الرئيسية » مقالات » مسلات الفنان عباس باني حسن

مسلات الفنان عباس باني حسن

في مدينة فرنسية صغيرة على شاطيء المحيط الاطلسي يعيش الفنان العراقي عباس باني في شبه عزلة، يعمل بصمت وجدّ وبلا اضواء لا يتسع يومه للبحث عنها ، ،علمته تجاربه ان يقف في مسعاه وانتاجه ومباحثه على مسافة امينة من عالم الفن العربي والفنانين العرب ، يكافح من اجل فرص العرض والعمل، ويحيط نفسه بعالم صغير لكنه اليف ومتناسق وفعال ، بناه عباس برعاية ودقة على مدى اكثر من ثلاثين عاما هي عمر منفاه ، يضع بين يدي زوّارة القليلين سلسلة طويلة من النجاحات والخيبات … مشاريع كثيرة منجزة بالرسم والسيراميك والنحت والطباعة واخرى في طور الانجاز ..كتابات ودراسات ومشاريع مقالات … اوراق وكتب وقصاصات وصحف في كل مكان في البيت والمشغل الكبير.

في مقال بعنوان( جادة الضوء) كتب ناقد فرنسي يدعى ( جان بليشار) عن عزلة الفنان :

“جاء عباس باني إلى حافة العالم مثلما يجيء المرء إلى حافة الماء في أمل العثور على الطمأنينة. أعطى ظهره إلى عراق مولده ولم يتوقف سعيه إلا في غرب الأرض الأوربية، هنا، حيث فرنسا تنتهي برمال ( فنديّة ) ممنوحة إلى هياج المحيط العظيم. رحلة بدون رجعة ممكنة ستدوم بعض عشرة سنة. كان هذا زمن الاكتشافات ، اللقاءات والتجارب. كان هذا، أيضاً، زمن المحاولات والحيرة وبعض الأحيان الشك. تاركاً بلاده، أهله وثقافته ومن ثم العيش… الرسم ! مسيرته الطويلة منثورة بمحاولات براقة في سينما التحريك، أفلام قصيرة، بدايات غالباً بدون غد، متابعات واعدة لكن غير مكتملة، ثم في بعض المرات، ثمة عمل مميز في التصوير أو في النحت له ذوق النادر”.

“إن جرح الهجرة عميق وإن انفتاحه، البطيء، على الثقافة الأوربية، لم يجعله يتجرد عن طبيعته الشخصية؛ يعرف باني إنه يحمل دائماً في ذاته خمائر لعمل خطر ومؤلم”.

“روحه قلقة لا تنسجم مع فن يستند على الخطابات. إنه يريد من خلال أعماله أن يقول لنا شيئا مدويا بأي حال. التصوير هو حالة طوارئ. فكل صورة هي تشخيص ضروري يروي مأساة الأحداث؛ المذابح، التعذيب وجنون الرجال المدفوعين بحب الحروب “. انتهى كلام الناقد الفرنسي.

انقطعت عن صداقة عباس باني منذ اواخر السبعينات قبل ان نهرب من العراق , وكنت عرفته قبل ذلك بسنوات عندما كان طالبا في معهد الفنون الجميلة ومصورا متجولا في الشوارع والحدائق والمقاهي ، يلتقط صور العابرين لقاء مبلغ زهيد ويعطيهم ايصالا لاستلام الصورة فيما بعد من احد الاستوديوهات التي كان يتعامل معها، وكان يبيع الكتب من كشك صغير وبسطة على رصيف شارع السعدون كنا نسميها (مكتبة عباس) التي احتلت حيزا طيبا في حياة المدينة الثقافية انذاك، ولم التق به او اسمع اخباره لاكثر من ثلاثين عاما حتى منتصف العام الحالي 2007 حيث جلسنا متقابلين مرة اخرى.
ضحكت وانا اكاد اسمع سؤاله التالي الذي هو سؤالي ايضا ( شكو ماكو؟ ) ، لكنها قصص وافكار وشؤون ثلاثين عاما ! ( قلت بيأس)، من الافضل ان نتحدث عن اي شيء امامنا ، عن الصيادين ، المقهى او اخبار الاصدقاء .
لم يثنه صمتي وياسي امام المهمة الجسيمة وبدا وكانه كان منتظرا فرصة هذا اللقاء .
بذات حركات الايدي التي بقيت رغم السنين وذات نبرة الصوت وذات الانفعال الذي لاينطفىء بدأ الصديق القديم وبدات اتعرف في حركاته وصوته وحرقته شظايا وتفاصيل انستني اياها السنين الطوال بدأ من (طقطق ) ولم ينته ب( السلام عليكم ) تحدثنا عن اشياء لا تنتهي ، عن الايام القديمة ، الاصدقاء ، الدراسة والفن والغربة والاهل والصحة والمشاريع وامتد حديثنا ساعات وايام .
وجدت ظلالا لبعض افكار عباس ومباحثه الناضجة والمتطورة في حوارات واهتمامات الايام القديمة، كدت المس جذور بعض الرؤى والتصورات وارى ارهاصاتها الاولى في فورة شبابنا الثقافية في السبعينات، لكني اراها هنا وقد انضجتها الثقافة والبحث وخبرة الحياة المتسعة. تغيرت اشياء كثيرة، بطبيعة الحال، واختفت اشياء وظهرت اخرى، لكن داب عباس على القراءة والبحث ورؤيته لنفسه من هذه الزاوية، زاوية المثقف الفنان الباحث بقيت لم تتغير.
وجدت من خلال الحديث الطويل انه عكف خلال السنوات الاخيرة على البحث في موضوع النصب العراقية القديمة ، المسلات على وجه الخصوص ،من اجل سلسلة طويلة من اللوحات والنحوت والخزفيات التي بدا بانجازها. وقادته مباحثه الى مناطق لم يكن قد خطط لها حيث وجد نفسه مستغرقا في حياة وفن وديانة واساطير العراقيين القدماء، الامر الذي اوصله الى مسلة معاصرة تصنعها افكار واسئلة وهموم الحاضر .
وقد رايت ان يكون موضوع المسلة محور الاسئلة التالية التي وجهتها الى الفنان عباس باني:


* أنت فنان باحث، بمعنى انك تدرس نظريا مادة مشروعك الفني الجديد.
وقد علمت منك انك بحثت مطولا في موضوع المسلة العراقية القديمة قبل ان تبدأ عملك الفني حول المسلة والذي استمر عدة سنوات حتى الان وانتجت فيه اعمالا كثيرة وكان للسيراميك الحصة الأكبر فيه .
أين أوصلتك بحوثك النظرية في الموضوع ؟

– تعتمد العملية الفنية في أنجاز مهمتها بالتعبير عن النفس الإنسانية على مسالك في مستويات متنوعة من التفكير والفهم لشروط حياة الإنسان في المجتمع ومكانته التاريخية. هناك رسوم الأطفال الذي يغلب عليها طابع السرد أن كان على طريقة الوصف أم التعبير الرمزي للموضوع، إنه أسلوب تعبير طبيعي يفتقر للنظرية وليس بحاجة لها، أيضاً نجد هذا النوع من التعبير الفني على مستوى مختلف، في رسوم الهواة والأغلبية الساحقة من الفنانين المحترفين، في حين، نجد الفنون القديمة، السومرية، الفرعونية، المسيحية الشرقية والغربية، الإسلامية وعند حضارات عديدة أخرى، تعتمد على النظرية في التعبير والإنجاز الفني، أي أنها تتبع مفاهيم معرفية عامة، تنتمي إلى مجتمعاتها، في عملية التعبير الفني، الشيء الذي أفتقر إليه الفنان التشكيلي الحديث ويفتقر إليه الفنان المعاصر الذي يعتمد على تعبير ذاتي محض ينقصه عنصر المخاطبة الواقعية واللغة الفنية المفهومة والمشتركة، بسبب مقاطعته للماضي الحضاري باسم الحداثة والمعاصرة والذوق السليم والمفهوم اللا واقعي لمعنى الحرية بالعمل الفني، الذي جعله معزولاً عن المجتمع المعاصر الذي ينتمي إليه وبعيد عن حاجته الجمالية. إن الوقوف على هذه الظاهرة دفعني إلى المحاولة بإقامة علاقة معرفية، لغوية فنية، بيني وبين فناني حضارات الماضي البعيد. إن الطريقة الأسمى في أعادة التواصل الطبيعي هو دراسة الظاهرة الاجتماعية الحضارية المعاصرة وضرورة ربطها بالماضي الابتدائي، أي محاولة اكتشاف ملامح الموروث كممارسة يومية، ومحاولة تتبع مساره في التاريخ، إن فكرة دراسة واستخدام التراث الإنساني كفيلة بخلق لغة مفهومة مشتركة بين الفنان والمجتمع.

* موضوع المسلة دراسة في التاريخ أولا، كيف استفدت من الالمام بالجوانب النظرية في معالجة موضوعك الفني؟

– لم استخدم شكل المسلة اعتباطاً، أي أني لم أتأثر بها كشكل حسب، إنما كمعنى يتوافق مع أسلوبي في التعبير الفني، هو البحث عن سطح معبر في موضوع مستقل، إن طريقة التفكير هذه دعتني للبحث في عالم الأشكال المعاصرة والقديمة ، ففي معرضي حول الحصار كنت قد استخدمت شبكاً حديدياً كحامل للمواضيع الفنية التي تناولت الظاهرة العامة لمأساة حياة العراقيين من خلال مواضيع إنسانية أزلية تجمع بين الولادة والأمومة والحب والموت، طريقة التفكير هذه سبقت اكتشافي لمعنى المسلة السومرية والبابلية في تمثيل إله السماء وحضوره الدائم في اللغة الفنية. إن اكتشافي معنى المسلة، الخاص والعام، هو الذي دعاني إلى استخدامها كموضوع في عملي الفني، فالمعنى الخاص ينحصر بتمثيل ( آنو ) إله السماء السومري، وهو اكتشاف ينتمي إلى الاجتهاد العلمي في دراسة تاريخ الفن، أما المعنى العام فهو الشكل الذي يقترب من تمثيل الجسد البشري في حالة انتصابه. في هذه المسألة، المعنى العام هو الذي يهمني نظرياً وفنياً، فالجانب النظري هو تعبير المسلة عن موضوع الإنسان الذي تدور أغلب مواضيع الفن حوله، أما الجانب الفني في هذا المعنى العام، فهو اهتمام شخصي يتعلق بطبيعة سطح المسلة وهو سطح ذو معنى ممكن له أن يخدم عملية التعبير الفني عندي، كتكوين وكمقياس، فبدلا من أن يكون العمل مربعاً أو مستطيلا أو دائرياً، كما هو متعارف عليه، يتخذ عندي سطحاً ينتمي إلى شكل جديد في ثلاثة أبعاد له معنى لموضوع مستقل ( موضوع الإنسان )، حيث أستطيع إسقاط أشكالي الفنية عليه. ففي اختياري لموضوع شكل المسلة، كنت أريد، أيضاً، الإشارة إلى اكتشافي لمعنى المسلة التي مثلت ( آنو ) إله السماء السومري والأهمية الفنية التي يتضمنها حضوره الدائم في العمق المسطح لأعمال النحت البارز السومري وأعمال التصوير في الحضارات القديمة ، من أجل الإشارة إلى وتأكيد أهمية البحث العلمي في العمل الفني.

* كيف تصبح مادة مغرقة في القدم كالمسلة اداة تعبيرية معاصرة، خصوصاً وانت تعيش وتعرض اعمالك في فرنسا ؟

– لا يختلف استخدام موضوع شكل المسلة في المعنى أو في عملية تقبله من قبل الجمهور الأوربي أو العراقي، إذ يقترب الاثنان من معنى شكل المسلة من خلال انتمائهم الإنساني، أن مادة شكل المسلة ليست بحكر على الجمهور العراقي، إن الأوربيين، والفرنسيون على وجه الخصوص، عندهم ما يشبه معنى وهيئة المسلة في تلك الأحجار التي تقترب من معنى شكل الإنسان، مثل أعداد المنير ( les menhirs ) في الكرنك ( Carnac ) في الشمال الغربي من فرنسا، تلك الأحجار المنتصبة بانتظام رائع يقترب من هيئات لمحاربين في جيش نظامي، فمن أجل استخدام مواضيع قديمة مثل المسلة أو المنير الفرنسي، يكون من الضروري حصرها في المعنى الذي يمكن له أن تفهم به، أي تمثليها الابتدائي الرمزي ( النظري ) لشكل الإنسان في انتصابه وهو المعنى أو الفكرة الأكثر حضورا ووضوحاً عند الجمهور المعاصر.

* هل اعتمدت في فنك رموزا ووسائل وموضوعات تنتمي لبيئتك المعاصرة وحياتك في فرنسا ؟

– باعتقادي إن المعارف العامة المتعلقة، تاريخياً، بالتعبير عن النفس الإنسانية، مثل مواضيع الولادة الموت والخلود التي تجتمع حولها أغلب معاناة النفس الإنسانية المضطربة، تتميز بحضورها وامتدادها كثقافة في مجموع المجتمعات الإنسانية، فالرموز الشكلية الخاصة بهذه المواضيع نجدها في كل مكان ضمن نشاط المجتمعات المعاصرة، أنها تنتمي طبيعياً كموروث ثقافي ونفسي إلى المجتمعات المعاصرة أن كانت غربية أم شرقية، فرنسية أوربية أم عربية آسيوية. لقد استخدمت أشكالاً ووحدات لغوية ورمزية قديمة بصورة معاصرة معتمداً في ذلك على طبيعة الحرية التي تكوّن العملية الفنية، فمن أجل التعبير عن معنى الوجود الأنثوي، أو التعبير عن المرأة كمعنى أولي وأزلي في العمل الفني، التجأت إلى الشكل الهندسي للمثلث والعدد ثلاثة ومعان إضافية لها علاقة بهذا المعنى والصورة الواقعية للمرأة وطرحها في تشكيل واحد متزن، طريقة التفكير هذه قادتني إلى تعبير شعري تشكيلي مؤثر ساعد على ديمومة العمل وتقبله الواسع عند الجمهور المشاهد.

* عشت في فرنسا حوالي ثلاثين سنة حاولت خلالها ان تكون جزأ من النسيج الاجتماعي حيث تعيش، ونجحت في ذلك، وكان عملك الفني اداتك الرئيسية في محاولاتك، ألا تفعل مادة المسلة التي تنتمي لعالم آخر وحياة مختلفة عكس ما تبتغي لنفسك وفنك ؟

– الأشكال الفنية التي تعبر عن موضوع الإنسان لها حضور دائم في التعبير الفني، أنها في سفر مستمر عبر التاريخ، المسلة، أي كان شكلها ومضمونها الاجتماعي التاريخي، تتضمن معنى لشكل الجسد البشري، ففي الأصل، عند السومريين كما عند البابليين، حسب المعارف القديمة والمعاصرة، مثلت هيئة منتصبة تقترب إلى معنى انتصاب جسد الإنسان، الشيء الذي يجعلها مقبولة كشكل فني معبر وليس كحاجة خدمت عصرها القديم، المسلة عندي، أي كان الشكل الذي أختاره، تتضمن تعبيرا ابتدائيا ومعاصرا لشكل الإنسان، إنها شكل نظري للإنسان، المرأة أو الرجل.

أنظر موقع الفنان عباس باني حسن : www.abbas-bani-hasan.com