الرئيسية » مقالات » بلعين …. والكفاح الجماهيري

بلعين …. والكفاح الجماهيري

يواصل اهالى قرية بلعين بإصرار، وبعناد منقطع النظير ، المرأة الفلسطينية ، والمزارعون، والفلاحون، والعمال، والمثقفون ، وبإسناد من مجموعات المتضامنين الأجانب ، احتجاجهم ونضالاتهم الجماهيرية الأسبوعية ، ضد سياسة نهب الأرض ، وإقامة جدار الفصل العنصري الذي يلتهم جزءا كبيرا من أراضيهم ويهدد حياتهم ووجودهم على أرضهم ، ويحيل حياتهم إلى جحيم ودمار ، والتي استطاعت بتنظيمها العالي ، وبإرادتها الصلبة ، وبقيادتها الجماعية ، وبلجنتها الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان ، أن تستصدر قرارا من المحكمة العليا الإسرائيلية في أيلول الماضي بهدم الجدار ، وبإعادة أكثر من ألف دونم من هذه الاراضى إلى أصحابها الشرعيين بفعل كفاحها الجماهيري الذي استقطب تأييد جزءا من الرأي العام العالمي ، دون أن يستفز وسائل الإعلام الجماهيرية الصحافية والإذاعية ، وفى مقدمتها تليفزيون وفضائية فلسطين إلا عبر نشرات إخبارية موجزة ومقتضبة ، ودون تسليط الضوء على أهمية هذا النموذج من المقاومة الشعبية ، وجسدت قرية بلعين ، بالفعل والعمل مقولة القائد والشاعر الشيوعي توفيق زياد ” الأرض والفلاح والإصرار اقانيم ثلاث لا تقهر، لا تقهر ” .

هذا النموذج من الكفاح الجماهيري لا يعيره اهتماما أصحاب الشعارات النارية ، والكلمات الجوفاء في الصمود والمقاومة ، ويعتبرونه أداة نضالية غير مجدية في مقاومة الاحتلال ، أو في التصدي للطغم القمعية المعادية للديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، وفى مواجهة مظاهر استغلال الإنسان لأخيه الإنسان . هذا النموذج الذي أثبت جدواه وفعاليته في العديد من البلدان التي تعرضت للاحتلال الاجنبى ، وفى إحداث التغيير، والثورة الاجتماعية ، والتصدي للحكومات الرجعية والقمعية ضد شعوبها ، واعتبر رافعة حقيقية في الدفاع عن الوطن ، وحقوق الإنسان ، وهو أحد أشكال النضال السياسي والاقتصادي والفكري.

وإذا كان البعض لا يروق له هذا النموذج من الكفاح الجماهيري ، ويستخف به لاعتبارات خاصة ، أو لجهل في نجاعته الكفاحية ، ويحاول أن يضعه في تعارض مع الفعل العسكري والعنيف ، ويحاول أن يفرض شكلا مقاوما وحيدا ،فان العمل العسكري كأرقى أشكال العمل السياسي يحتاج لمقدمات ، ومناخات داخلية ملائمة ، يكون تتويجا لها ، وبضرورة توفر الشروط الموضوعية والذاتية لاستخدامه . وإذا كان قانون المقاومة يعمل بمجرد تواجد القوات الغازية على الأرض ، فانه يحتاج لنضالات جماهيرية وشعبية لإنجاح المقاومة ، وتحقيق الأهداف ” في ظل ظروف معينة ، يكون العنف ضروريا ومفيدا ، إلا أن هناك ظروفا لا يمكن للعنف في ظلها أن يؤتى ثماره ” لينين.

لقد أثبتت تجارب الشعوب ، وحركات التحرر في العالم ، التي خضعت بلدانها للاحتلال الاجنبى ، أن النضال الجماهيري ، يوفر إمكانيات واسعة في مواجهة العدو المسلح والقمعي والقادر على البطش وإرهاب المواطنين ، وملاحقة المناضلين ، عبر مساهمته في تشجيع انخراط أوسع مشاركة حقيقية للجماهير الشعبية ، وكافة الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في التخلص من الاحتلال ، وفى استمرار النضال والكفاح ضده ، وفى نفس الوقت يسمح للقيادة باستخدام كافة الطاقات المتوفرة ، وبشكل فعال ونشط ، وهادف ، ومعرقل لتحركات العدو ، ويسمح بتطوير أدوات النضال المختلفة .

إن هذا النموذج من العمل الجماهيري والشعبي ليس وليد المرحلة الحالية في التاريخ الفلسطيني ، بل هو جزء من تاريخ البشرية ، في نضالاتها المختلفة ، وفى فلسطين ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية والقوى الرجعية ، وضد الظلم والقهر الوطني والطبقي ، وكان دائما أداة حقيقية في الصراع الطبقي ضد المستغلين والديكتاتوريين ، ومقدمة لثورات اجتماعية ، وانتفاضات مسلحة .

فالعمل الجماهيري والعمل المسلح أسلوبان نضاليان لكل منهما مقوماته وأهدافه ، وسماته التي يتمتع بها ، ومرحلته التاريخية المعبر عنها ، أسلوب يتعلق بعنصري الحركة الزمان والمكان ، واللجوء لهذا الأسلوب أو ذاك ، أو الدمج بينهما مرهون بطبيعة الأهداف الإستراتيجية والتكتيكية ، وبموازين القوى ، وبالقوى المحركة الأساسية للثورة الوطنية التحررية ، أو الثورة الاجتماعية ، وبالحلفاء ، وبمواقع الإسناد والدعم المحلية والدولية ، وان عملية الدمج ما بين الأسلوبين تحددها طبيعة المرحلة ومهامها ، والتي تتطلب وضع الخلاف أو التعارض بينهما جانبا ، فعملية التزاوج بينهما تصبح مهمة فهم طبيعة الصراع وأشكاله المختلفة .

العمل السياسي والكفاح الجماهيري هما رديفا للكفاح المسلح ، ومكملا له ، وإذا كانت الانتفاضة الأولى عام 1987 شكلت النموذج الساطع لنجاعة العمل الجماهيري والشعبي ، وبين قدرة الجماهير على مواجهة الاحتلال ، وأساليبه القمعية والوحشية المختلفة ، وعززت من ثقة الجماهير بقوتها ، وقدرتها ، ومشاركة القطاعات والفئات الاجتماعية المختلفة ، ودورها الايجابي في مقارعة المحتلين ، فان انتفاضة الأقصى عام 2000 لم تنجح في الجمع ما بين النموذجين ، بل وتصارعتا فيما بينهما ، مما ألحقت ضررا كبيرا ، وقادت إلى تراجع دور الجماهير الشعبية في الانتفاضة ، وتحولت الانتفاضة من انتفاضة شعبية وجماهيرية بإشكالها الكفاحية إلى مجموعات مسلحة ، فقدت بهذا بعدها الشعبي ، والجماهيري مما أضعفها ، وسمح للاحتلال بتنفيذ كافة أساليب الإرهاب لإجهاضها وإضعافها ، وسهل عملية ملاحقة المناضلين واصطيادهم ، وإحداث خسائر بشرية ومادية في صفوف الشعب الفلسطيني.

وإذا كانت المعركة الحقيقية في الضفة الغربية على الأرض الفلسطينية ، حيث المستوطنين والمستوطنات ، ونهب الاراضى ، وتهويد القدس ، وإقامة الجدار العنصري ، وعزل المدن والقرى والبلدات عن بعضها ، ومنع الشعب الفلسطيني من التواصل ، وعزله عن بعضه البعض ، والاستفراد بكل تجمع سكاني على حدة ، فهذه لا يمكن مواجهتها إلا بخطة كفاحية جماهيرية ، تستقطب كل فئات وشرائح شعبنا ، حتى لا يشعر المستوطنون بطعم الراحة ، وبضرورة أن يعيشوا في حالة من الخوف والقلق على مصيرهم طالما بقوا على الاراضى المصادرة من أصحابها الشرعيين ، ويتأكد لهم تصميم شعبنا على مقاومة الاحتلال ، وإزالة المستوطنات ، وإصراره على الدفاع عن أرضه ووجوده ، وهذه ليست مهمة قرية بلعين الصامدة لوحدها بل هي مهمة كل المدن ، والقرى والبلدات التي تتعرض بشكل مباشر أو غير مباشر لقطعان المستوطنين ، والتي تتطلب إعادة الاعتبار للكفاح الشعبي والجماهيري ، والاستفادة من تجربة بلعين الرائدة ، وباستنهاض كل القوى الوطنية ومكونات المجتمع المدني لمواجهة سياسة الاحتلال والاستيطان ، ونهب الأرض ، وإقامة المستوطنات والاعتداءات المتكررة على حياة الشعب الفلسطيني ،والعمل على استجلاب المزيد من المتضامنين من دول العالم لفضح السياسة العدوانية والتوسعية المعادية للسلام والأمن في المنطقة . 

غزة – فلسطين