الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع الكاتب الكردي بـــــــــــير روســــــــــــــته م

حوار مع الكاتب الكردي بـــــــــــير روســــــــــــــته م

أجرى الحوار: تموز شمالي


* حبذا في البداية لو تقدم نبذة عن حياتك الأدبية.

* أولاً نستطيع أن نقول إننا ننتمي لأسرة شرقية مكونة من عدد كبير من الأفراد؛ أربعة فتيات وثلاث شبان أحدهم مغترب في أوروبا (حالياً – إنكلترا) وأن أسمنا الحقيقي هو (أحمد مصطفى) وإننا نذكر هذه المعلومات لنبين للقارئ العزيز بأننا ننتمي لثقافة شرقية – إسلامية تكويناً وتربيةً وليس فكراً وقناعةً وهنا نود أن نذكر بحادثة طريفة حصلت معنا في فترة سابقة تزيد عن العشر سنوات حيث حينها كنا طالباً في جامعة حلب؛ المدينة المعروفة بثقافتها الدينية وفي يوم ما ونحن في السرفيس الداخلي وإذا برجل في عقده الستين ذو لحية بيضاء يجلس بجانبنا وأراد أن يتعرف علينا ونحن بدورنا أردنا أن نسايره لنعرف الغايات من وراء تعارفه ذاك وعندما علم الرجل بأننا نحمل جميع أسماء الرسول وبأن أسمنا كما ذكرنا قبل قليل (أحمد مصطفى) وأسم الأب (محمد) والأم (فاطمة) ولنا أخوتنا بأسماء الـ(حسن و حسين) لم يبقى إلا أن يحملمن فوق كتفيه وهنا أخرج من جيبه كتاباً (مصحفاً قرآنياً) صغيراً فعرفنا أن الرجل يود أن يعرض بضاعته للتجارة ولكي نحسم الموضوع طلبنا من السائق أن يوقف السيارة وقبل أن ننزل درنا لرجل الدين وقلنا له بأنني لست بمسلم وقد غيرت أسمي ذاك الذي يوحي بالإسلام بأسم آخر يوحي بثقافتي وتراثي الحقيقي.
ذكرنا القصة السابقة لنؤكد بأن الكاتب شأنه شأن أي إنسان فهو ينتمي لبيئته وهنا نعتقد بأن هناك أكثر من بداية في حياة أي كاتب وبالنسبة لنا هناك على الأقل بدايتان؛ الأولى عندما تعرفنا إلى المادة الأدبية وذلك من خلال التراث الشفهي وعن طريق المغنين والقصاصين الشعبيين، عندما كان الأهل يتسامرون حول النار في ليالي الشتاء وهناك من يقصص عليهم بعض الملاحم الشعبية مثل: ممه آلان Memê Alan؛ عيشه إيبه Eyşa Îbê، جبلي Cebelî وغيرها الكثير.. ولا مجال هنا لذكرها كلها، فكانت هذه الملاحم تؤدى بطريقة غنائية تتخللها مقاطع نثرية. وبالإضافة إلى هذه الملاحم كانت هناك حكايات وقصص نثرية بحتة أمثال حكايات: علي الجبان Eliyê Tirsonek وحكايات الغول Dêw وغيرها. هذه كانت البدايات الأولى في تعرفنا على الأدب وسوف تصقل هذه المعرفة بعد انتقالنا من القرية؛ شيخ جقلي والتي كانت فيها الينابيع الأولى، بقراءات متنوعة لأجناس أدبية مختلفة وأذكر جيداً تلك المكتبة المتواضعة في مدرستنا بناحية جنديرس حيث كنت من المداومين على استعارة الكتب منها، وما زلت أحتفظ بكتاب منها وأعتبرها نواة مكتبتي الحالية ويعود تاريخ تلك الواقعة إلى عام 1974 حيث كنت طالباً في الصف الرابع الإبتدائي، وبالإضافة إلى مكتبة المدرسة كان هناك مصدراً آخر لي كي ألتهم الكتب؛ ألا وهي كتب وزارة الثقافة في سورية حيث أن المركز الثقافي بحلب كان يرسل أسبوعياً أو كل خمسة عشرة يوماً مجموعة كتب لتستبدلها بأخرى، وكان يقوم بهذا العمل أحد المواطنين من البلدة وذلك بهدف تنويري. ولكن وبعد انتقالنا إلى مدينة حلب للدراسة في جامعتها ودخولنا ميدان العمل السياسي وذلك بالانضمام إلى إحدى الأحزاب السياسية الكردية، كانت القراءات الحقيقية بالنسبة لنا قد بدأت. هذه من حيث القراءات ونعتبرها أهم بداية في حياة أي مبدع، إن كان أديباً أو تشكيلياً أو.. رجل سياسة؛ فمن دون القراءة وبكثافة وحالة شبهة هستيرية لا يمكن للمرء، ومهما أوتي من “الموهبة” وخاصة في عصر التخصصات، أن يبدع جديداً.
أما من حيث الكتابة والنشر فإنها بداية أخرى وهي طريفة إلى حد ما؛ إنني أذكر جيداً ذلك اليوم وكأنني أعيشها الآن, فهناك محطات في حياة الإنسان لا يمكن أن ينساها أو يتجاوزها وكأن الزمن يعيش حالة عطالة عند تلك المحطات ومن هذه المحطات عندما تم تكليفي من قبل الحزب بأن أتابع وضع أحد الرفاق بحكم إنني كنت المسؤول الإداري في تلك الهيئة، والذين دخلوا معترك الحياة السياسية يعرفون هذه الآليات، المهم كان هذا الرفيق على علاقة غرامية مع صديقة للحزب وهذه العلاقات في تلك الأيام كانت تخضع لرقابة دقيقة من قبل الحزب.. وكان لقاءنا نحن الثلاثة في المدينة الجامعية، وحتى لا ندخل في التفاصيل فإنني كنت قد التقيت بصديقة رفيقي هذا عدة مرات من قبل وأعجبت بها وكانت هذه فرصة جيدة لأكون قريباً منها وأحاول أن ألمع شخصيتي في عيونها ولا أملك من مواصفات الرجولة غير لساني أو بشكل أدق ذخيرتي المعرفية، إن كانت تعتبر هذه من الذخائر وأيضاً من صفات الرجولة. وهذا ما كان بالفعل؛ حيث استطعت أن الفت انتباهها ولذلك وجهت لي العبارة التالية: “لما لا تستخدم هذه الذخيرة المعرفية وتوظفها في الكتابة”. نعم وبكل بساطة هذه كانت البداية والدافعة الحقيقية لأن أكتب وبالتالي أكون في المكان غير المناسب، وأقول ذلك لأنني لو كنت أملك أي خصوصية بحيث تجعلني إنساناً مميزاً “سوبرمان” لما لجأت إلى الكتابة.
بقليل من التفصيل نستطيع أن نقول بأن هذه هي البدايات، إن كنا قد تجاوزناها. أما إذا كنت تقصد ما هي الأعمال التي أنجزناها إلى الآن، فأي متتبع للصحافة الورقية أو الألكترونية يستطيع أن يعرف ما هي نتاجاتنا وفي أي الحقول نكتب.

* من خلال إطلاعي على مجموعاتك القصصية الأربعة تبين لي بأن المجموعة الأولى والثانية (فيها مواضيع جنسية أكثر).

* ربما.. وهو شيء طبيعي؛ بالتأكيد الفنان ومن خلال إبداعه يعيش حالة وجدانية، هذا من جانب ومن الناحية الأخرى فإن قصص المجموعتين الأولى والثانية تعود إلى فترة تاريخية قريبة، أي ليس هناك زمن تاريخي بعيد بين القصة الأولى وآخر قصة من قصص المجموعة الثانية وهي تعود إلى ما بين أعوام 1987 و 1993 من القرن الماضي وفي هذه الفترة كنت في أوج مرحلة الرجولة، رجولة شرقية بكل ما تعنيه الكلمة. فمن ناحية فإن الجسد الفيزيولوجي بحاجة إلى متطلبات وتلبية رغبات غريزية وجنسية ومن الناحية الأخرى أنت تعيش في بيئة اجتماعية محافظة، ترى كل عفتها وشرفها في عذرية الأنثى وتهدر دم كل من يهتك محرماتها هذه، ولو استطعنا أن نحصي عدد الذين نحروا وقدموا قرابين الشرف الشرقي هذا، لوجدناهم يفوقون أي عدد آخر راحوا ضحايا العنف الديني أو الطائفي-الأيديولوجي أو الأثني والقبلي. إذاً ماذا تتوقع أن تكون جل اهتمامك وأنت تعيش في هكذا بيئة تحرمك من أهم رغبة غريزية على الإطلاق. أما المجموعتان الثالثة والرابعة فهي تعود إلى ما بعد زواجي ورضوخي لقوانين وصكوك الشرق ومع ذلك تجد فيهما مواضيع جنسية ولكن أقل جرأة على المجتمع وأعتقد إنه تم “تدجيني” في تلك المرحلة.

* يقال عن إبداعات بـــــــير القصصية بأنها مأخوذة (الأكثرية) من الحياة والواقع المعاش.

* لا نقول الأكثرية بل جميعها مأخوذة من الواقع ولو أن هناك بعض القصص لا ينطبق عليها حتى الخيال؛ وقد أتهمنا ولأكثر من مرة بأننا سرياليين ونكتب لأنفسنا فقط، ومع ذلك نقول كلها. لأنني “مؤمن” بأن لا شيء يأتي من العدم ولا شيء يذهب إلى العدم, الطاقة لا تفنى وإنما تتحول إلى أشكال وأنواع أخرى من الطاقة، هذا هو مبدأ و سر الحياة وديمومته؛ بما معناه لا تأتي بما هو غير موجود وخارج الحياة ومع ذلك هناك إبداع مستمر على آلاف المواضيع التي كتبت عنها وما زالوا يكتبونها، فالمواضيع التي نبحث فيها وإن كانت كثيرة فهي معدودة ويمكن إحصاؤها ولا يمكن لأي كائن من كان أن يبدع مواضيع إنسانية جديدة ولكن طرق وأشكال وأساليب تناول هذه المواضيع هي التي تتغير مع الظروف والمناخات الجديدة ومع والوعي والإدراك البشري وهنا يكمن الإبداع والتجديد. بكلمة أخرى نستطيع أن نقول بأن الإبداع هو الشكل والأسلوب وتناول المبدع لمواضيعه.

* إن نظرة عامة للقصص (عند بــــــير) نرى بأن أكثرية المواضيع تعالج جوانب من الحياة الاجتماعية في الريف، قلما نرى المدينة، هل برأيك أنه من المفروض أن يبدأ الإصلاح من الريف.

* لا نعتقد ذلك، بل ومن خلال قراءتنا للتاريخ القديم والمعاصر فإن جل الحركات الإصلاحية تتبلور في المدن وذلك لعوامل عدة تتعلق بالنواحي المادية والثقافية-السياسية لسنا بصددها، ولكن عندما تجد كثرة المواضيع والتي تعالج جوانب من الحياة والمجتمع الريفي لدينا؛ فبكل بساطة لأنني أبن الريف وأحمل ذاكرة ريفية غنية بالمواضيع، فلقد ولدت في الريف وكانت الينابيع الأولى ومن المعترف به، بل من بديهيات علم السلوك والنفس لدى البشر؛ بأن السنوات الخمس الأولى هي الحاسمة في رسم الشخصية المستقبلية للإنسان وكون المبدع يتناول مواضيعه من ذاكرته وبيئته فإن جل مواضيعي ستكون من وعن الحياة الريفية ومعاناتها.

* ما نظرتك لواقع الكتابة الأدبية في كردستان بشكل عام وفي كردستان سوريا بشكل خاص.

* إذا كان السومريين والفراعنة يتنافسون على من أوجد الأبجدية والكتابة أولا،ً بحيث يرجعونها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، فنحن الكرد ما زلنا نفتقد إلى تلك الأبجدية الأولى والواحدة والتي تعطينا مساحة جيوبوليتيكية أكثر عمقاً لتكون هناك رئات؛ من رئة، متعددة تؤمن للمبدع أجواء حقيقية لأن يتنفس هواءً نقياً وبعيداً عن غرف الإنعاش. نعم ويا للأسف فإننا ما زلنا نفتقد إلى المكونات الأساسية في الحياة الثقافية ناهيك عن مشاكلنا في تعدد اللهجات وإن كانت في جوانب منها عامل غنى وتنوع وأيضاً الاختلافات حول القواعد اللغوية ومسألة القواميس وغيرها العديد من المعيقات والمشاكل.
لا يعني هذا إننا ننفي وجود كتابة أدبية مبدعة وحقيقية لدى الكرد، ولا يعني أيضاً إن الشعب الكردي أو أي شعب آخر له خصائص عرقية تجعله مبدعاً يحب الكتابة والثقافة، والآخر يود أن يغرق ذاته في التخلف والأمية. لا أبداً؛ فإن المتتبع للمسألة الكردية يدرك جيداَ مدى عمق معاناة هذا الشعب وعلى مدى عصور وأحقاب عديدة وآخرهم هذه الدول والحكومات القومية والتي لا تعترف بغير ذاتها المتضخمة، فكان وما زال الكرد محرومون من أبسط الحقوق؛ حق الإنسان أن يتكلم ويتعلم ويكتب بلغته الأم, فكيف والحال هذه أن تكون واقع الكتابة في كردستان عموماً وكردستان سورية بشكل أخص والطفل الكردي يبهت من لغة أستاذه في الأيام الأولى من التحاقه بالمدرسة.
ولكن وعلى الرغم من هذه المأساة والتي أصبحت لها عتي من الدهر، فعندما ننظر إلى الخارطة الإبداعية وأهرامات الكتابة ندرك كم هو الإنسان بكائن جبار، فهو يتكبر على جراحه ومآسيه وينهض كالعنقاء من الرماد، وهذه واحدة من خاصية الكائنات الحية وإلا لما كانت حية واندثرت مثل الماموت والديناصورات. فالكرد مثل غيره كباقي شعوب العالم يبحث لنفسه عن موطأ قدم على هذه الكرة المزدحمة بالحقد والكراهية والحروب الطاحنة بين البشر وعلى أتفه الأسباب والمواضيع؛ “هل وصل ذنب الكلب أم لم يصل” وكلها تدور في هذا الفلك وأكثرها لا ترتقي عليها بل دونها من التفاهات.
قلنا ونؤكد أنه وعلى الرغم من هذه الظروف والمعيقات ومن خلال نظرة موضوعية للخارطة الأدبية في عموم كردستان ومن ضمنها كردستان سوريا يتبين لنا بأن الحياة الأدبية والفنية تعيش حالة نهضوية وتريد حرق المراحل وهو شيء طبيعي حسب قراءتنا لسيرورة التاريخ؛ فلكي لا يفوت قطار الزمن الكرد –على الرغم إنها ومنذ أزمنة غابرة قد غادرت المحطة وتركتنا بأفواه مفتوحة على الدهشة، قد أنسج العنكبوت بيوت الموت على ضفتيها- ولكن وعلى الرغم من إدراك الفنان الكردي لهذه الحقيقة اللاذعة، فإنه يحاول جهده أن يلحق هذا القطار اللعين ومن دون أن يقع تحت عجلاتها التي لا ترحم أحداً.

* إن الانتقال بين المجالات الكتابية الأدبية، هل لها تأثير إيجابي أم سلبي لواقع الأدب الكردي بشكل خاص وألا ترى بأن هذا الانتقال يؤدي إلى الفوضى في الكتابة.

* بحكم الكم الهائل من المعلومات ومن أجل اكثر مهارة ودقة وفي جميع ميادين الحياة لاحظنا التخصص وفي عصرنا هناك تخصص التخصص؛ أي أصبحت هناك التخصص في أدق التفاصيل والجزئيات فهل الأدب يحتاج إلى هذا وهل يمكن أن نشهد تقسيمات أخرى في ميدان العمل الأدبي، أي بما معناه هل يمكن أن نشاهد أجناس أدبية جديدة كالقصة القصيرة جدا “الأقصوصة” أو أي تسمية أخرى يمكن أن نتفق عليها وغيرها من أجناس لم نعرفها بعد. شخصياً لا أستبعد شيء وهذه واحدة من سنن الكون؛ ألا وهو التجديد وإلا لما كان هناك شيء أسمه الإبداع والخلق.
أما عن الجوانب السلبية والإيجابية عند هذه الحالة أو تلك فلا يمكن أن نعطي صفة الإطلاق؛ فلا شيء في الكون تحمل هذه الخاصية بأنه إيجابي على الإطلاق أو سلبي بشكل نهائي، أي أنه لا إله ولا إبليس. ولكن هناك النسبية وهنا يكمن بيت القصيد؛ فهل هذا الانتقال بين الأجناس الأدبية تخدم الحالة الثقافية الكردية أم تشكل عبأ إضافي يضاف إلى جملة العوامل الكابحة لتطور وتقدم الحركة الثقافية والسياسية في كردستان. إننا نعتقد وإن كانت لها جوانب سلبية عديدة؛ بحيث يتشتت الكاتب الكردي بين عدة أجناس أدبية ولا يمكن عندها أن يبدع في كلها أو سيكون على حساب التقنية الإبداعية، فإنه والحالة الكردية ومسائل التخلف وانتشار الأمية وخاصة الأمية بلغة الأم كون الكتابة بغيرها لا تدخل في حيز وبوتقة الأدب الكردي، وأيضاً عدم التخصص المعرفي-الأكاديمي وخاصة في الحقول التي هي أقرب إلى العلم منها إلى الأدب كالفلسفة والنقد وغيرها، من قبل معظم إن لم نقل جميع من يعمل في حقل الأدب والثقافة الكردية، وبالإضافة إلى هذا وذاك، كون المكتبة الكردية فقيرة إلى درجة الرعب فهذه كلها عوامل ضغط إجبارية تدفع بالكاتب الكردي أن يتنقل بين العديد من الأجناس وهي بالتأكيد تخلق نوع من الفوضى وليس على المستوى المعرفي-الدلالي فقط، وإنما على المستوى الوجداني والنفسي للكاتب الكردي.

* نرى مؤخراً عند بـــــير رســـــــــتم الانتقال من كتابة القصة إلى الرواية والآن المقالات والدراسات السياسية والدينية، فهل كانت كتابة القصة سبيل الانتقال إلى الدراسات والأبحاث أم إلى.. الرواية.

* لا أخفيك عندما أقول إنني كنت وما زلت أحب وأهاب الرواية وإن أكثر ما يسعدني عندما أعرف كروائي وعندها سأكون قد أنجزت مرحلة متقدمة من مشروعي الثقافي، مع العلم وإلى الآن لم أنجز إلا عملاً روائياً يتيماً ينشر على أحد المواقع الكردية، على الرغم من أن كتابتها أو كتابة معظم فصولها تعود إلى أكثر من عشر سنوات. والآن لي قراءات عدة وعلى محاور متباينة بهدف البدء بمشاريع روائية مستقبلية، نعم.. إنني أعتبر كل ما كتبته إلى الآن ومن ضمنها عملي الروائي اليتيم ذاك الذي أشرت إليه قبل قليل بمثابة تمرين على الكتابة، لكي أعرف كيف أكتب رواية حقيقية.

* الأنترنت هي إحدى الوسائط الأحدث في الاتصال الوظيفي بين المفكرين والكتاب في العالم، وللمواقع الكردية حصة في هذا المجال، ما رأيك بالمواقع الكردية على الأنترنت.

* هي صحافة اليوم ولأول مرة يواكب الكرد العالم في مسألة ما؛ فإن عدنا إلى تاريخ الصحافة الورقية ومن خلال مقارنة تواريخ انطلاقها نلاحظ إننا نتأخر عن الشعوب العربية بحوالي مائة سنة ناهيك عند الشعوب الأوربية. ومهما يكن هناك ملاحظات وسلبيات في مسائل الإدارة أو المادة المنشورة على هذه الصفحات فإننا نعتقد بأن هؤلاء الذين انبروا للقيام بهذا العمل؛ إدارة مواقع أنترنيتية، وأكثرهم يعتمد على ميزانيته الخاصة وعلى حساب راحته الشخصية، فإنهم يؤدون دور “الرسل” في إيصال الكلمة إلى العالم. والمواقع الكردية تحديدا لها دور مهم في هذا المجال؛ كون الكتابة باللغة الكردية تعتبر من إحدى التابوات في هذه البلدان، التي ابتليت بلعنة القومية، ومن جهة أخرى، فإنها ألغت هذه الحدود التي تمنع أن تتواصل مع الشطر الآخر من البيت الكردي، بالإضافة إلى تواصلك مع كرد الشتات، مما جعلتنا حقيقة نعيش في قرية واحدة وبلد واحد؛ فأنا اليوم أتواصل مع مجموعة كبيرة من الكتاب الكرد عن طريق هذه المواقع، ولولاها لما عرفت العديد منهم وما اطلعت على نتاجاتهم أو على الأقل كنت أحتاج إلى فترة أكثر بعدا لأقرأ لهم، مما يؤثر سلباً على نقل المعلومة العلمية-الثقافية، وبالتالي تجعل حركة تقدم التاريخ أكثر بطئاً. ولذلك نلاحظ اليوم بأن التطور وفي جميع المجالات تسير بوتائر أسرع وسوف تتسارع أكثر كلما استطعنا أن نمتلك معرفة أكثر عمقاً بالتقانة الحديثة وهو ما سينعكس إيجاباً على كل الشعوب والدول وفي كافة المجالات ومنها الأدب والثقافة الكردية.

* بالرغم من وجود رقابة شديدة على الكتابة الكردية في كردستان سوريا فنرى بأن هناك أقلام كثيرة لا تسكت عن الصراخ، لكن الصحافة بشكل عام حزبية بحتة، برأيك ما هي الأسباب.

* السؤال مبهم قليلاً وأيضاً مشتت بين فكرتين ومحورين؛ أي أنه يحمل بداخله سؤالان وسنحاول أن نجيب على الاثنين كل على حدة. بالنسبة إلى السؤال الأول ومسألة الرقابة الصارمة وكثرة الأقلام والأصوات التي لا تكف عن الصراخ، نعتقد أن فيها الكثير من التحوير؛ أولاً ليس هناك فقط “رقابة شديدة على الكتابة الكردية في كردستان سوريا” وإنما تغييب دستوري لهذا المكون الأساسي للبلد ويترتب عليه بالتالي حرمانه من جميع حقوقه القومية كعرق وأثنية مختلفة لها حقوق سياسية وثقافية واجتماعية أسوة بالعرب كمكون أساسي آخر، لذلك نقول هناك حرماناً ومنع وليس فقط “رقابة شديدة”. أما مسألة الصراخ، فلا نعتقد أنه وقبل سنوات كان هناك صراخ، بل كان هناك بكاء خافت وراء الجدران، ولو كان هناك صراخ حقيقي من قبل الوسطين السياسي والثقافي لكان هناك من أمرين أحدهما؛ إما امتلأت السجون السورية بأصحاب هذه الأصوات أو كنا شاهدنا انهيار الكثير من الجدران كما شاهدنا انهيار جدار برلين.
وما يتعلق بمسألة الصحافة وأنها بشكل عام حزبية بحتة، فهي تعود إلى جملة الظروف والواقع السياسي الذي يعيشه الشعب الكردي، فقد فرضت عليه أن يلتف حول مجموعة أحزاب ولدت من رحم واحد وتتقاطع في مجمل أهدافها، وبالتالي كان لا بد لهذه الأحزاب والحركات من صوت وإعلام وصحافة، فكانت جرائد الأحزاب والتي كانت وما زالت جل اهتمامها هي الجانب السياسي والحالة المزرية لأبناء هذا المكون العرقي للدولة السورية، وبالإضافة إلى ذلك فقد حاولت معظم هذه الحركات وحسب إمكانياتها أن تهتم بالشأن الثقافي الكردي؛ فالكثير منها أصدرت مجلات خاصة بالأدب والثقافة الكرديتين وكان أكثر من يكتب بها هم أنفسهم من رفاق وكوادر الحزب.

* قمت مؤخراً بزيارة إلى كردستان العراق، ماذا تضمن برنامجك هناك.

* كانت هناك أكثر من دعوة لي ومنها دعوة رابطة كاوا للثقافة الكردية في أربيل “هولير” العاصمة والتي يرأسها الأستاذ صلاح بدرالدين؛ أي ما معناه إنها كانت زيارة عمل لحضور مؤتمر ثقافي حول “الوضع الثقافي في أجزاء كردستان الأربعة”، وقد حضر المؤتمر وفود من الأجزاء الأربعة وكان لي الشرف أن أكون أحد من يمثل كردستان سوريا، وقد أقيم المؤتمر تحت رعاية وزارة الثقافة في إقليم كردستان العراق واستمر لمدة أسبوع تضمنه فعاليات مختلفة؛ مثل إقامة الندوات والمحاضرات بحيث قدم كل وفد من الوفود المشاركة عدد من المحاضرات عن الحالة الثقافية في ذاك الجزء الذي يعيش عليه، وقد قدمنا محاضرتنا تحت عنوان “الوضع الثقافي في غرب كردستان” قي اليوم الثاني من المؤتمر؛ حيث خصص يوم كامل لكل جزء لكي يقف عند الحياة الثقافية هناك. وبالإضافة إلى الندوات والمحاضرات فقد تضمن برنامج المؤتمر العديد من النشاطات والفعاليات منها زيارة الدوائر الحكومية السياسية والثقافية كالبرلمان الكردي ومديرية الإعلام المركزي وتلفزيون كردستان TV وأيضاً المجمع العلمي الكردي وكذلك قبر الزعيم الروحي لشعبنا؛ الملا مصطفى البرزاني في برزان وغيرها العديد من المراكز والمقرات والأماكن الأثرية والسياحية، فكان أسبوعاً حافلاً بالعمل والنشاطات. وقد تواعدنا؛ كانت إحدى مقررات المؤتمر أن يعاد انعقاد المؤتمر كل سنة، وبعدد تمثيلي أكبر للحضور وأكثر فعالية. نستطيع أن نقول: هذه كانت العناوين الرئيسية لزيارتنا الأخيرة إلى إقليم كردستان العراق.