بغداد والنجف والبصرة والحلة والعمارة ومن مدن العالم كله، منهم من اكمل دراسته ومنهم من اجلها الى حين. كان سمير مؤتمناً على بعض أموال الحزب، فأعمت تلك أعينهم وأنستهم سمير المقاتل، ذا الدم المختلط من أم كردية واب عربي، فأطلقوا عليه النار أمام رفيقات له كن قد وقعن في الأسر وسلبوا ما لديه، تماماً كما فعل صدام حسين في حلبچة والأنفال، الذي أباد الناس لأن دماً كردياً يجري في عروقه!
نم قرير العين ياصاحبي الأكرم، نم شامخاً بين الجبال، لتقض مضاجع قاتليك، وتضئ بدمك الطاهر للفقراء دروب الحرية المفضية الى وطن حر سوف لن يكون فيه مكاناً للأنتهازيين والشوفينيين وتجار الحروب، وطن للعدالة الاجتماعية والمساواة، فالعراق الحلم آت لا محال .