الرئيسية » مقالات » صدام والعمالة للأمريكان والشعب العراقي ومسيرة الآلام

صدام والعمالة للأمريكان والشعب العراقي ومسيرة الآلام

تقييم الأعمال ويكون في بعض منه من خلال النتائج المتحققة, ولو أن هذه النظرة ليست الوحيدة والعمل في المجتمع الإنساني الحي لا يمكن أن يقاس بالمسطرة والمنقلة تبقى النتائج مؤشرا صحيحا, ولتقييم إنسان ما يمكن أن تعتمد نتائج أعماله وما آلت إليه الأمور ومن كان المستفيد كمؤشر عندما لا تتوافر لنا الوثائق والمستندات والأدلة والبراهين ونعتمد التحليل العقلي و المنطقي كما نراه وقد يكون بعيدا عن الموضوعية بمسافة.

ابتدأ صدام باكورة أعماله إبان اختطافه الحكم في العراق بإقالة ومن ثم قتل الرئيس السابق احمد حسن البكر رفيق نضاله وأبيه الروحي, وبعد فترة قصيرة تم تدبير اغتيال ابنه.

وسأحاول تسليط الضوء على بعض ما قام به صدام من أعمال وأحاول أن أكون منصفا محايدا موضوعيا قدر الإمكان:-

1- تسلق صدام سلم السلطة الى سدة الحكم بعد أن سحق الرئيس السابق وابنه وذلك في سنة 1979 وأول عمل قام به هو ضرب وتصفية الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي جسديا, صفقة واحدة إبان الحرب الباردة امتثالا لرغبة أمريكية حسب تقديري وللتخلص من الأحزاب القريبة والصديقة للاتحاد السوفيتي وقصقصة أجنحة الشيوعية العالمية بإبعاد الدول المؤيدة لها عنها.

2- لم تكد تمضي سوى فترة قصيرة وقبل أن يتماثل المجتمع العراقي للشفاء ويفيق من الضربة القوية الموجهة لأحزابه العلمانية الاشتراكية, ادخل العراق في حرب مدمرة دامت ما يقارب التسع سنوات مع إيران بحجج واهية كلفت العراق مئات الألوف من الشهداء وأمثالهم من الجرحى والمعوقين وكان من الممكن أن تحل المشاكل العالقة بين الدولتين عن طريق المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي وعدم الانحياز وغيرها لا سيما وان العراق وإيران أعضاء في جميعها, وهذا ما لم يعمله صدام تنفيذا لمصلحة أمريكا في ضرب الجمهورية الإسلامية وامتداداتها المستقبلية, وبذلك أسدى صدام خدمة جليلة للأمريكان ودول الخليج على حساب الشعب العراقي بخوض حرب بالنيابة لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل.

3- خلال الحرب العراقية الإيرانية وفي سنة 1986 على ما اعتقد تمت تصفية جسدية رهيبة لحزب الدعوة الإسلامية والتي طالت بالحكم بالإعدام حتى من هم دون السن القانونية واخذ هذا العمل القمعي الوحشي طابعا واسعا وشاملا ليس بسبب محاولة الاغتيال في الدجيل بل بسبب حجة الموالاة لإيران في ذلك الوقت وأيضا خدمة للأمريكان في تحجيم قوى الإسلام السياسي الشيعية في المجتمع العراقي والمنطقة.

4- عمليات الأنفال ضد شعبنا الكردي وتشريد وإبادة أكثر من 182 ألف كردي بين طفل ويافع وشاب ورجل وامرأة وشيخ وعاجز ومعوق, وهل يستطيع أي منصف أن يحصر الآلام التي تحملها هذا الشعب المسالم الكريم العزيز النبيل وهو مشرد في الجبال الثلجية في شتاء كردستان الأبيض.

5- غزو الكويت بتسهيلات أمريكية كما يعلم الجميع, وبحجج واهية جدا لا تستحق هذا الكم الهائل من الهزيمة والذل والشهداء والجرحى, وهذا الخراب الشامل والاحتلال القائم والتمزق الحاصل في المجتمع العراقي الآن.

بعض نتائج دخول الجيش العراقي الى الكويت
• تنامي الأحقاد بين العراقيين ودول الخليج والدول العربية والإسلامية.
• سرقة الكويت برمتها من قبل أزلام النظام.
• تدمير الجيش العراقي والحصار وما آلت إليه الأمور من ماسي لا يمكن حصرها.
• انقسام المجتمع العربي بين مؤيد ومناهض.
• تمزيق التجمعات العربية وبالتالي سد الطريق على كل تمهيد للوحدة.
• استنزاف كل مدخرات دول الخليج من قبل الأمريكان بشراء أجيال أسلحة قديمة لتحل محلها صناعة جديدة للسلاح.
• والأهم من هذا كله مجئ الأمريكان الى دول الخليج والتربع على منابع النفط والسيطرة الفعلية على أهم مصدر للطاقة في العالم لحد الآن.

6- قمع الانتفاضة الشعبية بتسهيلات وبعدم مبالاة من الأمريكان بشكل وحشي بربري صحراوي بدوي, بدون رحمة, بشكل لم يسبق له مثيل, مبالغ فيه, وكان فقط للانتقام من الشعب العراقي الذي عبر عن رفضه للسياسات المدمرة للقائد الذي لم يحفظه الله, واختلط الحابل بالنابل واستشهد الكثير ممن لا علاقة لهم بالانتفاضة وبوشايات كيدية وتصفية حسابات شخصية وبدون محاكم أو محاكمات أصولية مما ساعد وبشكل كبير على تقسيم العراق طائفيا وتفشي الأحزاب الدينية وتراجع الأفكار والأحزاب العلمانية.

7- تشريد الأحزاب العراقية خارج العراق بعد تصفية الكثير من كوادرها وبناء النظام الشمولي ذي الحزب الواحد داخل العراق مما أتاح للأمريكان الاستفادة منها في شرعنة الاحتلال بعد أن أوصل الشعب العراقي وطلائعه السياسية الى استحالة استعادة الكرامة والحرية بجهود ذاتية وكان لا بد من الاستعانة بالأجنبي للخلاص من الحكومة الدكتاتورية المستبدة ومن أزلام نظام أصبح وأصبحوا كالطاعون في المجتمع العراقي.

8- أقام دولة الاستبداد والتهميش, والإقصاء لكل العراقيين وحتى البعثيين وكبار القادة والوزراء اللذين استمرؤوا الذل والخنوع من اجل مكاسب مادية, وتم تحجيم أهم حاجات الإنسان على الإطلاق بعد الغذاء وهي الحرية, وتسيد ثقافة الصمت, فقد حول صدام الإنسان العراقي الى كائن يأكل ويشرب واختزل الفم واللسان لهذه المهمة فقط, وأصبح الجميع ممنوعين من إبداء الرأي عندما قال صدام للشعب العراقي والحكومة اخرسوا كلكم ” إذا قال صدام قال العراق “.

9- نمو الانتهازية بشكل مريع على كافة المستويات وفي كافة قطاعات المجتمع العراقي نتيجة لاستئثار صدام وزمرته بالسلطة والثروة والمناصب وعدم إمكانية المواطن الحصول على أي حقوق أو امتيازات بسيطة إلا بالانصياع لخدمة النظام مما أدى الى تراجع الوطنية والشعور بالمسؤولية لصالح الأنانية الفردية الانتهازية واللامبالاة وتفشي الغش والاحتيال والمراءاة والتملق واستشراء الفساد الإداري والمالي وغيرها من الأدران الكثير.

10- وقمة التخريب في المجتمع العراقي كان حملة إيمانية طائفية قسمت المجتمع العراقي الى طوائف متناحرة مما عمق الجهل وضعف المعرفة وبالتالي أدى ذلك الى تراجع العقل والقبول بالأمر الواقع, وحلول الغيب محل العلم والثقافة, وحول المجتمع العراقي الى قنبلة موقوتة تنتظر هامشا من الحرية بعد زوال الاستبداد لتنفجر وتمزق كل مكونات الشعب العراقي وتقضي على التآخي التاريخي في العراق والتعايش المثمر, وهذا ما حصل بعد انهيار النظام وزوال الاستبداد وحصول الشعب على هامش من الديمقراطية.

11- تقسيم المجتمع العراقي الى تجمعات طائفية وقومية أدت الى تمزيق النسيج المجتمعي نتيجة المحاباة وعدم المساواة بين أفراد المجتمع.

12- احتكار الثقافة والأنشطة الثقافية بمثقفي السلطة مما حدا بالكثير من المثقفين الأحرار إلى مغادرة العراق الى المنافي والشتات, مما عمق الأزمة بالمجتمع العراقي وأشاع التخلف والانحراف.

13- بسبب خنق الحريات وإشاعة الرعب وفي أجواء البوليسية تدرب الشعب العراقي على الخنوع والسلبية والانفلات الغير منضبط في نفس الوقت عندما تحين الفرصة وهذا ما حدث مع الأسف.

14- والاهم من هذا كله ” الخوف ” الذي نزل بالعراقي حتى النخاع الخوف من الحكومة وأجهزتها القمعية وأزلام النظام والأهل والأقارب وحتى الحيطان الصماء وغدا والمستقبل.

15- والاهم من المهم هو تقسيم المجتمع العراق الى بعثيين وشيوعيين وإسلاميين بضرب الأحزاب العراقية, وتقسيم المجتمع بين عرب يعالجون المشاكل بالقوة وكرد يتلقون الضربات من هذه القوة وخاصة بعمليات الأنفال, فمن عمل على تقسيم العراق فعلا هو صدام حسين, ومن المعلوم للجميع أن التقسيم الجغرافي لا يمكن أن يحدث على الأرض بدون أن يسبقه انقسام مجتمعي.

عملت جاهدا لإيجاد عمل واحد لصدام كان من صالح العراقيين لم أجد, عمل واحد ليس به مصلحة للأمريكان لم أجد, خطوة واحدة مهما كانت صغيرة فيها مسحة من الإنسانية لم أجد, وربما يقول قائل بان صدام قد بنى, وعندما قارنت ما بنى بما دمر رأيت العجب فقد دمر أضعافا مضاعفة ليس فقط لما بنى بل لكل من بنى, حتى ما قام به حزب البعث من 1968- 1979 بل منذ نشأت الدولة العراقية, فصدام بعد حروبه الداخلية وتصفية الأحزاب العراقية وحروبه الخارجية المتواصلة ترك لنا إرثا ثقيلا, ترك لنا عرافا خرابه عميم, وأطلالا وبقايا بلد محطم ماديا ومعنويا وروحيا ونفسيا ومجتمعيا.

وأدرج هنا بعض منجزات حزب البعث وما آلت إليه بعد اختطاف صدام للحكم واحتلاله للعراق وإقامة دولة الاستبداد, لكي لا تحتسب منجزات البعث لحساب صدام إنصافا وإحقاقا للحق:-
a. البعثيين وخاصا بعد دخول موجات من الشباب القومي العربي, بنوا حزبا قوميا عروبيا وانحرفوا به عن ما قام من اجله وهو وقف امتدادات الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية بمساعدة الامبريالية العالمية وخاصة أمريكا وضمن مستلزمات الحرب الباردة آنذاك.
b. بنية تحتية قوية شوارع جسور عمران صناعة زراعة تطبيقات اشتراكية قوانين لتنظيم المجتمع ولو كان عليها مآخذ كثيرة.
c. جبهة وطنية بين أحزاب رئيسية عميقة الجذور بالمجتمع العراقي كالحزب الشيوعي العراقي.
d. عمل على التقارب بين الدول العربية من اجل الوصول للوحدة المنشودة.
e. محاربة الأمريكان بالتقرب من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية.

استشعر الأمريكان الخطر مما يجري في العراق وتنامي الأفكار الاشتراكية والنمو المتزايد للقطاع العام والخدمات فسارعوا الى عميلهم القديم صدام حسين لمعالجة الأمور والتي كان هو يهيئ لها منذ زمن بالسيطرة على الأجهزة القمعية, ونزل الى الحكم بطائرة أمريكية ليحيل كل البناء الى أنقاض وكل البشر الى حطام وللمثال وليس الحصر:-

• تصفية حزب البعث جسديا بحجة العمالة لسوريا البعثية أيضا!!! وتحويله الى حزب طائفي قبلي عشائري مناطقي استقطب فيه كل الساقطين والسفلة من كل مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والطائفية وأقام دولة الاستبداد والدكتاتورية.
• هدم البنية التحية الى درجة كما يقال لم تبق طابوقة فوق طابوقة في كل العراق نتيجة حروبه والقصف الجوي المستمر.
• حل الجبهة الوطنية المعروفة بين حزب البعث والشيوعي في 1979 وبعد انفراط عقد الجبهة دخل العراق في مسيرة الآلام التي لم تنته إلا بسقوطه وانهيار نظامه, ويظهر أن الجبهة الوطنية هي التي أخرت انهيار حزب البعث وتغلغل وتغول صدام وأزلامه.
• ضرب صدام كل التجمعات العربية وابعد الحلم بالوحدة من راس العربي القومي.
• وضع الأمريكان كل إمكانياتهم وأقمارهم لرصد تحركات الجيش الإيراني في خدمة صدام في حربه مع إيران, وساهم صدام بتسريع انهيار الاتحاد السوفيتي, وبزوغ نجم الأمريكان كقوة عظمى وحيدة بالعالم بعد دخوله الى الكويت.

بتقديري ومن خلال هذه القراءة للأحداث أرى بأن لصدام تاريخا حافلا بالعمالة والخيانة للشعب العراقي والوطن العربي والأمة الإسلامية, وأخمن بأنه لا يوجد هناك إنسان في هذا العالم يرقى الى ما كان عليه صدام من عمالة للأمريكان, ولو كان للأمريكان قدر من الإنصاف لأقاموا له تمثالا من الذهب الخالص محل تمثال الحرية الذي لا يعبر بدقة عن أميركا تكريما وتثمينا للجهود والخدمات الجليلة التي قدمها لهم والتي لا يزال أزلامه يقدمونها من خلال المقاومة المسلحة المنفلتة وتوظيف القاعدة والتكفيريين لإضعاف الحكومة العراقية المنتخبة وتمرير قانون النفط والمعاهدات وغيرها.

هناك تساؤل نترك للقارئ الإجابة عليه
1- هل كان صدام عميلا معتمدا عند الأمريكان بفائدة مقدرة. ” يدري ”
2- هل الأمريكان استغلوا عنجهية ونفسية وتربية وغرور وتطلعات صدام وعقده النفسية بسبب نشأته الغير سوية ووظفوه لخدمة مصالحهم بدون علمه. ” لايدري ”
3- هل أن صدام اعتبر أن تعاونه مع الأمريكان هو من صالح الشعب العراقي والأمة العربية. ” يدري ”
4- هل أن أعمال صدام هي من منطلق وطني وقومي واستطاع الأمريكان بدهائهم وخبرتهم الطويلة أن يستثمروها لمصلحتهم. ” لا يدري ”

الخلاصة : إن كان يدري فتلك مصيبة وان كان لا يدري فالمصيبة أعظم