الرئيسية » مقالات » الصبر مفتاح الفرج

الصبر مفتاح الفرج

جاءني وعيناه تتساقط منها الدموع كتساقط الندى من أوراق الشجر، وعلى وجهه سحابة ملبدة بالحزن والكآبة، ثم سلم، وفي صوته عزف حزن يُشعرك أنه ضاقت به الأرض بما رحبت، تعجبت من حالته لم أراه على هذه الهيئة من قبل، فسألته ما الخطب ؟ فأجابني بصوت مخنوق يكاد يُسمع، وهو يجهش بالبكاء : لقد تلقيت نبأ وفاة والدتي وكما ترى أنا بعيد لم استطع أن أرها.
هدأت من روعه، ثم قلت : اسمع مني هذا، لقد أصيب عروة بن الزبير رضي الله عنه، وهو أحد علماء وعُباد التابعين بمرض في رجله أخذ يشتد ويشتد، فاجتمع الأطباء عليه وقرروا أن به الآكلة ( الغرغرينا ) وليس هناك علاج إلا قطع رجله من الساق، فاخبروا عروة بذلك، فحمد الله، ثم عرضوا عليه شرب الخمر حتى يفقد شعوره أثناء البتر، فأبى واستنكر بشدة، وقال : كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابهُ ؟ واقترح عروة عليهم أن يقطعوها أثناء الصلاة !! وبالفعل عملوا باقتراحه، فبتر الرجل وهو ساجد، ولم يتحرك، وكان النزيف كثيراً، فوضعوا رجله في الزيت المغلي، ولكنه لم يتحمل حرارتها فأغمي عليه، وفي هذا الأثناء أتى الخبر أن الخيل رفست ابن عروة فقضى عليه وصعدت روحه إلى الجنة، وعندما استيقظ جاء الناس يعزه، وفي مقدمتهم الخليفة الوليد بن عبد الملك، فقال له الخليفة: أحسن الله عزاءك في رجلك، فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال الخليفة: وأحسن الله عزاءك في ابنك، فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ أعطاني سبعة وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

عندما سمع بقصة عروة رضي الله تفتحت بشرته، وتنهد تنهدة علمت من خلالها أنه ارتاح بعض الشيء، ولكنه مازال يتلاطم بين أمواج الصدمة، فقلت له : هل تعرني بعض وقتك حتى أُكمل ما بدأت به ؟
وراح عروة رضي الله عنه يتأقلم مع حياته الجديدة، وقد دخل مرت على الخليفة، فإذا برجل طاعنٍ في السن مهشم الوجه أعمى البصر، فقال الخليفة: يا عروة سل الشيخ عن قصته، قال عروة: ما قصتك يا شيخ؟ قال الشيخ: يا عروة اعلم أني بت ذات ليلة في واد وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً، فأتانا السيل بالليل، فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفلاً صغير وبعيراً واحد فهرب البعير فأردت اللحاق به، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل فالتفت فإذا برأس الطفل في فم الذئب، فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك، فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لألحق بالبعير فضربني على بخفه على وجهي فهشم وجهي، وأعمى بصري، قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا؟ فقال الشيخ أقول الله لك الحمد ترك لي قلباً عامراً ولسانا ذاكراً !!
نعم هكذا ليكن الصبر على الابتلاء يا أخوتي، وهكذا ليكن إيمانك بالقضاء والقدر….
اجعل الصبر مفتاحك عند كل الأمور.
وقبل كل شيء أتعرفون ما هو الصبر؟
الصبر في الأصل هو المنع والحبس، فالصبر عند المصيبة: هو حبس النفس عن الجزع والسخط، وعند المرض حبس اللسان عن الشكوى والضجر، وعند فقد عزيز حبس الجوارح عن لطم الخدود، أو شق الجيوب، أو دعوى الجاهلية.
أما عند العلماء فقد تعددت تعاريف الصبر، قال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وأورده ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين قائلا : هو الفناء في البلوى بلا ظهور، ولا شكوى.

فالصبر حلية الأولياء، وفضيلة الأتقياء، ووسام الشرفاء، وصفة الأنبياء، نعم لقد تحلى به الأنبياء والرسل، فهذا يعقوب عليه السلام صبر على فراق فلذة كبده يوسف عليه السلام، وهذا أيوب صبر على المرض، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم صبر عندما فارقه الأحبة، وصبر عندما آذوه قومه، وصبر على الجوع، وصبر …
يا أخوتي الدنيا لا تحلو إلا بخلق الصبر، ولا يتخيل هذا العالم بدونه، لو تخيلت الدنيا للحظة بدون الصبر لوجدت الحرمات تنتهك فالذي جعل السارق يسرق أنه لم يصبر على رزقه.
إذن الصبر ضرورة دنيوية، وضرورة دينية، وهو من خصائص الإنس كما قال الإمام الغزالي رحمه في إحيائه ( الصبر خاصية الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم ولا الملائكة، أما البهائم فلنقصانها، وأما الملائكة فلكمالها )
وهنا قد يستوقفني أحدكم بقوله هل يكون الصبر في مثل هذه المواقف فقط؟
لا ….. بل الصبر على أنواع ثلاث
1- الصبر على طاعة الله في الإتيان لكل ما أمر به يقول الله { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } البقرة (45)
2- الصبر على المعصية، وذلك بأن يعمل المؤمن على تحصين نفسه من كل ما هو مزيّن أمامه من الشهوات الدنيوية، والتي تكسب الإنسان ذلاً في الدنيا، وعذاباً شديداً في الآخرة يقول الله سبحانه { ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين } الأعراف (126)
3- الصبر على النوازل والمصائب لما في ذلك من الأجر العظيم، والثواب الجزيل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ))
ولكن قبل أن انهي مقالتي دعوني أدلكم على بعض الأسباب المعينة على الصبر، فمن سعة رحمة الله أن جعل للمصاب أشياء يتسلى بها ومنها:
1- اليقين بحسن الجزاء : إن يؤمن الصابر الإيمان الكامل أن الله أعد للصابرين أجراً عظيماً قال تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } الزمر (10)
2- التأسي بأهل المصائب: وهذا نافع جداً للمصاب بان يتأسى بغيره وهو مجرب، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( لكل فرحة ترحة وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً )، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عندما شكى إليه خباب بن الأرت شدة تعذيب المشركين له فقال (( قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه ))
3- اليقين بالفرج: ولقد علّمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كلمات الفرج فقال(كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الرش الكريم ))وقد وعد الله الصابرين بالسعة بعد الضيق، وبالعافية بعد البلاء، وباليسر بعد العسر فقال الله سبحانه {سيجعل الله بعد عسر يسراً} الطلاق7
ولله در القائل
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
4- أن تتذكر نعم الله عليك، وأن ترى مصيبة غيرك لتصغير في العين مصيبتك.

حتى لا أطال عليكم اكتفيت بهذا القدر من الوسائل المعينة على الصبر فهذا نقطة من بحر. ولكن دعوني اختم هذا المقام بالرد على السؤال الذي يطرح نفسه ماذا سنجني من وراء خلق الصبر؟ فلله در القائل
الصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل

1 – سوف نحصد من ورائها ثلاث بشارات من الله عز وجل كل منها خير من الدنيا وما فيها { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } البقرة (157)
صلوات من الله, ورحمته، وهدايته على الصابرين.
2- ضبط النفس عن الطمع لدى مثيرات الطمع فيها.
3- ضبط النفس عن الاندفاع وراء أهوائها وشهواتها.
4- ضبط النفس لتحمل المتاعب والمشقات والآلام الجسدية والنفسية.
وفي الختام يقول الله تعالى في الحديث القدسي (( إذا ابتليت عبداً من عبادي، فحمدني وصبر على ما ابتليته به، فإنه يقوم مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني قيدت عبدي هذا وابتليته، فأجروا له من الأجر ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح )) رواه أحمد في مسنده فالله اسأل بمنه وكرمه أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين والحمد لله رب العالمين.