الرئيسية » مقالات » محنة الدين في فقهاء السلاطين ألقسم ألأول

محنة الدين في فقهاء السلاطين ألقسم ألأول

المحاولات التي جرت لتنقية أديان السماء مما علق فيها من قش بعض القائمين عليها رافقت تاريخ هذه ألأديان جميعآ . ولم تنج منها ألأديان ألإبراهيمية الثلاثة أليهودية والمسيحية والإسلام . وحينما تراكم هذا القش على جسد ألإسلام بدءً من نهاية الخلافة الراشدية وحتى يومنا هذا الذي تتبارى فيه التيارات والإتجاهات والمذاهب والفُرق الإسلامية التي تدعي كل منها بأنها الفرقة الناجية صاحبة الجنة وما سواها في النار , فقد خرجت المباراة بين هذه الفرق والمذاهب ألإسلامية عن طورالإختلاف الفقهي والتوجه العقائدي لتدخل حلبة الصراع السياسي الذي إستعمل الدين كوسيلة له في هذا الميدان . وبرز فقهاء السياسة الذين عرضوا بضاعتهم الدينية في سوق السلطة السياسية ليتناولها هذا الحاكم أو ذاك بما يملكه من قوة السطوة وشدة التسلط وبشاعة القمع الذي شرعنه له إسلام الفقهاء إستنادآ إلى تفسيرهم هُم للآية الكريمة ” يا أيها ألذين آمنوا أطيعوا ألله واطيعوا الرسول وأولي ألأمر منكم ” (النساء 59) , لا لما يريده دين السماء حقآ من هذا النص , الذي يرى في ولي ألأمر ذلك الذي يكون مسؤولآ عن رعيته حقآ وليس من يضطهدها أو يتسلط عليها بالحديد والنار . وبرز الإسلام السياسي ألذي تناوله ألكثيرمن الكتاب والمفكرين العرب وغير العرب في كتب ومقالات ناقشوا فيها العلاقة بين الدين والسياسة والدين والدولة خاصة فيما يتعلق بالدين الأسلامي والمحاولات التي جرت وتجري لتسييسه حتى اليوم .
ومن الكتب القَّيمة التي بحثت في هذا الموضوع والذي لا يزال النقاش يدور حوله رغم مرور عشرات السنين على صدور طبعته الأولى التي صدرت سنة 1926 هو كتاب ” الأسلام وأصول الحكم ” للشيخ الأزهري علي عبد الرزاق الذي تصدى له شيخ الأزهر آنذاك محمد بخيت المطيعي بكتابه ” حقيقة الأسلام واصول الحكم ” إذ لم ينته الأمر بهذا الرد , بل أخذ أبعادآ أخرى عانى منها الشيخ علي عبد الرزاق ما عاناه ولفترة غير قصيرة , حيث لم ترق لفقهاء السلاطين الطروحات العلمية المُستنبطة من ألأصول الحقيقية للدين ألأسلامي الحنيف , دين ألسماء, لا دينهم , والتي توصل إليها الشيخ عبد ألرزاق من خلال دراساته وأبحاثه العلمية . يمكن القول أن هدا المؤلَف القيم فتح الباب أمام المؤلفات الأخرى , حيث سار على هذا النهج العلمي كُتّاب ومفكرون تناولوا هذا الموضوع الشديد الحساسية من جوانبه العلمية المختلفة وغرضهم من ذلك إعطاء صورة واضحة عن مفاهيم الدين تختلف عن تلك الصورة التي حاول ويحاول فقهاء السلاطين , وفي هذه الأيام بالذات, لصقها به . فأغنت المكتبة العربية مؤلفات خالد محمد خالد وجمال البنا وسيد القمني ,ومحمد أراكون ومحمد سعيد العشماوي وصادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد وفرج فوده ومحمد شحرور وصادق النيهوم وحسين مروة وهادي العلوي والعفيف ألأخضر وغيرهم من رواد المنهج العلمي الذين أرادوا إنقاذ الدين ألأسلامي من شوائب السياسة ونزواتها ودهاليزها وكواليسها التي لا تثبت على قرار والخاضعة للتغيير والتحوير بين آونة وأخرى تطول أو تقصر حسب مقتضيات الوضع الآني , وهذا ما لا يمكن أن يتصف به الدين السوي القويم الثابت المبادئ الذي لا يعرف أللف والدوران ولا يتعامل مع التحوير والتسويف.
إن إسلام السماء الذي أراده ألله للناس كمبادئ وقيم ثابتة ليجتمعوا حول خطوطها العامة العريضة كل حسب قناعته بها ودرجة إلتزامه بمحتواها , لم يرد له أن يكون بضاعة يعرضها من يدعون القيمومة عليه في أسواق التقلبات اليومية , فجعلوا منه بضاعة سياسية محدودة الفعل متقلبة المزاج يتاجر بها الفقهاء تحت الطلب , فقهاء السلاطين .
” أراد ألله للإسلام ان يكون دينآ , وأراد به ألناس أن يكون سياسة , والدين عام إنساني شامل , أما ألسياسة فهي قاصرة محدودة قَبَلية محلية ومؤقتة . وقصر ألدين على ألسياسة قصر له على نطاق ضيق وإقليم خاص وجماعة معينة ووقت بذاته. ……وممارسة السياسة بإسم الدين أو مباشرة الدين بإسلوب ألسياسة يحوله إلى حروب لا تنتهي وتحزبات لا تتوقف وصراعات لا تخمد واتون لا يهمد. ” (ألمستشار محمد سعيد ألعشماوي , ألإسلام السياسي )
لقد عانى ألدين ألإسلامي من تسييسه ما عانى منذ أن رُفعت المصاحف في صفين بالأمس , لا لتحقيق حكم السماء, بل لتمرير خديعة الفقهاء , فقهاء السلاطين . وتُرفع المصاحف اليوم في القرن الواحد والعشرين أيضآ لا لتستنكر صورآ كاريكاتورية تافهة , كما يدعون , أو للتنديد بتسمية لعبة بإسم محمد , جعل منها فقهاء السياسة والسلطان إنتقاصآ من النبي الكريم (ص) , وكأن العالم العربي والإسلامي يخلو من كثير من المجرمين والفاسقين الذين يحملون هذا ألإسم أيضآ , فما علاقة الرسول بمثل هؤلاء يا ترى…؟ لا , إنها لم ترفع المصاحف من أجل هذا أو ذاك , بل لتصور ألإسلام بعدسة فقهاء ألإرهاب والعنف , هؤلاء الفقهاء ألذين هجروا رسالة السلام التي يدلل عليها ألإسلام حتى في محتواه اللفظي , إن تجاوزنا محتواه الفكري . إنهم عاجزون عن أن يقدموا تعريفآ واضحآ لهذا الدين لأولئك الناس من غير المسلمين خاصة والذين يرغبون ألإقتراب من ألإسلام . تحوم تعاريفهم دومآ حول الرحمة في دين السماء التي لا تشمل في دين الفقهاء من يُريد أن يُغير دينه مثلآ , فيفتون بقتل النفس ألتي حرم ألله قتلها , في حين لا توجد ولا آية واحدة في القرآن ألكريم تُشير إلى عقاب من يُغير دينه أو يرتد عن ألإسلام بالقتل , بل ولا توجد أية عقوبة دنيوية أخرى على الردة أو تغيير الدين كما في السرقة أو الزنى , إذ أن إسلام السماء ترك هذا ألأمر ليوم الثواب والعقاب , إلا أن البعض لا يريد أن ينتظر أو يقتنع بحكم ألله , فسارع إلى تنفيذ أحكام إسلام فقهاء السلاطين في هذه الدنيا قبل أن تُطبق أحكام إسلام السماء في دار البقاء . ولماذا هذا ألقتل الذي يُجيزه إسلام الفقهاء في حين أن إسلام السماء يقول ” وقل الحق من ربكم فمَن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…”(الكهف 29) أو ” لا إكراه في الدين “(البقرة 257) أو ” لكم دينكم ولي ديني ” (الكافرون 6) والكثير الكثير من هذه الآيات التي تضمن حرية المعتقد في ألإسلام , هل أن جميع الآيات التي لا تتفق ومقولات إسلام الفقهاء منسوخة , كما يدعون…؟ فماذا بقي من القرآن إذن…؟ أما أن ينسبوا إلى النبي محمد ( ص ) قول ” مَن غير دينه منكم فاقتلوه ” فذلك شيئ لا يستقيم والعقل السليم لفهم إسلام السماء الذي أراد من صاحب الرسالة أن يُبين للناس ما أُنزل إليهم ” وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم لعلهم يتفكرون ” (النحل 44) , وليس لإصدار العقوبات في الدنيا بعد أن تركها ألله للآخرة , وحاشى للنبي الكريم أن يتصرف بما يخالف النص القرآني الذي ما فرط في شيئ . وسنتطرق لاحقآ إلى موضوع الردة لدى فقهاء السلاطين بتفصيل أكثر.
إسلام السماء يريد ألإختلاف بين الناس كي يتبادلوا المعارف المختلفة فيما بينهم , حيث أكد على ذلك بالنص القرآني القائل : ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجآ ولو شاء ألله لجعلكم أمة واحدة ” (المائدة 48) أو ” ولو شاء ألله لجعلكم أمة واحدة ولا يزالون مختلفين “(النحل 93) . وإسلام السماء أراد من هذه ألأقوام المختلفة أن تتعاطف وتتراحم فيما يبنها بعد أن يتعرف كل منها على الآخر “يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبآ وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ألله أتقاكم “(ألحجرات 13) . إلا أن إسلام الفقهاء يريد إلغاء هذا ألإختلاف بالقوة ويمنع التعارف بين الناس بالإكراه , فجعل من العنف لتحقيق ألأهداف السياسية البحتة جهادآ في سبيل ألله, وما هو في الواقع إلا دفاعآ عن مآرب شخصية وتحقيقآ لأغراض معروفة , دفع فقهاء السلاطين والسياسة ألشباب للموت في سبيلها , بعد أن غرروا بهم , في حين أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى ” دول الكفر” التي يتبجحون بقتالها, ليدرسوا أو حتى يعيشوا هناك . هل سمعنا يومآ ما باشتراك أحد أبناء أو بنات بن لادن مثلآ , أو القرضاوي , بعملية إنتحارية….؟ جعلوا من هذا العنف مقدسآ في حين جعله إسلام ألسماء كريهآ , حتى وإن كان في سبيل ألدفاع عن الدين ” كُتب عليكم القتال وهو كره لكم…. “(البقرة 216) . إلا أن إسلام الفقهاء يدفع الناس إليه دفعآ لا علاقة له بإسلام السماء الذي يحشرونه في هذه ألأعمال التي تأتي على ألأبرياء في أغلب ألأحيان . اصبحت هوية الدين لديهم , والمعروف بها عالميآ, قنابل ومفخخات ومتفجرات لعمليات إرهابية فسرها فقهاء الإرهاب على أنها تتم إستنادآ إلى ألآية القرآنية ألكريمة ” وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو ألله وعدوكم . “(ألأنفال 60). فالإرهاب عند إسلام الفقهاء فرض جاء به نص قرآني . هكذا يتعامل فقهاء السلاطين مع دين السماء ويلوون نصوصه, حتى تقاتلت تحت رايات إسلام الفقهاء لا إسلام السماء الطوائف ألإسلامية مع بعضها البعض وتناحرت الشيع , كل يكفر الآخر ويعمل على ألإطاحة والتنكيل به , وحولوا النص الذي جاء به إسلام السماء ” لتعارفوا ” إلى لتتقاتلوا , حتى بين من يدعون ألإنتساب إلى نفس الدين ونفس المذهب . إلا أن الكل يتحدث عن وحدة ألإسلام , ولم يخبرنا الفقهاء أين نجد هذه الوحدة في النص القرآني أم في فتاواهم وتكياتهم أوفي عقولهم المليئة بالظلام …؟
من الطبيعي أن تتبلور عن مثل هذه الأفكار أطروحات وشعارات هدفها الأول والأساسي جذب ألإنسان المتعلق بدينه فطريآ وتراثيآ للعمل على تطبيقها وإخراجها إلى الميدان العملي ضنآ منه , وخاصة الإنسان البسيط وغير المتعلم , أنها الدين بذاته , وعلى الأخص إذا صدرت مثل هده الشعارات عن معممين طوال اللِحى , وشموا جباههم ببقع سوداء ليحققوا بها أمام الناس مضمون الآية الكريمة :” سيماهم في وجوههم من أثر السجود “(الفتح 29), دون أن يخطر على بال هذا الإنسان البسيط أن يكون هناك من يستغل إسم الدين لمثل هذه الأغراض السياسية البحتة. لقد تجلت هذه الشعارات السياسية في إسلام الفقهاء على عدة صوريرددونها بأصوات أصبحت مملة لا تجد لها صدى يُذكر لكثرة تكرارها. أقوال لا معنى حقيقي لها لأنها لا تتعامل مع القيم ألإسلامية وتتنكر للواقع .
ألإسلام هو الحل , هذا واحد من شعارات إسلام الفقهاء , إلا أنهم عاجزون عن إخبار الناس أي إسلام يقصدون. إنهم يكذبون على الناس وعلى أنفسهم حينما يدّعون بوحدة ألإسلام , إذ أنهم يكفرون بعضهم بعضآ , فينحاز كل منهم إلى إسلامه رافضآ إسلام الآخرين , ومع ذلك يتبجحون بوحدة الإسلام الذي يريدونه أن يكون الحل , وهم لا يعنون بهذا ألإسلام سوى إسلام فقهاء السلاطين على إختلاف نزعاتهم وتباين توجهاتهم , وكل يريد إسلامه هو وليس إسلام السماء الذي يطلب ألإيمان الحق به وبتعاليمه , لا التبجح بحمل إسمه فقط والذي قد لا يعني شيئآ في إسلام السماء “… قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ألإيمان في قلوبكم ….”(الحجرات 14) فأي إيمان يحمله فقهاء التكفير والتفخيخ والذبح والإغتصاب ….؟ وعن أي إسلام يتحدثون….؟ . يقولون ألإسلام السني فيخرج رهط فقهاء هذا لإسلام كل يريد أن يجعل من مذهبه هو المقصود بين المذاهب ألأربعة, لا بل وحتى منتسبو المذهب الواحد لا يتفقون على الطائفة المذهبية التي يريدون . ويقولون ألإسلام الشيعي , فتخرج التيارات الشيعية ألإثنا عشرية والإسماعيلية والعلوية والزيدية وغيرها من الفروع والتشعبات ألأخرى , يدعو كل منها إلى مذهبه وطائفته . وهكذا يتوزع دين الفقهاء إلى أكثر من سبعين فرقة وملة وطائفة كل منها تدعي إنها الفرقة الناجية وما سواها في النار , ثم لا يخجلون من الصراخ ” ألإسلام هو الحل ” ولم يجهدوا أنفسهم بإيضاح ما يدّعون . ولو فعلوا ذلك فلا يتعدى إيضاحهم مقولة العودة إلى السلف . وهنا يختلط الحابل بالنابل بتشويش أكثر وتشويه أفضع لإسلام السماء حينما يربط فقهاء السلاطين إسلامهم ببعض العتاة والظالمين , لا بل والفاسقين من السلف الذي يدعونه من أمثال من وضعوا أنفسهم على قمة ألخلافة ألإسلامية بعد نهاية الخلافة الراشدية التي إنتهى معها ألإلتزام الحق بتعاليم إسلام السماء وحلت محلها تعاليم إسلام فقهاء السلاطين والملوك وذوي الجاه والمال . ألإسلام هو الحل شعار بدائي في أفكاره لا يجد له موقعآ حتى في عقول من يرددونه لأنهم لا يفقهون ماذا يرددون, وكيف يحققون عمليآ ما يدعون . وحينما يربطون وحدة ألإسلام بآلية ممارسة الفروض ألإسلامية العامة كالشهادة والصوم والصلاة والحج والزكاة التي يمارسها المسلمون على جميع المعمورة بنفس الآلية , فإنهم يكذبون على الناس وعلى أنفسهم هنا أيضآ, حيث أن مثل هذه المراسيم الدينية لا علاقة لها بالأهداف التي يسعون إليها في ممارساتهم اليومية . فكم من مصلي قتله إرهاب فقهاء السلاطين وهو يصلي في محرابه .وكم من المسلمين ألأبرياء تعرضوا للسجون والمعتقلات والموت تحت التعذيب والنفي والقتل العمد لا لذنب إقترفوه , بل لأنهم لم يخضعوا لتهديدات إرهاب فقهاء السلاطين لهم ولم يستجيبوا لنداءاتهم التضليلية . فأين إذن وحدة ألإسلام التي يدعونها إذا كانت سيوفهم مسلطة على المسلمين قبل غيرهم…؟
ويطرحون شعار الإسلام دين ودولة , وهنا لابد لنا أن نتوقف بعض الشيئ عند هذا الشعار ألأكثر تشويهآ للدين ألإسلامي من الشعارات الأخرى التي يتبجحون بها . إن فقهاء السلاطين غير متفقين فيما بينهم حول ماهية الدولة التي يرددون إسمها لأن هذه الدولة هي وليدة بنات أفكارهم , حيث لا يوجد نص قرآني واضح ولا حديث نبوي صحيح متوارد عن هذه الدولة التي يربطونها بالإسلام عن عمد ديماغوغي إنتهازي سياسي مقصود . لقد جاء فقهاء السلاطين بهذه المقولة ولم يوضحوا للملأ كيف يمكن ربط إسم الدولة بالإسلام دون غيره من ألأديان , خاصة ألأديان ألإبراهيمية الأخرى اليهودية والمسيحية . وإن أراد دعاة ربط الدولة بالدين أو الدين بالدولة أن يتشبهوا بالحركة السياسية الصهيونية التي سعت ولا زالت تسعى إلى ربط الدولة الصهيونية بالدين اليهودي فتبيح لنفسها ما تبيح من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني بإسم هذا الدين , أو يريدون التشبه بملوك وقياصرة أوربا القرون الوسطى الذين ربطوا المسيحية بدولهم وإماراتهم التي شنت الحروب الصليبية , إن أراد فقهاء السلاطين من ربط الدين ألإسلامي بالدولة للتشبه بهؤلاء , فهذا شأنهم هم وليكفوا عن إرهاق إسلام السماء والمعتنقين له بإخلاص بمثل هذه الشعارات السياسية التي يسيئون بها إلى هذا الإسلام وأهله . إن وجود مَن يعتفقون دين ما بالأغلبية ضمن نظام سياسي معين وبقعة جغرافية محدودة لا يعني أن يتحول ذلك النظام السياسي بكل ما فيه وما في مؤسساته إلى دين ألأغلبية . نعم قد تنتشر في ذلك المجتمع بعض المظاهر الدينية لهذه ألأغلبية ولكن هذه المظاهر تظل مقتصرة على هذه ألأغلبية ولا تعم الدولة بكاملها بكل ما فيها وكل ما تكون هذه الدولة مسؤولة عنه سياسيآ وقانونيآ واجتماعيآ بحيث لا يجري التفريق فيها بين هذا وذاك لأي سبب من ألأسباب , وإلا هل أن الدولة , حسب نظرية فقهاء السلاطين هذه , هي التي تؤدي الفرائض الدينية …؟ هل هناك دولة تذهب لتأدية الصلاة في المعابد الدينية , أو تؤدي الزكاة أو تذهب إلى الحج…؟ إنهم يريدون بهذا الشعار, كما في الشعارات ألأخرى , تحقيق الأهداف السياسية التي يريدونها , وليس تلك التي يريدها إسلام السماء, رغم زعمهم بتمثيلهم لهذا ألإسلام الذي تناسوا قيمه وتعاليمه حينما جلسوا على كرسي الحكم , والأمثلة الصارخة على ذلك قديمآ وحديثآ كثيرة جدآ تقدمها لنا كل الحقب ألإسلامية منذ إنتهاء عهد الخلافة الراشدية وحتى يومنا هذا . لم يخبرنا النص القرآني الكريم أن الحساب المرتبط بالثواب والعقاب يوم القيامة سيجري بين ألله والدول التي ستُسأل عن دينها . فإن كان ألأمر كذلك فاليخلد البشر إذن إلى الراحة والسكينة , إذ أن دولهم ستقدم أعمالها ومدى إلتزامها بدينها أو عدمه . ما هذا اللغط وما هذا الهذيان عن دين الدولة الذي لا يستقيم والتعاليم الحقة لإسلام السماء الذي يتجنى عليه فقهاء السلاطين بهذه المفاهيم الفجة . ألله لم يكلف أي دولة بالتدين , بل كلف البشر المنضوين تحت النظام السياسي والبقعة الجغرافية بذلك , لا بل وكل البشربغض النظر عن الدولة التي يعيشون فيها . فالثواب والعقاب سيكون مع البشر وليس مع الدول . ثم ماذا يعني هذا الشعار الواهي المهلهل بربط ألإسلام بالدولة , والدول تتعرض إلى الزوال والإنهيار؟؟؟ هل يعني ذلك أن ألإسلام الذي سيرتبط بهذه الدولة أو تلك سيزول أيضآ مع زوال هذه الدولة ؟؟؟ هل يمكن لإنسان سوي أن ينطلق من هذا المنطق حين تعامله مع دين يعتقد معتنقوه أن وجوده لا يرتبط بزمان ومكان …؟ هل ينتمي هؤلاء الذين يرددون هذا الشعارإلى هذا الدين حقآ , وإن قالوا نعم فكيف يتجاهلون تعاليمه إذن , تلك التعاليم التي تشير إلى أبديته بين الإنسان ما بقي في هذا الوجود وليس بين الدول الزائلة يومآ ما حتمآ …؟ يقول نص ألآية القرآنية الكريمة 105 من سورة المائدة ” يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم مَن ضل إذا إهتديتم إلى ألله مرجعكم جميعآ فينبئكم بما كنتم تعملون ” هل يعي فقهاء السلاطين هذا القول الواضح الذي يضع ألإنسان أمام مسؤوليته وليس الدولة التي ينتمي إليها . وهذه الآية الكريمة تنبه الذين آمنوا أن لا يلتفتون إلى أقوال مَن ضلوا , وربما قد ضل فقهاء السلاطين الدرب السوي فسلكوا هذه الطرق المعوجة صوب أغراضهم السياسية وطموحات سادتهم الذين يدعون لهم في خطب الجمعة بالبقاء والدوام بعد كل صلاة جماعة يأمونها . وهم يعلمون تمامآ أن سادتهم هؤلاء هم من مصاصي دماء شعوبهم ومن الذين رفضوا وحاربوا كل المبادئ التي جاء بها إسلام السماء لقيادة الأمة , تلك المبادئ التي عمل على تطبيقها قادة الأمة ألأوائل بدءً من النبي محمد (ص) وانتهاءً بآخر خليفة من الخلفاء الراشدين (رض) عنهم جميعآ .
فكيف نفسر والحالة هذه تلك ألنداءات التي رافقت حقب مختلفة من تاريخ الدين ألإسلامي تزعم فيها أن ألإسلام دين ودولة…؟ هل هي الحقيقة الدينية فعلآ والمستندة إلى المصادر ألأساسية لهذا الدين أو أنها تمثل المقولات التي أصبح من الضرورة تبنيها والإجهار بها كاستجابة للتطورات السياسية والإجتماعية التي إكتنفت المجتمعات ألإسلامية خاصة بعد أن إإستتب ألأمر لحكام الوراثة بعد إنقضاء عهد الشورى بنهاية الحكم الراشدي …؟ تُمثل شعارات وحدة الدين والدولة هذه ألإنعكاسات التي ولدها ألإحباط في تقرير نمط ألإنتاج ألإجتماعي في المجتمعات الإسلامية التي لم يُحسم النزاع فيها لصالح الطبقات البرجوازية الصاعدة والتي تولت قيادة المجتمعات كما جرى في أوربا , هذه القيادة التي حققت طموحات التطور الإقتصادي القاضي بجعل ما لقيصر لقيصر وما لله لله . لقد ظلت أنماط الإنتاج ألإقطاعي المتشحة ببعض ألإرهاصات البرجوازية هي ألإنماط السائدة في المجتمعات ألإسلامية التي لم يُحسم فيها النزاع للطبقات البرجوازية , كما هو ألأمر في أوربا . وباستمرار هذه ألأنماط ألإنتاجية التي أصبحت وبمرور الزمن لا تمثل تطلعات ألإنسان المسلم الذي ظل يراقب التطور العالمي ولا يشارك به , بل تخلف عنه كثيرآ , تولدت الحاجة إلى إضفاء المزيد من الشرعية على وجود مثل هذه الأنظمة الفاشلة , فكانت الشرعية الدينية هي المؤهلة للتأثير في هذا الميدان وذلك بسبب التعلق التراثي الفطري لهذه المجتمعات بالتعاليم الدينية التي نشرها فقهاء السلاطين في هذه المجتمعات والتي فسروا بها إطاعة الحاكم , كولي للأمر, من إطاعة ألله . وعلى هذا ألأساس نشأت الدول وألأنظمة ألعربية والإسلامية الهجينة التي لم يستطع قادتها ألإجهار بالعلاقات ألإقطاعية العشائرية السائدة فعلآ , حيث أنها لا تتلائم والعلاقات ألإنتاجية العالمية التي يجنون منها ألأرباح وتثبيت النفوذ , كما أنهم لم يستطيعوا النهوض بالطبقة البرجوازية , إذ أن تبني مثل هذا النهوض يعني تبني ألإصلاحات التي يجب إتخاذها للخروج بهذه المجتمعات من نمط ألإنتاج ألإقطاعي والشبه إقطاعي السائد إلى نمط ألإنتاج الرجوازي الرأسمالي ( لإيضاح ذلك أكثر لا بأس من مراجعة الحلقات التي كتبناها تحت عنوان ” ألدين والدولة وجدل ألإختيار ” . فالمسألة إذن لا تتعلق بنص ديني يحدد نوعية النظام الذي يجب أن يتبناه المجتمع ألإسلامي , إذ لا يوجد هناك أي نص من نصوص القرآن والسنة يشير إلى ذلك , وإنما تتعلق بأهداف سياسية نشأت وتبلورت عبر المراحل المختلفة للتاريخ ألإسلامي نشأت على أساسها فكرة توظيف الدين كأحسن وسيلة يقبل بها المجتمع لتحقيق مثل هذه ألأهداف , فكانت نظرية فقهاء السلاطين هذه المتمثلة بمقولة ألإسلام دين ودولة . والدعوة التي يربطونها بهذه النظرية هي دعوة العودة إلى الخلافة كشكل للحكم في هذه الدولة التي يعملون على تأسيسها . وحينما يدعو فقهاء السلاطين إلى عودة الخلافة المتمثلة بالعودة إلى السلف , لم يبينوا للناس أي سلف يقصدون . إنهم لا يقصدون بالتأكيد سلف العقود ألأولى من قيام ألأمة ألإسلامية والذي إنتهى ببدء تأسيس الدولة ألأموية ونشوء دولة الوراثة التي قضت على مبدأ الشورى . إن الخلافة التي يدعو إليها فقهاء السلاطين هي خلافة القصور وليست خلافة الجامع , إنها خلافة الجواري والعبيد والبذخ والترف وليست خلافة الكفاف في العيش ومواساة الرعية . والسبب في دعوتهم إلى مثل هذه الخلافة التي لم يتفقوا فيما بينهم على أهلية صاحبها , إذ أن كل منهم يعتبر نفسه ألأولى بالأمر من غيره , إن السبب لمثل هذه الدعوة هو أنهم سيكونون أول من يجني ثمار خلافة عرجاء كهذه والسبب الثاني هو أنهم لا يجرأون على التشبه بأي من الخلفاء الراشدين . لذلك فإن العودة إلى السلف تعني لديهم ألعودة إلى حكم الطغاة من ألأمويين والعباسيين والعثمانيين , وإلى حياة الجواري والغلمان وحياة القصوروالخمور. أو انهم يدعون بمقولة ربط الدين بالدولة أو الدولة بالدين إلى أن تقوم الدولة بحماية الدين والعمل على إنتشاره باعتبار أن الدولة لها أمكانيات مؤسساتية قادرة على ذلك . فأي دين هذا الذي لا يستقيم إلا بسلطة دولة …؟ وأين ذلك من النصوص القرآنية التي تؤكد في أكثر من موقع على الحرية الكاملة في إختيار الدين وإن ” لا إكراه في الدين “(البقرة 257) و “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر….”(الكهف 29) لا بل وإن الإختلاف في الأديان هو إرادة إلاهية يريد فقهاء السلاطين إلغاءها حسب هواهم ” ولو شاء ربك لآمن مَن في ألأرض كلهم جميعآ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ” (يونس 99) . يرددون أقوالآ لا معنى لها حول العودة إلى دولة الرسول أو دولة الخلفاء الراشدين وهم لا يدركون مسيرة الزمن التي تبلورت فيها النظم ألإجتماعية التي سادت في تلك الفترة التي أرادت تثبيت أسس ألأمة ألإسلامية ضمن نظام إجتماعي رفض له الرسول نفسه أن يكون على شاكلة أنظمة القياصرة الذين أسسوا لدول ذات مؤسسات سياسية واضحة لم يبدأ بمثلها النظام ألإجتماعي ألإسلامي إلا في زمن الخليفة الثاني (رض) حيث بدأت ملامح الدولة المؤسساتية القائمة على التعاليم الدينية الحقة الثابتة وليست على ألأهواء والتقلبات السياسية المتغيرة , لأن الدين الحق يتناقض مع مراوغات السياسة وأكاذيبها وأحابيلها . وحتى لو أن فقهاء السلاطين يفقهون ما يرددونه حول دولة الرسول والخلفاء الراشدين المزعومة , فهل أن أي أحد منهم مهما بلغ من المنزلة يستطيع أن يقارن نفسه بتلك ألشخصيات ألإسلامية الفذة التي بدأ بها ألإسلام كدين لا كدولة حيث حوله من جاء بعدهم بعد إنتهاء الخلافة الراشدية إلى دولة تدعي الدين , هذه الدعوة التي يرددها فقهاء السلاطين اليوم , لا لتحقيق القيم والمبادئ الدينية كما فعل النبي والخلفاء الراشدين من بعده , بل للوصول إلى ألأهداف السياسية المُجَيرَة باسم الدين كما فعل الأمويون والعباسيون والعثمانيون بالأمس ومن يسير على نهجهم من رواد ألإسلام السياسي في عصرنا الراهن . أما ما ينشره فقهاء السلاطين بربطهم هذا الشعار بمفهوم الحكم في ألإسلام , فهذا ما سنتطرق إليه في الحلقة القادمة .