الرئيسية » مقالات » عن الجرائم (الحضارية) و الإنكار

عن الجرائم (الحضارية) و الإنكار

ترجمة : مازن كم الماز
ز نت , تاريخ 9 كانون الثاني يناير 2008

قتل أب مسلم متحمس ابنته في تورنتو أثناء ثورة غضب بسبب رفضها ارتداء الحجاب . كان “صائدو الذباب” العنصريون المعادون للإسلام أسياد اليوم , أنكر قادة إسلاميون أن لهذه المأساة أية علاقة بالإسلام , فيما التزم الكثير من الناشطات النسويات الكنديات و ناشطي حقوق الإنسان و اليساريين بالصمت كيلا يتهموا برهاب الإسلام أو العنصرية .
تراوحت تقارير الإعلام و التعليقات من بعض الإدانات غير المتحفظة لهذا الفعل الفظيع من العنف الأبوي و الاعتقادات الحضارية و الدينية التي وراءه إلى الاستهجان الحذر , الذي يصر على أنه ما هو إلا مثال آخر عن النموذج العام للعنف ضد النساء . ما يزال آخرون يعتبرونها حادثة معزولة , محذرين من أن نقفز منها إلى أية استنتاجات .
لا شك أن العنف ضد المرأة هو مشكلة اجتماعية متجاوزة للحدود بين الحضارات يعود أصلها إلى السيطرة الأبوية على المرأة . في هذه الحالة فإنها تستخدم التبرير الديني , قواعد السلوك الأخلاقي الإسلامي , لتسلب حياة مراهقة تمردت على فرض قواعد اللباس بالقوة , قواعد رأى والدها أنها مركزية لإيمانه .
الواقع هو أننا في كندا نواجه مشكلة متزايدة و جدية جدا في تصاعد الحماسة الدينية . إن تعدد الثقافات في كندا , و التي فشلت في مواجهة العنصرية و رهاب الإسلام , تتقدم تدريجيا نحو تبني تعدد ثقافات يقوم على الإيمان , سامحة بتشكيل غيتوهات حضارية منيعة على التفحص الاجتماعي و القانوني ضد انتهاكات حقوق الإنسان . تخدم هذه السياسات مصالح القادة المسلمين المحافظين . متمتعين بالاعتراف الرسمي من مستويات مختلفة من الحكومة فإنهم يرفضون علنا القواعد المدنية للسلوك و يبشرون بفهمهم الظلامي و المتصلب لطاعة الوالدين و الحياء إلى جمهور يكافح للتكيف في الشتات .
إن بعض التعليقات التي أدلى بها بعض القادة الدينيين في مؤتمر صحافي بعد مقتل أقصى برويز كانت توضيحية إلى حد كبير . فقد دعموا هذا العمل بشكل غير مباشر بتحذيرهم من أن الثقافة لا يمكنها أن تحل مكان الدين و أصروا على أتباعهم أن “يقنعوا” بناتهم بارتداء الحجاب .
تمثل حالة أقصى برويز مثالا يكشف عن حياة الكثير من أطفال المهاجرين المسلمين الذين جاؤوا إلى كندا في التسعينيات أساسا و الذين يتقدمون في السن اليوم . تتأثر الأغلبية العظمى بشكل حتمي بالنماذج الثقافية و السلوكية الكندية السائدة . كثير من الآباء ليس لديهم أية مشكلة مع هذا و يتبنون خليطا صحيا من ممارسات حضارية أوسع إضافة إلى تلك التي تخصهم . لكن عددا متزايدا من العائلات المحبطة من الظروف الصعبة للحياة و تحت تأثير الأئمة المتشددين المستوردين , تريد القيام بالمهمة المستحيلة بتكرار نمط حياتهم الماضي في البلاد التي نشئوا فيها . إنهم يحاولون فرض “خياراتهم” على أطفالهم . كثير من هؤلاء الكنديين الصغار , خاصة الفتيات و النساء , يعيشون حياة مزدوجة فعليهم أن يخفوا مشاعرهم الفعلية و أن يخضعوا لفرض آبائهم .
أزالت قضية أقصى برويز القناع عن قضية امتثال امرأة مسلمة لما يريد والدها منها أن تلبسه و من هنا جاء تعرضها لأقسى عقاب يمكن تخيله على يديه .
يحتاج المجتمع الكندي و واضعو السياسة العامة فيه و بشكل عاجل أن يتفهموا و يقدروا التنوع الثقافي الملحوظ للناس الذين جاؤوا من دول ذات أغلبيات مسلمة و نظراتهم المختلفة للتقاليد الإسلامية و درجات تدينهم و علمانيتهم . في الإسلام نفسه قراءات مختلفة منذ البداية تقريبا مع قراءة متشددة حرفية و صارمة من جهة و قراءة تفسيرية عقلانية على الجهة الأخرى . لقرون كانت هذه القراءة الأخيرة هي السائدة بين الأغلبية العظمى من المسلمين . فقط في العقود الأخيرة أدت الخيبات السياسية و الاقتصادية و السياسات الإمبريالية تجاه المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية و التسلطية و القضية الفلسطينية التي بقيت بدون حل , أدت هذه جميعا إلى صعود الإسلام الصارم الشمولي المغرق في المحافظة .
إن اعتبار هذا الصوت على أنه صوت كل المسلمين هو خطأ قاتل و له نتائجه الرهيبة . أسوأ من ذلك فسواء عن اطلاع أو عن غير اطلاع , فإن الانصياع لمطالبهم باسم احترام تراثهم الثقافي يعني التنازل في مبادئ مساواة المواطنين أمام القانون و أفكار حقوق المرأة التي جرى الفوز بها بصعوبة . و حتى أسوأ من ذلك فإن تجاهل الممارسات الحضارية الوبيلة كما يفعل بعض اليساريين و بعض الناشطات النسويات يعني احتمال ما يفعله الآخرون الأشياء التي هي غير محتملة بالنسبة لنا “نحن” . إنها تروج للسيطرة الأبوية على النساء اللواتي كن غير محظوظات كيلا يولدن ذوات بشرة بيضاء أو غربيات . إنها تلغي قوة ملايين النساء ( و الرجال ) من كل المجتمعات المسلمة من دون استثناء , الذين أطلقوا أكبر تحدي يستحق الإعجاب للتفسير المحافظ الكاره للنساء للتقاليد الإسلامية القانونية و الأخلاقية . إن العدول عن المواقف العنصرية عن التفوق القومي و الحضاري يمكن أن يتم من دون تبني موقف عدم التدخل .
يجب على كل مستويات الحكومة في كندا أن تعترف بهذه الحقائق و أن تتخلى عن عادتها بالإصغاء فقط إلى أكثر الأصوات المحافظة داخل الجالية المسلمة الكبيرة . يمكن أن تكون الأسرة , و هي غالبا كذلك , مكان أكثر اضطهاد جدي خاصة و أن انتهاك الحقوق في هذا القطاع “الخاص” يجري غالبا بالمشاركة النشيطة من الأمهات .
إن سياسة الحكومة في هذه القضية و في قضايا مشابهة هامة جدا حيث يجب أن تكون تأديبية و تعليمية . سيظهر موقفها الحازم ما يمكن تحمله و ما لا يمكن تحمله في هذا البلد , بغض النظر عن أي قيم ثقافية مقدسة أو دينية تكون محلا للخلاف . كما أنه سيرسل رسالة قوية لأفراد الأسر المسلمة و للمبشرين المسلمين و إلى منظمات المجموعة التي تدعم الحماسة الدينية عن نتائج إذعانهم و تبشيرهم و دفاعهم .


هدية موغيشي : بروفيسورة في علم الاجتماع و دراسات المرأة في جامعة يورك و كاتبة الكتاب الحائز على جائزة “الحركة النسوية و الإسلام الأصولي” و مؤلفة مرجع من 3 مجلدات عن النساء و الإسلام .
شهرزاد مجاب : بروفيسورة و مديرة معهد دراسات المرأة و الجنس في جامعة تورنتو و الكاتبة المساعدة لكتاب : العنف باسم الشرف : التحديات النظرية و السياسية .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.zcommunications.org/znet/viewArticle/16155