الرئيسية » مقالات » العراق: الصداقة والتعاون أم شيء آخر..!

العراق: الصداقة والتعاون أم شيء آخر..!

في الذكرى الستين لوثبة كانون الثاني/1948
وإسقاط معاهدة بورتسموث/ جبر – بيفن

تمر هذه الأيام الذكرى الستون لوثبة كانون الثاني /1948، التي تعتبر من الأحداث النضالية المميزة لفترة الخمسينات للقرن الماضي في حياة الشعب العراقي، والتي سطر فيها العراقيون من أقصى شمال العراق حتى أقصى جنوبه، أكبر ملحمة نضالية في تأريخه الحديث، من أجل تثبيت سيادته وتكريس إستقلاله وفك إرتباطه بأي تبعية أجنبية. وقد كان إسقاط معاهدة بورتسموث مع بريطانيا العظمى هو الحدث الكبير الذي إقترن بهذه الوثبة المجيدة..!
إن إستذكار هذه الذكرى دفعنا وبفعل التشابه ولا أقول المقارنة، مع ما تجري عليه الأمور على صعيد العلاقات الدولية بين العراق وما يحتمل التوصل اليه من عقد إتفاقية التعاون والصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية في تموز/2008، للتطرق في الملاحظات القادمة، الى ما سمي ب(إعلان النوايا) بين الدولتين، والمعلن عنه في 27/11/2007.

وأحيانا يقال:

“ألف صديق ولا عدو واحد”
هكذا يقول المثل العراقي وربما العربي، وهكذا يحدد العراقيون أصدقائهم في الأوقات الحرجة” على أساس ” الصديق ينفع وقت الضيق”، وعسانا ونحن في الطريق للإقدام على إتخاذ “قرارات” تأريخية تمس مستقبل العراق، أن نتعض من دروس الماضي، وإن عشنا الحاضر..!

ومن هذا المنطلق سعت حكومة السيد المالكي، لتفاجيء الشعب العراقي قبل أيام، بأنها نجحت في كسب ودِ وصداقةِ أعظمَ دولةٍ في العالم، تتمنى كلُ دولِ المعمورةِ كسبَ ودِها لتغفو في كنف حضنِها الدافيء، وتنعم بثمرات ديمقراطيتها الشهية، آمنة من كل شرٍ مستطير..!؟

فقد اعلنت الحكومة العراقية بشخص رئيس الوزراء الأستاذ نوري المالكي بأنها أفلحت في توقيع “إعلان مباديء غير ملزمٍ للنوايا”، مع الولايات المتحدة الأمريكية، وجاءت مقدمة الإعلان بالشكل التالي: (وقع الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، أمس خطة غير ملزمة للعلاقات الاميركية ـ العراقية، تمهيداً لإجراء محادثات رسمية العام المقبل تحدد العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، من المتوقع ان تتضمن وجودا طويل الامد للقوات الاميركية في العراق. ويأتي توقيع بوش والمالكي على «اعلان النوايا» عبر دائرة الفيديو المباشرة قبل اسابيع من تجديد مهمة القوات المتعددة الجنسية في العراق، والتي تمدد للمرة الاخيرة هذا العام، لتكون القوات الاميركية بحلول عام 2009 القوات الاجنبية الوحيدة في العراق.)(1)

ومن قراءة هذه المقدمة، تتضح النقاط التالية من وراء هذا الإعلان:

• إنها إتفاقية وفقاً لنص الإعلان نفسه، وثانياً؛ إنها دولية، لكونها وقعت بين دولتين. وثالثاً؛ غير ملزمة، وهذا أمر نسبي يتوقف على مجريات الأحداث مستقبلا، ولكنه لا يعفي من أهميتها، على الصعيدين السيادي والوطني، كما سنوضح في أدناه ..!


• من المفارقات التأريخية أن الإتفاقيةَ المذكورة قد وقعت في كنفِ “دائرة تلفزيونية” مغلقة بين رئيس الولايات المتحدة الرئيس بوش والسيد رئيس الوزراء العراقي الأستاذ نوري المالكي، بعيداً عن أنظارِ الآخرين من العراقيين، وهذا ما يذكرني بأحداث معاهدة )بورتسموث /1948 ( التي وقعت في دائرةٍ مغلقةٍ هي الأخرى، بين الوفد العراقي برئاسة المرحوم صالح جبر رئيس الوزراء من الجانب العراقي، والمرحوم بيفن وزير خارجية بريطانيا في 16-1-1948 ، حيث جرى التوقيع عليها على ظهر الباخرة فيكتوريا في ميناء بورتسموث البريطاني يومذاك، ولو توفرت لها نفس الإمكانات الإلكترونية المتوفرة اليوم، لحالفها الحظُ في حينه ولدخلت الدائرة التلفزيونية في غفلةٍ من إنظار الجميع..!


• الإتفاقية الجديدة (بوش – المالكي) ألزمت الحكومة العراقية كما هي الأمريكية، بالتهيئة للمباحثات الرسمية بين الحكومتين في عام/ 2008 لتحديد العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، ولا غرو إذا ما ذكرنا بالمناسبة أن معاهدة بورتسموث هي الأخرى قد مُهِدَ لها من خلال مباحثاتٍ سريةٍ جرى التكتمُ عليها من قبل الحكومتين، وقاد الوفدَ المفاوضَ فيها من الجانب العراقي المرحوم محمد فاضل الجمالي وزير خارجية العراق يومذتك. وهي الأخرى كان من مهامِها الرئيسة تحديدُ العلاقةِ الأستراتيجية بين البلدين.


• كون الإتفاقية المعلنُ عنها، وهي إتفاقيةُ ُ ذات طابع دولي تمهد لإبرام معاهدةٍ دوليةٍ بين العراق وأمريكا تُحددُ طبيعةَ العلاقةِ الإستراتيجية بينهما في أكثر المسائل حساسية وهي المسائل السيادية؛ فإنها تعتبر مشمولة بأحكام المادة/73 – ثانياً، من الدستور العراقي الدائم التي تلزم بالمصادقة عليها من قبل رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب. وفي تقديري، أن “إعلان النوايا” نفسه يدخل ضمن هذا الإطار لإرتباطه بشأن دستوري وطني، وهو جزء من الإتفاقية المقترحة، أو كما سماها السيد الدباغ بأنه “خطوة أولى” في طريق الوصول للإتفاقية النهائية، وبالتالي يصبح لزاماً أن يكون مجلس النواب على علم مسبق بتفاصيل تلك النوايا والمباحثات المزمع إجرائها بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، أو على إقل تقدير الموافقة على إجراء مثل تلك المباحثات، لأهميتها المصيرية بالنسبة للعراق، لا كما يجري تصوير الأمر؛ بأن هذا الإعلان هو مجرد ، «[[ اتفاقاً ولا يحتاج الى مصادقة البرلمان العراقي عليه».]]..!؟


• ربط الجانب العراقي، تسبيب الهدف من وراء الدخول في علاقة تعاهدية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية، وطلب تمديد وجود قوات متعددة الجنسيات، بمسألة الخروج من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، المفروض على العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم/661 في آب 1990 بعد غزوه الكويت. (2)


• قصر الفترة الزمنية بين إعلان هذه المباديء “غير الملزمة” وبين أن تجري ” وبأسرع وقت ممكن مفاوضات ثنائية بين الحكومتين العراقية والاميركية للتوصل قبل 31/7/2008 الى اتفاقية بين الحكومتين تتناول نوايا التعاون والصداقة بين الدولتين المستقلتين وذاتي السيادة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والامنية.”(3) وفي هذا ما يبعث على التساؤل، عن أسباب هذه العجالة في إبرام إتفاقية بهذا المستوى من الأهمية والمسؤولية التأريخية، وهل يدخل هذا الأمر أيضاً في عداد (مطبخ الوجبات السريعة) كما نوهنا سابقا.( 4 )


• ولعل من باب التذكير أن يشير المرء الى أن قرار مجلس الأمن رقم/661 في آب 1990 وجملة القرارات الأخرى المتعلقة بالعراق ما قبل عام/2003 أو ما بعد غزو الكويت/1990 ، ليجد أنها جميعاً لا تستوجب من الحكومة العراقية، كتعهد خاص ملزم، أن ترتبط بمعاهدة أو إتفاقية خاصة مع الولايات المتحدة الآمريكية، كشرطٍ لخروج العراق من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. كما ورد في تصريحات المسؤولين العراقيين عند الإعلان عن مباديء النوايا.


• من نقاط التساؤل أن تشير رسالة الحكومة العراقية المرفقة مع قرار مجلس الأمن رقم (1790)/ 2007 المتخذ في جلسته المنعقدة في 18/12/2007 والمتعلق بتمديد ولاية القوة متعددة الجنسيات حتى 31/كانون الأول عام/2008، أن تشير هذه الرسالة وفي الفقرة السادسة منها الى توقيع العراق إعلان المباديء المذكور مع الولايات المتحدة الأمريكية [[ وتود حكومة العراق أن تحيط مجلس الأمن علما بأﻧﻬا قد وّقعت على إعلان مبادئ مع الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد.]] ، هذا في الوقت الذي خلت فيه رسالة السيدة وزيرة الخارجية الأمريكية الى مجلس الأمن والمرفقة مع نفس القرار، من أي إشارة حول الموضوع، ولا يدري المرء أية أهداف تبتغيها الحكومة العراقية من وراء ذلك..؟(5)


• ولكن هذا لا يمنع الدول من عقد المعاهدات والإتفاقيات مع الدول الأخرى، إذا ما كانت تتمتع بالتكافؤ وتمتلك السيادة التامة على أراضيها، وأن لا يثقلها حضور مائة وستون ألف مجند أجنبي غير مرغوب فيه، وأن تكون المصلحة الوطنية واضحة وجلية، والدوافع والأسباب لذلك مبررة ومقبولة وأن الشعب على علم بظواهر وبواطن الأمور، وأن تنعم البلاد بالأمن والإطمئنان، لا أن تكون هذه المعاهدات شرطاً لتلك السيادة أو جزء منها لا سامح الله.. ومن هنا تتجلى الحكمة والموعظة من دراسة عِبر التأريخ، خاصة وأن العراق اليوم يعيش حالة مأزومة، ويفتقد الى المقومات التي تؤهله كدولة يسودها الإستقرار والأمن وتتمتع بإقتصاد راسخ ، وحياة سياسية متوازنة للإتجاه وفي ظل الظروف الحالية الى إبرام معاهدة بهذه الدرجة من الأهمية والمسؤولية التأريخية ..!


• ومن اللافت للنظر أيضاً ربط الجانب العراقي لإنتهاء الإتفاقية الحالية والمتعلقة بتواجد القوات متعددة الجنسية ، مع الإتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووضعهما في مستوى واحد من حيث التبعية، طبقاً لتصريح السيد علي الدباغ: “الاتفاقية ستحل محل الاتفاقية الحالية مع القوات المتعددة الجنسية التي ستجدد للمرة الاخيرة هذه السنة، وذلك سينقل العراق من دولة تحت قرارات ملزمة من مجلس الامن الدولي وبموجب البند السابع الى دولة ذات سيادة كاملة.” علماً بأن إتفاقية تواجد القوات متعددة الجنسية هي إتفاقية معقودة بين العراق والأمم المتحدة وكافة المهام المنوطة بالولايات المتحدة في العراق تجري بتخويل من قبل مجلس الأمن (راجع قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن)، أما الإتفاقية التي يشير اليها إعلان المباديء، فهي ستكون بين العراق وأمريكا، وبالتالي فهي ليست بديلاً عن إتفاقية القوات المتعددة الجنسية على حد قول السيد الدباغ، ولا يربطها رابط بالسيادة الكاملة على حد وصفه أو الخروج من أحكام الفصل السابع، ولم تفرضها قرارات مجلس الأمن كبديل..!؟



هنالك من يدفع بإتجاه حاجة العراق الى مثل هكذا معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مبرراً تلك الحاجة بالحالة القائمة في العراق الآن وما يواجهه من تهديدات إقليمية وأطماع لدول الجوار ، وصراع هذه الدول فيما بينها من أجل تنفيذ أجنداتها المرسومة لتحقيق مصالحها الخاصة، مقروناً بالضعف الذي يعاني منه العراق على الصعيدين الأمني والعسكري والسياسي، ومن جهة أخرى، إنعدام عامل الثقة بين المكونات السياسية الداخلية، وتخوفها المتبادل من الإستئار بالسلطة والإنفراد بها من قبل أي مكون من هذه المكونات.

وإنطلاقاً من هذا المنظور يرى هذا الفريق؛ أن لا بديل أمام العراق غير التوصل الى إتفاق طويل الأمد مع أمريكا، بإعتبارها الشخص الثالث الوسيط والحامي لكل الأطراف، وهي النقطة التي تحظى بشبه إجماع بين القوى الأكثر فعالية من المكونات العراقية السياسية على حد إفتراض من يؤمنون بهذا المنظور..!


الأسئلة التي تطرح نفسها إنطلاقاً من هذا المنظور:

– أن أصحابه لم يتحدثوا عن المزايا التي ستحققها مثل تلك المعاهدة بالنسبة الى الطرف الثاني، وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية. وهل ستكتفي فقط بالمزايا الإقتصادية التي سيمنحها العراق ثمناً لهذه الحماية.؟؟!
– مدى الحدود الزمنية التي سترضى بها تلك الدولة، الطرف الثاني بالمعاهدة، أن تلعب دور الشرطي الحامي لأمن العراق ، والحَكَم الذي يفصِلُ بين المتخاصمين والمتصارعين على السلطة من أبناء البلد نفسه.
– هل سيكون الطرف العراقي طرفاً مشاركاً في النزاعات الأمريكية الإحتمالية التي قد تنشب مع دول أخرى في المنطقة (على سبيل المثال إيران).؟ أم أنها فقط؛ “ستكون العراق دولة فاعلة في حماية المنطقة ضد المجموعات الارهابية.” على حد قول السيد علي الدباغ.؟؟!

تبقى إجابات هذه الأسئلة وغيرها كثير، عالقة بالدوافع والأهداف التي تقف وراء إعلان المباديء للمعاهدة اللاحقة، والتي لم تتضح صورتها بشكل جلي حتى اليوم..!!؟


من السابق لأوانه تبسيط الأمور والتكهن بما ستؤول اليه نتائج المفاوضات القادمة بين العراق وأمريكا، ومن التبسيط أيضاً إستعجال الأحكام وإلقاء تبعاتها على شماعة “المؤامرة” كما تجري العادة أحياناً ، قبل أن يستجلي المرء دقائق الأمور، ويسبر غور تفاصيل هذه المفاوضات المنتظرة، والأهداف والغايات المنشودة من ورائها، والحكمة في إبرامها..!
__________________________________________________________

(1) http://www.iraq4all.dk/viewnews.php?id=10141
(2) http://www.moqawama.org/__print.php?filename=20060214195413
(3) http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&issue=10591&article=447366
(4) http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/28irq.htm
(5) http://www.nahrain.com/d/un/S_RES_1790.pdf