الرئيسية » بيستون » الكرد الفيليون: العَيبُ فيكم !

الكرد الفيليون: العَيبُ فيكم !

لا تزال قضية الكرد الفيليين موضوعة على الرفوف العالية لم تتناولها أيدي أولي الأمر الجدد ولا في وارد أن تنزل عن الرفوف ، لقد تآكلها الانتظار والاهمال والتجاهل، وظاهر الاشياء تجعلنا نؤمن بأن في ذلك عمداً مع سبق الاصرار والترصد. فالآذان قد صُمت والعيون قد أغلقت دونها رغم وضوحها وجلائها وشرعيتها للقاصي والداني وللصديق وللعدو، ورغم قسوة وشراسة ما تعرض له الكرد الفيليون من ظلم واضطهاد وتهجير وحجز لخيرة الأبناء الذين اختفوا في غياهب السجون وفي المقابر الجماعية، اضافة الى سلب واغتصاب أموالهم وممتلكاتهم وحقوقهم المدنية ووثائقهم العراقية للذين هُجروا منهم مع تصعيب أو عرقلة أو منع حصولهم على شهادة الجنسية العراقية من خلال القوانين الجائرة التي سنها النظام الساقط ولا تزال قيد التنفيذ بعد مرور مايقارب خمسة اعوام على انهياره.
لقد تناول الكثير من الباحثين والكتاب قضيتهم بالاشارة والتحليل والتأكيد على وجوب استعادتهم لحقوقهم كاملة على رأسها حق المواطنة من الدرجة الأولى، والاعتراف بشبابهم المغدورين شهداء حالهم حال غيرهم من شهداء العراق، واسترداد أموالهم المنقولة وغير المنقولة وممتلكاتهم ووثائقهم المسلوبة والمصادرة.

وفي استقصاء والبحث في الاسباب الكامنة وراء الظلم والتجاهل والاغفال والمماطلة سواء من طرف السلطة الحاكمة أم من جانب القوى والأحزاب السياسية الحالية على الساحة العراقية والممثلة في مجلس النواب والتي كانت يوماً في خانة القوى المعارضة المضطهدة التي عانت من النظام السابق مثلهم مثل الفيليين نجد أن لكل طرف من هذه القوى سواءاً القومية أم المذهبية أم الوطنية، دوافعه ومنطلقاته وتبريراته لموقفه من الفيليين والتي أصبحت معروفة لديهم ومشخصة.
ومهما كانت أسباب استمرار مأساة الفيليين والتي منها المنطلقات والدوافع والمواقف المعادية أوالمتجاهلة أو الغافلة أو الزعلانة المذكورة فإن من الاسباب الرئيسة والأهم هم الكرد الفيليون أنفسهم .

إن الذي يتعرض للظلم والاضطهاد والقهر واغتصاب الحقوق من مواطنة واموال وممتلكات أمامه وسائل عديدة يتبعها لاسماع صوته وايصال موقفه وشرح قضيته الى كل ذي شأن وقوة أو سلطة وقرار والى الرأي العام المحلي والاقليمي والدولي من اجل اقرار حقوقه واستعادة ما أغتصب ومنها:

1ـ تأسيس الاحزاب والقوى السياسية والجمعيات المدنية والحقوقية، والعمل الجاد الدؤوب على توحيد الصف ونسيان الخلافات والمواقف الفكرية والسياسية والايديولوجية والالتقاء على المشترك العام مثلما فعلت كل الشعوب والقوى المضطهدة في العالم. وذلك من أجل الهدف الرئيس الذي يصبو اليه الكل ويكافح من أجله. واظن أن قضية الفيليين وهدفهم ومطالبهم أصبحت واضحة جلية لا تخفى على أي من الآحزاب والقوى والجهات داخل العراق على مختلف توجهاتها ومواقفها.

2ـ الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي، لما للإعلام من أهمية وخطورة في ايصال الصوت الى الرأي العام من خلال التعريف بالقضية المعنية بها وكسب التأييد والدعم والمساندة. وما نعيشه في واقعنا الراهن يثبت مدى التأثير الكبير لوسائل الاعلام سلباً أم ايجاباً على مجمل القضايا والصراعات والأزمات في عالمنا المعاصر.

3ـ اقامة جسور اللقاء والحوار وتأسيس العلاقات الايجابية والطيبة مع مختلف الاحزاب والقوى السياسية والاجتماعية داخل المجتمع، سواء في ذلك المتفق معها ام المختلف معها في القليل أوفي الكثير . وحتى تجب المحاولة الحثيثة على كسب ود المعادية إن امكن، وكل ذلك خدمة للقضية المعنية بالطرح، وأظن ان قضية معاناة الكرد الفيليين التاريخية في العراق من القضايا المهمة والجديرة بالحل من خلال طابعها الاجتماعي والوطني والسياسي والانساني وفداحة ما تعرضوا له ولايزالون.

4ـ الكفاح المسلح وتشكيل المليشيات والقوى المسلحة كقوة لها وزنها وثقلها ووجودها على الساحة السياسية، في زمن السلطة المضطهدة والباغية أم في عصر بناء الدولة الجديدة على انقاض دكتاتورية سابقة منهارة، وذلك لتفرض مواقفها ومطالبها وشروطها وتحصل على حقوقها، مثلما يحدث في العراق حالياً وسط الهرج والمرج والفوضى المنتشرة.

5ـ الابتعاد عن البكاء والتذمر والشكوى الدائمة والقاء تبعة استمرار الظلم والحيف على هذه القوة أو تلك، وخاصة القوى التي وقع عليها الظلم وتعرضت للاضطهاد، ولها قاسم مشترك معها . وانما يجب البحث الرصين الواعي الموضوعي بثبات وقوة وثقة بالنفس عن الاسباب الفعلية الظاهرة والكامنة في الذات أيضاً للعمل على تذليلها وتجاوزها.

وبالعودة الى الموضوع المطروح وهو قضية الكرد الفيليين ومعاناتهم السابقة والحالية ومن خلال الوسائل المذكورة أعلاه في كيفية مجاهدتهم في عرض قضيتهم وايصالها الى الرأي العام المحلي والدولي ومطالبتهم باستعادة كل ما فقدوه من حقوق وعلى رأسها حق المواطنة الكاملة في العراق المفترض بناؤه على أسس ديمقراطية مدنية قانونية عصرية تُضمن فيه حقوق الانسان وتصان، لا أن يهمشوا ويعاملوا كمواطنين درجة ثانية أو ثالثة بحسب المزاج الشخصي الذاتي أوالحزبي والسياسي الضيق، أو القومي والطائفي المقيتين، أو لحسابات انتقام بسبب تصويتهم في الانتخابات السابقة في العراق عام 2005 لهذه الكتلة أو لتلك، أو من خلال استمرار قوانين النظام السابق الجائرة وتعمد استمرار تطبيقها لحد الآن رغم التغيير، بالعودة الى هذه القضية نستطيع أن نخلص الى الآتي انطلاقاً من التجارب التي عشناها عن قرب أو التي رصدناها بالمراقبة والمتابعة:

1ـ أسس الكرد الفيليون في مهاجرهم المختلفة المنتشرة على المعمورة بكل جغرافيتها الجمعيات والنوادي أثناء فترة الحكم الدكتاتوري السابق والجمعيات والأحزاب بعد السقوط ، وكلها كانت ببرامج وطروحات ومطالب واحدة تتعلق بالدفاع عن الفيليين وعرض مأساتهم أمام الرأي العام وتعريفه بها وبما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، والدعوة والعمل على استرداد حقوقهم المغتصبة. بمعنى أنهم جميعاً ينطلقون من برنامج واحد ولكن باسماء وعناوين مختلفة!
الملاحظ والمرصود مع الأسف الشديد أن هذه الجمعيات لم تلتق معاً ولم تكن لغتها ولسانها واحداً، بل كانت ولا تزال وكأنها في صراع وسباق مع بعضها البعض، لذا سرعان ما تفككت من الداخل بسبب خلافات أعضائها الأنانية الشخصية، وبسبب عدم التفاف الكرد الفيليين حولها وعدم ثقتهم وايمانهم بها، بل الشك في نوايا أعضائها الخاصة ذاتية الاتجاه والمنفعة ، فكانت النتيجة ولا تزال هو التفكك من الداخل والتحول الى دكاكين شخصية لا تحمل سوى أسماء اشخاص بعدد اصابع اليد الواحدة وأقل، حيث لا يمثلون الا أنفسهم رغم ادعائهم بتمثيل الكرد الفيليين الذين لم ينتخبوهم ولم يفوضوهم بالحديث عن لسانهم. وهدفهم المشكوك فيه هو المنافع الشخصية في الحصول على مواقع سياسية وأرباح مادية ومقاولات اعمارية، والأمثلة معروفة جيداً لدى الفيليين أنفسهم.

2ـ الاعلام: أصدرت الجمعيات المذكورة صحفاً تخصصت في قضية الكرد الفيليين من خلال شرحها وعرضها والتعريف بها. وقد جاهدت هذه الصحف والقائمون عليها على الاستمرار والبقاء أطول فترة ممكنة لكنها بعد عدة أعداد توقفت وأغلقت أبوابها لأسباب عديدة خارجة عن ارادتها، أولها مادي بسبب التمويل، وثانيها تسويقي لأنها كانت تصدر في بلدان بعيدة عن الوصول الى القراء المعنيين، ثالثها أنها كانت توزع غالباً مجاناً، ورابعها أن الكادر المشرف في أماكن مختلفة ولم يكونوا متخصصين في الاعلام وبعضهم كتاب متبرعون لهم مكانتهم في عالم الكتابة مثل الدكتور مؤيد عبد الستار رئيساً لتحرير احداها. وخامسها أن موضوعاتها ظلت تدور في دائرة واحدة هي قضية الكرد الفيليين والاحداث التي مروا بها، وكلها في نفس الاطار والاتجاه ونفس القصص، بينما الصحيفة لكي تحيا وتستمر يجب أن تكون مهنية محترفة متنوعة. وان كان ليس فيما قامت به هذه الصحف عيب أو مثلبة، فليس بالامكان أبدع مما كان.
كما أصدرت هذه الجمعيات والاحزاب وبعض الأفراد ذاتياً مواقع انترنيتية باسم الكرد الفيليين أو باسماء أخرى لكنها في ذات الاتجاه والخدمة، واستطاعت على قدر أهل العزم أن تعرف بقضيتهم وتوصلها الى الرأي العام من خلال جهودها وجهود الكتاب الكرد الفيليين الذين وجدوا فيها متنفساً إذ عانوا طويلاً من انغلاق أبواب وسائل الاعلام أمام كتاباتهم في قضية شريحتهم، وهي مهمة يشكر كل العاملين عليها.

3ـ اقامة علاقات وحوارات مع القوى والتنظيمات الأخرى على الساحة السياسية أيام النضال السلبي (المعارضة)، وأيام النضال الايجابي (بناء الدولة). وقد عملت القوى الكردية الفيلية في هذا الاتجاه لكنها اقتصرت على التوجه نحو القوى المشتركة معها في الاتجاه العام والتي لها روابط قومية أو مذهبية معها (التحالف الكردستاني ، الائتلاف الشيعي) ، ولم تحاول بناء جسور مع القوى الأخرى المختلفة معها ربما في الكثير من الأمور والتوجهات، وبعضها يعتبرها الفيليون من المساهمين في مأساتهم أو على أقل الفروض من المؤيدين ولا يزالون لما تعرضوا له، وربما يقفون بالضد من مطالبهم انطلاقاً من خلفياتهم القومية والمذهبية والسياسية. لكن علينا أن نتذكر أنه في العمل السياسي ليست هناك مبادئ دائمة وانما مصالح دائمة، والقوى السياسية وحتى الاجتماعية تتحرك وفق ما تقتضيه مصلحتها وما تهدف اليه لكي تحشد أكبر قدر من التعاطف والتأييد. وهذا مشروع في التحرك السياسي وليس سبة أو عاراً، خاصة اذا أخذنا بنظر الاعتبار أهمية الدعم والمساندة السياسية والمادية والمعنوية لقوى كبرى سياسية كانت أم حكومية محلية أو اقليمية او دولية لكل جماعة تعمل وتتحرك من أجل حقوق تراها شرعية وطبيعية وتناضل من أجلها. بمعنى أهمية الظهير القوي، وهو ما يفتقده الكرد الفيليون، بل يعمل البعض بلا وعي ولا ادراك ولا مسؤولية وبتشنج مرفوض على تخريب ما هو موجود وإن لم يكن بمستوى الطموح والأداء المطلوب، لكن مثلما يقال عصفور باليد خير من عشرة على شجرة.
ومع الأسف الشديد الملاحظ كما اسلفنا أن الكرد الفيليين اتجهوا بسبب ما عانوه ويعانونه من الاهمال والتجاهل والحيف المستمر الى صب نار انتقادهم وغضبهم على القوى الأخرى سواء الملتقية معهم في الكثير أو القليل أم القوى المختلفة معهم ربما في كل شيء، وبشكل غير واع عند البعض ، ومتشنج وعدائي متطرف عند الآخر. وهذا ما يؤدي الى خلق أعداء جدد بدل كسب أصدقاء ومتعاطفين ويبقي ظهرهم عارياً من الدعم والتعاطف والمساندة، مما يضر بقضيتهم غاية الضرر ويلحق بها الأذى أكثر مما هو لاحق.
إن الحوار الهادئ والواعي والموضوعي هو السبيل، وهذا يتطلب نفساً طويلاً وطول بال وصبر وتحمل، والطريق قد يكون طويلاً وشائكاً، لكن ما باليد حيلة. وصحيح ما قالوه من أن صاحب الحاجة أعمى لا يرى الا قضاء حاجته ، لكن العقل والمنطق والسياسة تقول أن عليه أن يصبر ويثابر ويجاهد ويحاور ويناور من أجل الحصول على حاجته.
وعليه من المفترض على الكرد الفيليين أن يتجهوا الى الحوار البناء الموضوعي الرصين المقنع واقامة العلاقات الطيبة مع كل القوى على الساحة العراقية لكسب معاضدتهم ودعمهم لمطالبهم وحقوقهم . وهذا يشمل القوى والأفراد.

4 ـ تشكيل القوى المسلحة (العنف): لم يعرف عن الكرد الفيليين كقوة اجتماعية انسانية عانت الكثير واضطهدت وظلمت لعقود وعقود أنها التجأت الى السلاح والعنف سبيلاً للحصول على الحقوق والمكاسب السياسية وغيرها. فما هو معروف عنهم تاريخياً وثقافياً واجتماعياً أنهم محموعة بشرية مسالمة وطنية مخلصة أمينة صادقة نظيفة اليد واللسان وفية اجتماعياً وسياسياً ووطنياً، بعيدة عن العنف والمواجهة المسلحة، ويعتبر البعض منهم بعد التجارب المريرة القاسية التي مرت بهم أن هذا كان خطأ وجب تجاوزه.

5 ـ إن رفع شماعة الآخرين لنلقي عليها تبعة الأخطاء والأسباب لما يعانيه الفيليون حتى اليوم وفي ظل سلطة كانت يوماً قوى وشرائح تعرضت للاضطهاد والظلم والابادة أمر غير مقبول ولا منطقي. وانما يجب النظر الى داخل الذات أيضاً لمعالجة الاسباب الكامنة في الشريحة نفسها من اخطاء ومواقف غير سليمة وأقوال غير دقيقة وصراعات منفعية ذاتية وتفكك وانقسام وتشتت.
إن الحق لا يعيده الا أصحابه بالنظر الثاقب والبجث الدائب، وبوحدتهم وتجمعهم ونضالهم وصوتهم الواحد وجهدهم الذاتي مع عدم اغفال دور الآخرين المؤثر.

ولكن للأسف الشديد لو نظرنا الى حال الكرد الفيليين لوجدنا العجب العجاب، المثير للاستغراب، والمهيج للأعصاب، والنافر للأصحاب، والمكثر من الأعداء، والمقلل من الأصدقاء، والمخيب لآمال الأموات والأحياء.
وحالهم لايسر عدواً ولا صديقاً.

فيا أيها الكرد الفيليون: العيب فيكم لا في حبايبكم !


الأربعاء 9 كانون الثاني 2008