الرئيسية » مقالات » الفنان عباس باني.. بين تجاوز سكونية الرسم والبحث في وظيفته

الفنان عباس باني.. بين تجاوز سكونية الرسم والبحث في وظيفته

حوار وتقديم: كريم النجار

هل الرسم هو ممارسة شعورية تدخل حيز الوجود المطلق وتتفاعل مع كينونة العلاقات الإنسانية والطبيعية وتتماثل بها، أم هو حافز ذاتي محض، يخلق عالمه المفترض، بصور وأساليب شتى يدخل فيها روح الفن المتخيل ويتلمس مكمن الجمال المتخفي بين المعلن والمستور، بين الطبيعة وما تحويه أسرار وجود وعدم.. خلق الافكار ومن ثم بث الروح فيها، صورا تتقارب مع الواقع، أو تنفيه.. أو تتجرد من الخطوط التي تؤطره.
بأعتقادي أن الفن يحوي كل تلك المتناقضات ويتعامل معها بندية الممارسة الإبداعية الخلاقة، أو كما يصف ماتيس الرسم التصويري كونه “تكمن نقطة انطلاقه في ما يتجاوز نقطة وصوله. أنه شئ قائم على أسس مغايرة تماما. حين نصل إلى المشهد فأن حركة الرسم تحتوينا للحظة، تبتلعنا، ونحن نضيف، حلقة صغيرة إلى السلسلة.”
من هذه الحلقة الصغيرة لسلسلة الاشعاع الإبداعي، يطل علينا الفنان العراقي المقيم في الغرب الفرنسي منذ أكثر من عقدين من الزمن عباس باني، حيث يخلق عالمه، متجولا بين النحت والغرافيك والرسم والسيراميك والتعامل مع المواد الصلبة واللينة، خالقا منها كينونات ناطقة بالكثير من الابداع. وقد درس الفنان فن النحت في معهد الفنون الجميلة بين أعوام 1969 و 1974 وعرف طريق المنفى بوقت مبكر نهاية السبعينات القرن الماضي، متنقلا بين بلغاريا وايطاليا، حيث استغل وجوده القصير في بلغاريا بتطوير قابليته النحتية في أكاديمية ( صوفيا، Sofia ) للفنون الجميلة، كما استفاد من إقامته الطويلة في إيطاليا بالتعرف على أعمال فناني عصر النهضة، وبين عامي 1981 ـ 1983 استقر في مدينة ( نانت، Nantes ) في الغرب من فرنسا، جرب الرسم على مادة الفوتغراف وحقق فيها معرضين. بعدها انتقل إلى مدينة ( أنجيه، Angers ) حيث قام بتطوير حرفية جديدة للصورة؛ الرسم على الشريط الفوتغرافي الخام واستنساخه، والتي وفرت له هذه الحرفية أن ينجز فيلماً للرسوم المتحركة ( بيروت صيف 82، Beyrouth, été 82 ) الذي رشح في مهرجانات فرنسية وعالمية.

بين أعوام 1986 ـ 1990 أنتقل إلى مدينة ( شارتر، Chartres ) والتي أغنى فيها إمكانياته الحرفية في فن الحفر، الكرافيك، في مشغل الفنان الفرنسي الفقيد ( جان بليشار، Jean Plichart ) مما دعاه للمشاركة في عدة معارض مشتركة في هذا المجال.
ومنذ عام 1990 حتى 2000 أسس مشغلاً لفن الحفر والتصوير في مدينة ( سان جيل كروا دو في،St Gilles Croix De Vie ) الساحلية في الغرب من فرنسا، حيث دعا عدد من الفنانين للعمل ولعرض أعمالهم. وخلال هذه الفترة، قام بمعارض كثيرة في فرنسا وفي الخارج. أيضاً قام بتزيين ساحة حقوق الإنسان في مدينة ( سانت إلير دو ريه، Saint-Hilaire-De-Riez ) الساحلية بجدارية كبيرة من مادة الحديد تحمل مفرداتها الفنية قضية حقوق الإنسان، كذلك، زين مقدمة قارب (متضامن، Solidaire ) للبحار (تيري دوبوا، Thierry Dubois ) الذي شارك في سباق (فنديه كلوب،Vendee Globe ) حول العالم.
وقد حضيت بصداقته منذ عام 1995 حين قدم إلى عمان بدعوى خاصة من غالري (عالية) والذي أقام فيه معرضا لأعماله الغرافيكية التي كان للإنسان وعذاباته فيها الثيمة الاساسية، واتذكر جيدا وقتها كيف أحتفا به المثقفون والفنانون العراقيون المتواجدون آنذاك في عمان، كونه مبدعا وإنسانا شفافا، حمل الهم العراقي معه أينما أرتحل.
وخلال أعوام 2001ـ 2006 أسس مشغلاً للفخار رغبة منه بدعم اللغة الفنية والعملية الإبداعية لديه، إذ منحته مادة الفخار حرية واسعة في التعبير بفضل اغتناء العمل الذي جمع بين الحجم والخط واللون. وقد حقق معارضاً شخصية في مادة الفخار، أيضاً، جداريات فخارية استجابة لطلبات خاصة وعامة، مثل الجدارية التي أقامتها مدينة (لوريون، Loriont ) تكريما للرئيس الشيلي الشهيد ( سلفادور ألندي، Salvador Allende).
وحاليا دعا مجموعة من الفنانين العراقيين للأشتغال في هذا المشغل وتحقيق أعمال سيكون لها نصيب في العروض القادمة، سواءا في فرنسا أو في بعض الدول الاوروبية.
وقد أرتأينا أن نقيم معه حوارا عن نظرته وممارسته للفن، وذلك بمناسبة معرضه المشترك الجديد مع الفنانة الفرنسية “ماري جانو بروتو” الذي افتتح على صالة غالري (آرت 39) في مدينة (Fantenay Le Conte) يوم 2-11 ويستمر ثلاثة أسابيع. حيث شارك بثلاثين عملا نحتيا على السيراميك يمثل بعضها “المسلة السومرية” التي يقول عنها (المسلة جسم منتصب يوحي بطبيعة جسد الإنسان. أيضاً، إنها نحت مجسم مصقول. وهي تمثل” آنو” إله السماء السومري، الذي له حضور دائم في أعمال شعوب الشرق المتوسط النحتية. تتضمن المسلة بحد ذاتها على الفكر الإلهي الذي هو أصل أسلوب التكعيب في فن هذه الحضارة.

* كيف تتهيأ لإنجاز الفكرة بعد تخطيطها، ومن ثم تقرر أن تكون لوحة مرسومة أو سيراميك أو كرافيك، أو نحت؟

ـ أنا لا أنتقل من مجال فني أو من مادة إلى أخرى في سويعات أو حتى في عدد من الأيام، أي لا أنتقل من الفخار إلى مجال الطباعة بصورة مفاجئة، إن الفكرة عندي تفرض نفسها طبيعيا وآنياً على المادة أو المجال الذي اخترت العمل فيه. والفكرة عندي ليست آنية أو مباشرة تأتي هكذا في لحظة إلهام أو صدفة عابرة، أنها تأتي نتيجة دراسة وبحث في ماهية الموضوع المطلوب اقتراحه أو التعبير عنه، ففي فكرة موضوع معرض الحصار الذي أقمته في عام 1998 في ( سانت إلير دو رييه ) الساحلية في محافظة ( Vendée ) في الغرب من فرنسا، تراكمت أفكار وأسئلة وحلول متعددة ساهمت في اختيار مادة الحديد وطريقة عمل أسلوب التحقيق في الرسم، التي ساعدت في أخراج الهيئة العامة النهائية لموضوع المعرض. وفي عمل المسلة كموضوع وكشكل سيتضمن موضوع المقابر الجماعية الذي عبرت عنه من خلال موضوع المرأة وما اقترن بها من رموز ومعاني شكلية. كان قد توجب عليّ دراسة عمل مادة الفخار من الألف إلى الياء ولمدة سنتان من أجل تحقيق فكرة هذا الموضوع.

* في معظم أعمالك هناك اشتغال على الجسد الإنساني وحالاته، هل جعلت من الإنسان مركزا والكون يدور حوله؟

ـ نعم في الأعمال القديمة كان اهتمامي بشكل الجسد البشري جذرياً ولأسباب مختلفة، تأكد معنى الجسد البشري في العمل الفني تاريخياً، تراكم تجربة الفنان في تأكيد أهمية معنى شكل الجسد البشري، ففي الأعمال القديمة كان معنى الإنسان يتأكد عندي ضمن الشروط الإنسانية ، فتظهر المواضيع على حدتها مشحونة بقدسية هذا المعنى الإنساني، حيث من خلال الشعور بحالة المأساة التي تعصف بحياة الكثير من معاصرينا من البشر وعلى وجه الخصوص الإنسان العراقي، كانت المواضيع تتسع كلما عالجت حالة مأساوية في موضوع فني من خلال شكل الإنسان، امرأة، رجل أو طفل. لكن في مجمل أعمالي المتأخرة كان بالإضافة إلى موضوع شكل الإنسان، هناك موضوع شكل الحيوان وموضوع شكل النبات على مستويات متنوعة من التعبير، المبسط والمجرد، وهي عندي ذات معان رمزية شكلية. لم أجعل الإنسان مركز الكون ولا حتى مركز موضوع الصورة، إنه كموضوع وكشكل ينتمي إلى عالم المادة الفانية، فهو عندي اليوم يدور مع بقية المعاني باتجاه الخارج ، بعيد عن مركز الصورة التي تمثل، فنياً، فكرة خالدة لعالم غير مرئي أما لكبر حجمه أو لصغره بالنسبة للوجود المادي الذي ننتمي إليه، أو، أيضاً، لطبيعته الروحانية.


* نرى أثر التراث العربي الاسلامي عميقا في أعمالك، رغم وجودك الطويل في اوروبا، سؤالنا مدى تأثرك بالبيئة المعاشة والفنون الاوروبية الضاربة بالحداثة، واثرها على طبيعة انشاءاتك؟

ـ أصدقائي القدماء يتذكرون مدى اهتمامي بالفن العربي الإسلامي وبخاصة بحثي المتواصل لفهم معنى الزخرفة الإسلامية، إن اكتشافي لموضوع الجنة في الزخرفة الإسلامية ( موضوع ونظرية فنية ) قادني لمعرفة واكتشاف قيم لغوية فنية قديمة الأصل في فنون الشرق عموماً، مثل تمثيل وحضور ( آنو ) إله السماء السومري في العمق المسطح لأعمال النحت البارز أو التصوير القديم بشكل عام، أو تمثله في هيئة المسلات الأولى، مثل مسلة أورـ نمو ومسلة حمورابي الشهيرة. والأهم اكتشافي لأصل النظرة الشاملة ( المكعبة) في أسلوب التصوير والنحت البارز عند السومريين وشعوب الشرق المتوسط القديم.
أما علاقتي وتأثري بما يدور حولي من تجارب ونشاطات فنية بحكم وجودي في فرنسا، فإنها لم تكن مباشرة، أي لم استحوذ على أحد الأساليب الشخصية التي تعود لفنانين تعرفت عليهم، إن التأثر عندي كان في طريقة البحث والحاجة إلى اكتشاف النفس والتعبير عنها، الذي دفعني إلى التأمل وعلى العمل المتواصل من أجل أدراك وتأكيد الشخصية الفنية الخاصة بأعمالي، إن الأسلوب الفني الشخصي لا ينفصل عن نفس الفنان الكامنة، فأن البحث عنه في مكان آخر لا يجد نفعاً وإن أي نوع من تقليد الآخرين في أساليبهم الشخصية يقود إلى المهزلة والمهانة، بكل تأكيد، لي نقاش طويل وكثير مع أصدقائي من الفنانين الفرنسيين، كان أغلبه يدور حول طبيعة الفن، وظيفته والهدف من ممارسته.

* إنقطاع الفنان العراقي المغترب (الزمكاني) عن تواصله مع أقرانه داخل العراق ورؤية تجاربهم طوال عقود، هل أثر على مفهومه للفن خارج مرجعياته التي تعلمها بدءا في معاهد واكاديمية الفنون في العراق، وانتهاءا بما أسس له رواد الفن العراقي الحديث وما تلاهم؟

ـ لا أستطيع الكلام عن تجارب الفنانين العراقيين في المنفى، إن لكل منهم تجربته الخاصة، إن انقطاعي الطويل عن العراق وعن الفنانين في المنفى بحكم الظروف القاسية التي يعرفها كل منا، جعلني بعيدا عن التجربة العراقية، لكن هذه المسألة ليست بجديدة، أقصد الابتعاد أو الاقتراب مما تسميه بالمرجعية وبالرواد، نعم، كنت أرفض ولا أحب فناني أسلوب اللوحة الواحدة وهم كثيرون، كنت أحب وأتأثر بأعمال الفنانون المجتهدون مثل جواد سليم، محمد غني حكمت، محمد مهر الدين، محمد علي شاكر، عبد الجبار البناء ومن على مثلهم، لقد كان لأعمال هؤلاء المبدعون الأثر العظيم في تواصلي مع الفن ومع محنة الوطن، في المنفى الوطن وفي المنفى المهجر، الفنان المبدع العراقي لا يختلف عن الفنان المبدع في أي مكان من العالم، التجربة الإنسانية في مجال من المجالات تأخذ دائما جادة مشتركة من أجل تأكيد إنسانيتها في التواصل مع الآخرين.

* لنتحدث قليلا عن مسألة الاغتراب خارج العراق، نعرف أن العديد من الفنانين قادت خطاهم نحو الهجرة منذ سنوات طويلة، نتيجة اسباب شتى، وأهمها مسألة الكبت ومساحة التعبير. لكن للفنان نوري الراوي “رئيس جمعية الفنانين العراقيين حاليا” وجهة نظر أخرى بهذا الشأن، حيث يقول في لقاء له مع صحيفة المستقبل اللبنانية. (أن الفنان العراقي لم يكن مكبوتا في يوم ما، هذا كذب، الفنانون العراقيون حداثيون، وفي مجال البحث والتجريب الدائم. كان الفن العراقي حرا أيام صدام حسين، ولم يعاني ضغطا من أي جهة.)

ـ هذا تعبير كائن خرافي سجين في زنزانة عاجية، يكذب على نفسه أولا، هذا التصريح المؤسف يفضح حجم حالة الخوف المتحكم بمشاعر وتصرفات الناس في زمن البعث الكئيب … لا أريد الكلام عن الحروب وقتل الروح والدفن الجماعي والتدمير الحضاري والتعذيب والاغتصاب والترهيب ومسخ الثقافة وتزوير التاريخ والتبعيث وسحق الشخصية والتشريد…!! في أي زاوية تقبع الحرية من كل هذه المصائب؟ إن للكبت معنى يختلف عند الراوي يقترب من معنى الدلال، كان الفنان البعثي قنوعاً بهذا الدلال تحت سلطة رعونة صدام حسين، صرنا نتكلم على الطريقة السريالية … إي الدنيا ناعور.
* وفي جواب آخر يقول عن الفنانين المنفيين منذ النظام السابق (هناك واقع مختلف، هؤلاء أعلنوا أنهم ضد النظام، وتصادموا معه، ليس أكثر من عشرة أسماء عبرت إلى الخارج، ووجدت الاعلام، والشهرة ومجال التصريف غير العراق.) ما هو تعقيبك على هذا الرأي، وأنت أحد الفنانين الذين خرجوا من العراق بوقت مبكر، هل المسألة بهذا القدر من التبسيط، وهل فعلا الفنان الذي هاجر كان ينشد الشهرة وتصريف أعماله؟

ـ نوري الراوي يتكلم عن أصحابه من الذين خانوا ( سلطتهم البعثية ) لأنها لم تعد تلقمهم بما فيه الكفاية ، وهم كما يقول الراوي أعلنوا وتصادموا ، لا أكثر من ذلك ، هل تشعر بمرارة الخيبة عند الراوي لأنه لم يكن من ضمن هؤلاء العشرة المبشرين بالشهرة واهتمام الإعلام ومال ربح الصرافة الفنية؟؟؟ عنجهية الراوي السياسية لا تنفصل عن بلادته الفنية ، فحين تجاهله عشرات الآلاف من مثقفي وفناني العراق الشرفاء من الذين تحملوا كل ألوان الحرمان في المنفى، يؤكد على استمرارية تمثيله الرسمي كرجل ( فنان ) سلطة مدلل. لم يترك الفنانون بلادهم العراق من اجل النزهة أو الشهرة أو المال والتصريف، الفنانون العراقيون هربوا من موت، قتل، أكيد. وأشكال القتل في دولة البعث متنوعة وكثيرة.

* ما مفهومك للتجريب في العمل الفني، ومدى دقة الاشتغال على (ستايل) ثابت للفنان في كل مراحله العمرية والفنية، هناك نمط من الفنانين بقي يشتغل على نفس الروح والحس والفكرة والتفاصيل طوال حياته، والامثلة كثيرة إذا اردنا الاشارة إلى الاسماء، سواءا من العراقيين أو العرب، وحتى بعض الفنانين الغربيين؟

ـ التجريب هو البحث، الدراسة الدائمة بكل ما يغني العملية الفنية، التجريب يترادف مع مصطلح الطليعية في العمل، ومن الطبيعي أن نرى الفنان الباحث سباقاً وفي الطليعة.
الفن ذو طبيعة حرة لا يقبل أن يتحدد نهائيا بآراء فلسفية كانت أو سياسية، إنه يتقبل أي من الطرق الإنسانية الباحثة عن التعبير عن النفس بشرط احترام طبيعته الحرة، فلا ضير أن يعمل الفنان في أسلوب واحد طوال حياته أن كان مكتشف لنفسه وحاجتها الجمالية ومدرك لحيوية العملية الفنية لديه، أما الانغلاق على صورة واحدة وباسم الأسلوبية الشخصية ، مثلما حدث ويحدث عند عدد كبير من الفنانين العراقيين، فهو الفقر بعينه، هو انحدار نحو التخلف والجهل في الحياة وفي الفن، إنه ضحك على النفس وعلى الذقون وبالضد من الحرية الثورية التي هي من شروط ولادة العملية الفنية، أي من انطلاق الفكرة الخلاقة حتى تحققها والتوقف عن العمل بها. الخوف من الإبداع ليس من شيمة الفنان الحر.

* يقول عنك الفنان الفرنسي الراحل جان بليشار (لا تزعم أعمال باني، التي ولدت في انفعالات الاضطراب، أبداً، التعبير عن الرعب ولا حتى عن الموت. إنه شاعر متعة العيش، لولا اختياره بوعي حاد ولطيف تصوير الشروط الإنسانية.) هل ما زالت روح الانفعال والاضطراب التي ولدت أعمالك عبرها كما يقول بليشار تقود خطاك في الجديد من أعمالك؟

ـ فترة الانفعالات هذه التي تكلم عنها صديقي الفقيد جان بليشار، كانت ضرورية بمعرفة حدود النفس وعلاقتها بالتعبير الفني، لقد كانت لهذه الفترة طبيعتها التعبيرية المباشرة بسبب من الأحداث العصيبة التي مر بها العراق، الملاحقات والقتل وثماني سنوات من حرب جائرة مخجلة، بالإضافة إلى حياة المنفى المستديمة بكل ما تتضمنه من آلام حقيقية، جسدية ونفسية. كانت أعمالي تدور حول نقطتين جذريتين، تأكيد النفس والتعبير عنها، أي البحث عن الأسلوب والترويح عن النفس بتسجيل الموقف الإنساني. المواضيع كانت آنية، لكن تطغي عليها معان إنسانية بسبب من أزلية الموضوع، الأمومة، الولادة، الموت، المأساة، الحنين، الرغبات المكبوتة والمشاعر المضطربة. كان تأكيد النفس يجد ضالته في دراسة التراث الوطني والإنساني. كنت أبحث في الأرض السومرية وأجد المطلوب في الفن الإغريقي أو عند الفينيقيين العظماء وفردوس بلاد الفراعنة والفن المسيحي الشرقي والغربي والفنون الإسلامية. كل هذه الفنون كانت تتضمن معنى إنسانياً يخصني. كانت لذة البحث والاكتشاف كفيلة بأبعاد الحزن والاضطراب عن أعمالي نهائياً. أنا اليوم في حالة غيبوبة صوفية فنية مستمرة، أنا اليوم كمن يمسك الفكرة الخالدة بين يديه. المتعة الدائمة.


* في عملك الجداري المنصوب على ساحة حقوق الإنسان في مدينة ( Saint-Hilaire-de-Riez ) المجاورة لمدينتك التي تقيم فيها حاليا، ثمة رموز وتجسيدات وكتابات لها صلة بشخصيات عالمية.. أردت من خلالها التوكيد على قيمة الإنسان ومثله، سواء كان مشهورا أو مغمورا في هذا العالم. أرجو أن تحدثنا عن هذا العمل وكيف تم الاتفاق عليه مع فنان ليس من أصل فرنسي؟

ـ هذا العمل له قصة. لم تكن هناك ساحة باسم حقوق الإنسان في هذه المدينة ولا حتى فكرة بإقامة نصب في هذا المكان من المدينة. جاءت فكرة النصب وفكرة تسميته بحقوق الإنسان بعد قرار اقتناء عمل نحتي من معرضي الذي تناول موضوع الحصار، الذي أقمته بهذه المدينة في عام 1998، في البداية كانت الفكرة أن يعلق العمل النحتي البارز المحقق بمادة الحديد، الذي قامت باختياره واقتناءه مدينة سانت إلير دو رييه، كما هو، وحده، بدون أي إضافة، ثم بعد ذلك بقليل، جاءت فكرة إضافة أسماء لشخصيات لها علاقة بالدفاع عن حقوق الإنسان، تكون معمولة بالحديد ويتم تعليقها بجنب العمل الذي تناول موضوع الأمومة، كانت الفكرة أن تكون الأسماء بخط عادي مألوف، لا فنية فيه، لكني عملت هذه الأسماء بصورة لم تكن متوقعة، استخلصت من تجربة الخط العربي بإضافة معان جديدة من خلال شكل الكلمة المخطوطة، فجاءت الأسماء المخطوطة في موضوع فني يطرح أبعاد ملامح الشخصية المطلوب التعبير عنها، أسم ( نلسون ما نديلا ) جاء على شكل قناع أفريقي أو درع ( زولو ) واسم ( كاسان ) الحقوقي الذي كتب نص حقوق الإنسان، جاء على شكل ميزان و في اسم ( فكتور جارا ) نرى صورة الكفين والشعار الشيوعي ـ المنجل والمطرقة ـ واسم ( مهندس غاندي ) مكتوب بطريقة الكتابة الهندية بالإضافة إلى هيئة غاندي المعروفة، أما أسم ( الأم تَريزا ) كان قد اخذ موضوعاً لشخص يرزح تحت ثقل الصليب. علقت هذه الأسماء الخمسة الأولى على الجدار بجنب موضوع الأمومة وبهذا تحول هذا العمل الجداري إلى نصب لم ينته العمل به بعد. كان المفروض أن أعمل عشرة أسماء وينتهي العمل، لكن الظروف شاءت أن تكون حفلة التكريم قبل انتهاء العمل بالبقية الباقية من الأسماء، ففي أثناء هذا الحفل كان رئيس البلدية قد صرح بأن المدينة ستقوم، كل سنة، بتكريم شخصية معروفة تذكر بالدفاع عن حقوق الإنسان. فمنذ العام 1998 أعمل كل سنة أسماً جديداً من أجل تعليقه على هذا الجدار.


* التصوير وتتبع الأثر له مكانة في أعمالك، الكرافيكية أو الرسم، وبدرجة أقل في النحت والسيراميك، كما أن اهتمامك بالبحث الميداني لهذا الأثر جعلك تتبعه في دول الشرق وبحر المتوسط (الاردن، سوريا.. وغيرها) كم أثمر وأثر هذا البحث في اشتغالاتك المتعددة على خامات مختلفة.. وهل هو إنشداد للجذور، أم محاولة معرفة تطور أدات الإنسان الحضارية؟

ـ لم أفهم القصد من تعبير ” التصوير وتتبع الأثر في أعمالي ” فإذا كان القصد منه البحوث والدراسات التي قمت وما زلت أقوم بها في تاريخ الفن أو في دراسة طبيعة اللغة الفنية، فهي موجودة في أعمالي المتأخرة ، في أعال الزيت والكرافيك وهي أكثر حضورا في أعمال النحت والسيراميك، خير مثال، موضوع وشكل المسلة والموضوع النباتي والأشكال الهندسية، المربع والمثلث والمعاني التي تعبر عنها، أن مواضيعي تعتمد بصورة مباشرة على هذه البحوث، النظرية والميدانية، لا أستطيع الإبداع بمعزل عنها. الميدانية أكثر تأثيراً وغنىً، حيث يكون فحص الأثر عينياً وإذ يكون الاكتشاف شخصياً بدون واسطة كتاب أو صورة، لقد زرت الكثير من الأماكن والمدن الأثرية في الشرق والغرب ووقفت بنفسي على حقائق فنية لم تذكرها الدراسات، كان لها الأثر على سير دراستي وفهمي لطبيعة الفن، أيضاً، على طبيعة عملي الفني وأسلوبي الشخصي، ابتداءً من اختيار الموضوع حتى تحقيقه. إن اهتمامي بدراسة تاريخ الفن عموماً وبصورة خاصة البحث الميداني، لها دوافع نفسية ومعرفية، كان تأثير حالة الحنين إلى الوطن تدفعني نحو اختيار مواضيع لها علاقة مباشرة بأحداث الوطن، ثم اتسعت رؤيتي على المسائل النظرية في الفن القديم، الوطني والعالمي. أنها كما تقول إنشداد للجذور أيضا محاولة لفهم طبيعة العمل الفني، في بداياته.

* حدثنا عن مشروع ورشة الكرافيك والسيراميك التي عملتها منذ سنوات ماضية.. هل هناك استجابة من بعض الفنانين بالتعاون، أو عمل مشروع مشترك، أو اقامة بينالي خاص؟

ـ في البداية كان المشغل يقتصر على نشاطين عمليين، الكرافيك والتصوير أي الرسم، أيضا، هناك نشاط ثالث هو إقامة معارض لأعمالي وأعمال تلاميذ المشغل من الفنانين أو طلبة الفنون الجميلة ولفنانين من معارفي ممن لا علاقة مباشرة لهم بنشاط المشغل. لقد تخرج من هذا المشغل فنانون شباب، هم الآن في سبيل الشهرة، مثل ( رينالد درييز Raynald Driez ) الذي تم اختياره من قبل كالري دبورا زافمان ( Deborah Zafman ) في باريس، للمشاركة في صالون سليك 07 ( 07 Slick) للفن المعاصر في بلفيلواز ( Bellevillois ) في باريس في تشرين الأول ( أكتوبر ) من هذا العام. أخذ المشغل، منذ بعض سنوات، مساحة أوسع ونشاط أضافي، النحت والسيراميك، اللذان أخذا القسم الأطول من وقتي ومن نشاط المشغل، لقد نجحت بإثارة اهتمام البعض من الفنانين الأصدقاء، الفرنسيين والعراقيين، في أقامة نشاط مشترك أو العمل على إنجاز مشاريع مشتركة، لقد زار المشغل في الأسابيع القليلة الماضية الفنان العراقي ( يوسف الناصر )، الذي وجد أن زيارة ثانية إلى المشغل تكون ضرورية ومثمرة، أيضاً زارني الفنان العراقي ( صادق طعمة ) الذي تركني راجعا إلى لندن حيث يعيش ويعمل وفي مخيلته أفكار لنشاط أبداعي ورغبة بالعودة من أجل تحقيقها بمادة الفخار، والأهم المشروع الذي ستعمل على تحقيقه في مجال الكرافيك، الفنانة والشاعرة الصديقة ( رملة أمير الجاسم ) ابتداءً من منتصف تشرين الثاني ( نوفمبر ) وهو استخدام قصائدها في أعمال تشكيلية، الذي سيكون مادة لكتاب فني تعرض صفحاته بصورة منفردة كما ستجمع في كتاب مطبوع باليد وبعدد من النسخ لا تتجاوز العشرة، أيضاً إنه مشروع لكتاب ستقترحه الفنانة إلى إحدى دور النشر. ربما وفي الوقت الذي ستتواجد به رملة في المشغل سيكون الفنان الفرنسي الشاب ( رينالد درييز ) آنف الذكر، الذي سيحقق عددا من أعمال الكرافيك من الحجم الكبير.
كنت قد أقمت في مكان المشغل القديم، بحكم موقعه في وسط المدينة، معارض كثيرة، لي وللأصدقاء ومنهم صديقي الفقيد ( جان بليشار ) ( Jean Plichart ) وصديقتي الفنانة الفرنسية من أصل أمريكي ( ليسلي إكسوَربْ ) (Leslie Xuereb ) وآخرين من فناني المنطقة، لكنه كان صغيراً لا يشجع على ممارسة نشاط مثل النحت أو السيراميك، فغيرته إلى هذا المكان الذي أنا به الآن والذي يكبره بعدّة مرات، لكنه غير صالح لإقامة معارض لوقت طويل لأنه منعزل قليلا عن حركة الناس. أما فكرة تنظيم معارض سنوية خاصة بالكرافيك أو معارض لفنانين عراقيين، فهي فكرة مطروحة ما زالت تنتظر إجابات واضحة من البعض من مسئولي الثقافة في المنطقة.

* ماذا عن تجربتك في فن الرسوم المتحركة ؟


ـ تجربتي في هذا المجال الرائع تصاحبت مع ابتداء نشاطي الفني في فرنسا، كنت مهتما مثل الكثير من فناني مجال الصورة المعاصرة لسني الثمانينات، بالبحث ومحاولة أبداع طبائع جديدة لمادة الصورة، على وجه الخصوص، الصورة الفوتغرافية، الشيء الذي دعاني إلى تحقيق حلماً قديماً ، هو دراسة حرفية سينما التحريك وإنتاج أفلاماً في هذا المجال، كنت قد حققت عدداً من الأفلام القصيرة جداً، كانت بالغالب حقول بحث في حرفيات جديدة في صناعة الصورة المتحركة، مثل استخدام النحت البارز بالخشب، أيضاً، بمادة الطين والباستيل وأقلام الأحبار الملونة والفوتوكوبي والتصوير الفوتغرافي المحور وحرفيات أخرى عديدة سمحت لي تطوير حرفية الرسم على الشريط الفوتغرافي الخام وتثبيته على الورق الفوتغرافي ومن ثم تصويره صورة فصورة بواسطة جهاز تصوير سينمائي خاص بذلك. الرسم على لشريط الخام هي الطريقة الحرفية التي حققت بها فيلم ( بيروت ، صيف 82 ) في عام 1985 . تناول هذا الفلم موضوع حصار بيروت من قبل القوات العسكرية الإسرائيلية في صيف 1982، كما ينبأ عنوان الفيلم، بأسلوب واقعي يقترب في تشكيل الصورة وطبيعة المشهد من الأسلوب الصحفي الإخباري، لكن يختلف عنه في العرض الفني حيث نندهش من وجود سيناريو داخل السيناريو، يتحقق في رسوم أطفال الملجأ التي ستتحرك مقدمة لنا سيناريو يعبر عن حقيقة مشاعر أهالي بيروت أثناء واقعة هذا الحصار التاريخي. اعتمدت في عمل السيناريو على المعلومات في المقالات المنشورة في العدد الخاص حول حصار بيروت في مجلة الطريق اللبنانية للعام 1982 ومنها مقال الكاتب والشاعر الأردني غالب هَلَسا حول تجربته مع الأطفال في الملجأ، أثناء الحصار، ودعوتهم إلى الرسم. لقد شارك هذا الفيلم بمهرجانات وطنية فرنسية وعالمية وقد حاز على الجائزة الأولى في مهرجان صغير في مدينة أنجيه ( مهرجان جان فيلار للرسوم المتحركة ) وقد عرض في صالات فرنسية عديدة، باريس، ليون، أنجيه، نانتس، رين، وأماكن خاصة وعامة، طول مدة الفيلم عشرة دقائق.
www.abbas-bani-hasan.com