الرئيسية » مقالات » العصا لمن (عصا)

العصا لمن (عصا)

مراقب
صدر التقرير الفصلي للمفتش العام المختص (لاعادة اعمار) العراق الذي يشار اليه برمز سيجير sigir. ومعروف ان الوكالات الاميركية المختلفة التي تخضع لرقابة هذا المفتش قد انتهى تفويضها من الكونغرس الامريكي في نهاية عام 2006 وقد مددت لاكمال مشاريعها بحلول نهاية هذه السنة لذا يعتبر هذا التقرير (سفرا) للاحتلال وعرضا كاملا لمسيرته خلال السنوات المنصرمة التي تقارب الخمس.
وقد مر هذا التقرير مرور الكرام فلا الحكومة العراقية ولا الجهات شبه الرسمية ولا حتى الصحافة والمختصين من اقتصاديين وسياسيين واعلاميين قد ابدوا اي اهتمام به وكان الامر لا يعني العراق ولا علاقة له بهذا البلد المبتلى الصابر. لقد كانت هناك ردود فعل كثيرة ومتباينة تجاه تقرير لجنة بيكر -هاملتون (مجموعة دراسة العراق) وتجاه مشروع (بايدن- غيلب) لتقسيم العراق ولكن الصمت المطبق قابل هذا التقرير الذي هو اخطر من جميع تلك التقارير.
لقد كتبت سلسلة من المقالات التحليلية لمختلف جوانب هذا التقرير ويبقى الامر بيد اولي الامر ان كانت تلك المقالات ستجد طريقها الى النشر ام لا.
واريد في هذه المقالة ان اشير الى ردود فعل بعض شرائح الرأي العام الامريكي تجاه الموضوع فمن المعروف هناك مراكز فكرية كثيرة في الولايات المتحدة تضع الدراسات والتحليلات لمختلف المشاكل الستراتيجية السياسية والعسكرية والاقتصادية لكي تسهل الامر على صانعي القرار لاتخاذ هذا الموقف او ذاك. ومن ابرز هذه المراكز واكثرها نفوذا وقربا من مصادر صنع القرارات هو مركز الدراسات الستراتيجية والدولية والذي لا ينحاز لاي من الحزبين المتناوبين على الحكم هناك.
ولعل السيد انتوني كوردسمان يقف في مقدمة الشخصيات البارزة في هذا المركز فهو يشغل كرسي ارلي بورك في الستراتيجية ورجل مخابرات سابق وقد كتب العشرات من الابحاث عن العراق منذ الاحتلال لحد اليوم تغطي كل المواضيع العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وقد اصدر في 13 كانون الاول 2007 دراسة بعنوان. الدولارات والرصاص
دورالمساعدة الاميركية في رسم ستراتيجية للعراق مسودة ورقة عمل منقحة 17 كانون الاول 2007 ويريد السيد كوردسمان الذي يدعي الموضوعية والمعالجة المتوازنة، ان يعود بنا الى اكثر من قرن من الزمان. الى عهد الكولونيالية التي حرمتها قرارات الامم المتحدة في القرن الماضي. انه يدعو الى اتباع سياسة (العصا والجزر) التي كان يمارسها الامبرياليون قبل اكثر من قرن مع شعوب المستعمرات بمعنى انهم يناوبون ما بين جلد تلك الشعوب بالسياط (استعمال العصا) وتلطيفها احيانا بتقديم (الجزر) حلو المذاق ويكاد البحث ينادي باعلى صوت ليسكت من يدعي او يأمل بقرب رحيل المحتل وان الاساس القانوني الذي استند عليه الاحتلال هو القرار 1483 الصادر عن مجلس الامن في 22/5/2003 وهذا القرار يستند الى افتراض وجود اسلحة الدمار الشامل في العراق مما يشكل خطرا على السلام العالمي. والان وقد ثبت كذب هذا الادعاء وبعد مسيرة دموية سالت بها انهار من الدماء خلال خمس سنوات عجاف آن الاوان لرحيل المحتل وتسليم مقاليد الامور الى اهل البلد. ولكن الاوساط الاميركية المتنفذة لا تتورع عن التصريح انها غير مستعجلة في الرحيل وهذه ورقة عمل السيد كوردسمان تؤكد ان المساعدة الامريكية يجب ان تكون جزءاً حاسماً في اي جهد امريكي لتعزيز النجاحات المتحققة لحد الان وتعطى اربعة مقترحات كبرى:
يجب ان تفصل المساعدة لتكون حافزا رئيسا لتحقيق الامن والمصالحة الوطنية.
-يجب ان تدمج جميع جهود المساعدة في خطة وبرنامج وميزانية متناسقة وان تربط الى (خطة الحملة المشتركة) التي ترعاها السفارة الاميركية.
-سوف تستمر الحاجة الى المساعدة الاميركية على الاقل لمدة 3-5 سنوات قادمة لحين مدة لا بأس بها من حكم الادارة القادمة.
-ان جهود المساعدة الحالية تفتقد الشفافية والمقاييس الهادفة لفعاليتها وهي لا تفسر او تبرر بمقاييس على درجة كافية من المصداقية لكسب تأييد مستديم من الكونغرس والشعب الاميركي ووسائل الاعلام والمحللين الاجانب.
هذا هو كل ما في الامر. اما الشعب العراقي واحتياجاته وضرورات الاقتصاد والامن الوطنيين في العراق فلا يعيرها الاميركان اي اهتمام المهم ان ينفذوا متطلبات المصالح الستراتيجية الاميركية العليا والامن القومي الاميركي حتى لو كان ذلك على حساب مقتل وتشريد وتهجير الملايين من العراقيين. وهنا نماذج من التأكيد على الوجود الاميركي المستمر:
-ان خلق الامن والاستقرار سوف يحتاجان سنين طويلة من الجهد الامريكي الاضافي.
-ان الخليط المتطور بسرعة من قوات الشرطة والامن والميليشيا العراقية تتطلب جهود مساعدة اميركية قوية الى وقت متأخر من عام 2010.
-ان تقليص الوجود القتالي الاميركي الى دور (ستراتيجي مهيمن) بقوة تتراوح ما بين ما يعادل ثلاثة الى خمسة الوية قد يستغرق ببساطة ما بين ثلاث الى خمس سنوات اما صبر الولايات المتحدة مع العراقيين فيجب ان لا يتجاوز الربيع القادم اذا لم يحققوا بدايات كبرى في (بعض) المجالات. مع التأكيد على كلمة بعض ويلخص الكاتب هذه المجالات بما هو ات:
-اعادة السنة البعثيين وغير البعثيين الى الصراع حول السلطة.
-تقاسم العائدات والموارد النفطية.
-التعاطي مع الفدرالية والحكم الذاتي الكوردي (او تونومي).
-توفير الامن المحلي وشيء ما يقترب من سيادة القانون الهادفة.
-معالجة مشكلة اكثر من اربعة ملايين شخص مهجر.
-وخلق حكم فعال.
وهذه الامور، كما يقول الكاتب تتطلب ما بين 3-5 سنوات قبل ان تستطيع الحكومة العراقية ونظامها السياسي الجديد وقواتها الامنية ان تتولى المسؤولية حقا.
ثم ينتقل الى تفسير نظرية (العصي) ويقول:
ان حكومة العراق المركزية الضعيفة والتي تسيطر عليها الشيعة والقوات الامنية التي ما تزال في دور التطور وعدم وجود زعماء وطنيين واضحيين واحزاب سياسية شعبية يعني ان الحاجة سوف تستمر للمساعدة على المستويات المحلية والمناطقية لعدة سنوات على الاقل وسيبقى شكل ما من الضغط الامريكي والعصي مهما ولكن (قطع الجزر) ستكون المفتاح في حالات كثيرة وفي حديثه عن الستراتيجية والخطة والاهداف والبرامج الكامنة وراء ميزانية السنوات الخمس المقدرة في العراق يقول: ان من بين ذلك تعرية وتحدي سوء استخدام العراقيين للاموال وفسادهم!! هذا الكلام يصدر عن ممثل سلطات الاحتلال التي هدرت 103 مليارات دولار خلال اقل من خمس سنوات ويعترف هو نفسه بعدم وجود شيء ملموس قد تحقق من وراء هذا الهدر. ولا يخفي الكاتب هدفه من تجاوز السلطة المركزية القائمة في العراق والتي جاءت عبر انتخابات شهدوا هم انها افضل انتخابات جرت في المنطقة على اقل تقدير ويقول:
يجب على ستراتيجية وبرنامج المساعدة الاميركية ان ينظر الى ما وراء اسبقيات الحكومة المركزية. ويجب ان يكون جهد المساعدة الاميركية الفعال مرتبطا ارتباطا صريحا مع تقييم لجميع الجهود العراقية للاحتياجات على المستويات المحلية ومستويات المحافظات.
ويمضي للطعن بقدرات العراقيين:
لقد اثار كل من سيجير (المفتش العام) وغاو (مكتب المحاسبية الحكومي) اسئلة خطيرة حول قدرة واستعداد الحكومة العراقية والعراقيين عموما على اكمال وادامة جهود المساعدة الامريكية التي هي في طور الانشاء فعلا.
ونحن لا نعلق على ذلك بشيء ولكننا نذكر الكاتب بان جحافل الاحتلال وطائراته في اضخم عملية عسكرية بعد الحرب العالمية الثانية احتاجت عدة اشهر من القصف الجوي والبري لتدمير ما بناه العراقيون !!
واخيرا نقرأ الاستنتاج الآتي:
وباختصار فان الدولارات شأنها شأن طلقات الرصاص يجب ان توجه نحو الهدف ويستلزم الحكم على النجاح على اساس كونها تصيب الهدف ولن يكون هذا الامر سهلا ابدا، فلا احد يستطيع فرض المصالحة على العراق سواء كان عن طريق الجزر ام طريق العصي!!
وهذا لا يعني ان التقرير لا يتضمن بعض الاشياء المفيدة التي سنلخصها للقارئ في اعداد قادمة ان شاء الله.