الرئيسية » مقالات » الماركسية و الديمقراطية

الماركسية و الديمقراطية

* ( مفكر و ناشط ثوري تروتسكي , توفي مع مطلع الألفية الثالثة )
من كتابه
الماركسية في الألفية الجديدة
الفصل 13
الماركسية و الديمقراطية

بعض الاشتراكيين الأتراك, من أصدقائي , أخبروني أن هناك اعتقادا شائعا في تركيا أنه ما أن تنضم البلاد إلى المجموعة الأوروبية فإن هذا سيكفل الديمقراطية . قبل البحث في هذه الحجة أرغب بتطوير صورة أكثر شمولية عن العلاقات بين الديمقراطية و التغيير في المجتمع .
ابتكرت كلمة الديمقراطية في أثينا القديمة , و هي تعني ” حكم الشعب”. لكن لا العبيد , ولا النساء أو المقيمين غير الأثينيين كانوا مخولين بأن يصوتوا في هذه الديمقراطية .
إن الاقتراع العام بحد ذاته لا يضمن حكم الشعب . في الواقع فإن نابليون الثالث استخدم الاقتراع العام ليفرض ديكتاتوريته عبر الاستفتاء العام : لقد حركت الدولة المركزية المقاطعات المتخلفة ضد باريس المتقدمة . بشكل مماثل فإن بيسمارك الذي أدخل الاقتراع العام إلى ألمانيا , استخدمه لتقوية سلطة القيصر و الأمراء و العسكريين ضد اشتراكيي برلين .
عندما ينظر المرء إلى الدول الرأسمالية الديمقراطية كبريطانيا , فرنسا أو ألمانيا يجد أن هناك حق تصويت عام , أعضاء البرلمان ينتخبون ديمقراطيا لكن الديمقراطية صورية و لا تتجاوز القشرة . أعضاء البرلمان ينتخبون لكن القضاة , و ضباط البوليس و قادة الجيش فلا . و فوق كل شيء , ليس للشعب الحق في أن ينتخب ديمقراطيا رئيس المصنع , و لا أن يزيحه إذا أراد . الرأسماليون و البروليتاريون متساوون في نظر القانون . عندما يقول القانون ” لا يسمح للفقير أو الغني بالنوم في الحديقة” فرسميا هم متساوون . بنفس الطريقة , عندما يقول القانون ” كل شخص , غني أو فقير مخول بالبقاء في فندق ريتز”, فالقانون لا يميز ضد الفقراء .
إن قطب الصحافة في بريطانيا لديه صوت واحد فقط كسائر المواطنين . في الواقع فإن روبرت مردوخ , الذي يتحكم في إمبراطورية إعلامية ضخمة – جريدته اليومية الصن the sun تبيع أربعة ملايين نسخة يوميا , بالإضافة إلى أنه يملك التايمز the times , و أخبار العالم the news of the world ذات التوزيع الكبير, و الصندي تايمز the Sunday times- لا يملك صوتا لأنه يحمل الجنسية الأمريكية , و التي اختارها لأغراض تجارية . يدفع العمال البريطانيون 23% من أجورهم كضريبة دخل و 10% للضمان الوطني .
يدفع روبرت مردوخ 5و0 % فقط من أرباحه كضريبة كونه سجل شركاته في ضريبة مرفأ جزر كايمان . بالطبع فالرأسماليين و العمال متساوون بنظر القانون . و بالطبع فعامل المطبعة الذي يعمل لمردوخ ليس بغير مفضل قانونيا . أنا جاهز للمراهنة أنني إذا توجهت للألعاب الأولمبية و تسابقت ضد لينفورد كريستي , أسرع عداء مسافات قصيرة في بريطانيا , فسأهزمه , رغم أنني في الثانية و الثمانين من العمر, بشرط أن أجلس في سيارة جيدة مع سائق جيد .
فوق كل ذلك , فالديمقراطية الشكلية لا تلغي اضطهاد الشعوب أو الأعراق . في روديسيا ( حاليا زيمبابوي ) لدى ال 200,000 أبيض حقوقا ديمقراطية . هذا لا ينفي أو ينهي اضطهاد خمسة ملايين أسود . على العكس فهو يقوي وحدة البيض في مواجهة السود .
إن حقيقة أن إسرائيل دولة ديمقراطية لا يعني أن الثلاثة ملايين فلسطيني الذين طردوا من ديارهم بيد ذات الدولة لهم الحق بالعودة إلى أراضيهم , أو الحق بتقرير مصيرهم . إن المحك الفعلي فيما إذا كانت الديمقراطية الرائجة تزداد قوة هو الدرجة التي يحصل فيها المضطهدون على قوة فعلية . كتب لينين في عام 1902 أنه عندما يضرب العامل لأجل أجره فهو يكون ببساطة نقابي . و لكنه عندما يضرب ضد ضرب اليهود يكون عندها اشتراكي ثوري حقيقي. و قد ذهب للقول: ” نحن المدافعون عن حقوق المضطهدين” في دولة حيث يوجد شعب مسيطر و شعب مضطهد فإن الواجب المركزي للاشتراكيين الذين ينتمون للأمة الغالبة هو النضال لأجل تقرير المصير للمضطهدين . لأجل توحيد البروليتاريا بين الشعب المضطًهد و المضطٍهد من الضروري لبروليتاريا الشعب المضطٍهد أن تؤكد على حق الشعب المضطًهد بالانفصال , فيما على بروليتاريا الشعب المضطًهد أن تدافع بقوة عن الوحدة مع بروليتاريا الشعب المضطٍهد .
إن الشرط المتقدم لما سبق هو أن اضطهاد شعب لا يلحق الضرر ببروليتاريا الشعب المضطًهد فحسب بل أيضا ببروليتاريا الشعب الحاكم . إن عاملا أبيض في الولايات المتحدة هو محظوظ بالمقارنة مع عامل أسود . هذا مرئي بشكل أكثر وضوحا في تكساس منه في نيويورك , حيث الأجور, الوظائف و السكن بالنسبة للعمال البيض أفضل منها بالنسبة للعمال السود في تكساس . و لذلك و بحسب الظاهر فبالطبع يستفيد العمال البيض من اضطهاد العمال السود . و لكن الأجور و صعوبة ظروف العمل و السكن بالنسبة للعمال البيض في تكساس أسوأ بكثير منها في نيويورك .
إن المفتاح لديمقراطية شعبية , حقيقية و فعالة هو في نضال العمال الموحدين عبر الأعراق و القوميات و الأجناس .
عندما شاهدت التلفزيون و رأيت التأثير الرهيب للزلزال في على شمال غرب تركيا السنة الماضية , كان من الواضح أن الزلزال ألحق ضررا رهيبا ببيوت الفقراء سواء أكان ساكنيها من الأتراك أم الأكراد بينما بقيت بيوت الأثرياء دون ضرر . كما أظهرت الصور بوضوح دور الجيش . الجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في الناتو , يفوقه فقط جيش الولايات المتحدة . عندما يعود الأمر إلى الزلزال يمكنك مشاهدة الجنود يحضرون بسرعة لحفظ النظام مع بنادقهم , و ليس مع البلدوزرات لإنقاذ الأرواح .
إن انضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة لن يعزز , بأية طريقة , النشاط الذاتي للعمال . فيم المفتاح بالنسبة للماركسيين هو النشاط الذاتي لجمهور العمال . بالطبع إن أي حق ديمقراطي مهما صغر يجب أن يثمن . لكن ديمقراطية الجماهير الحقيقية لا يمكن أن تحقق إلا بعمل الجماهير . كما وضعها ماركس:” إن تحرير الطبقة العاملة هو من فعل الطبقة العاملة”.
إن نظام التعليم التقليدي بأكمله يقول أن التاريخ يصنع من الأعلى . فنحن نتلقى العلم عن التاريخ و الملوك , الأباطرة و الجنرالات . لذلك فوهم أنه إذا ما جلس رئيس وزراء تركيا مع توني بلير أو غيرهارد شرويدر أو جوسبان فهذا سيرفع الديمقراطية الحقيقية هو مجرد وهم لا بد أن نلغيه .
لا يمكن للعمال أن يحوزوا على السلطة بالخداع , من خلف ظهر التاريخ , و لكن فقط بالصراع الطبقي.

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن أرشيف توني كليف , من أرشيف الماركسية على الإنترنت