الرئيسية » شخصيات كوردية » صفاء الحيدري

صفاء الحيدري

الحوار المتمدن – العدد: 2112 – 2007 / 11 / 27

صفاء الحيدري شاعر رومانسي رمزي، وضعته سنة 1921م، السيدة فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري الذي شغل منصب”شيخ الإسلام” في عاصمةالخلافة إسطنبول، لضابط في الجيش العراقي من آل حيدري المنتشرون في شمال العراق، وقد برز فيهم الزعيم الشيوعي”جمال” القتيل في نكبة إنقلاب 8 شباط الأسود 1963م مع أخيه”مهيب الحيدري”، وشقيق”صفاء” الأصغر منه بنصف عقد من الزمن، الشاعر الشهير”بلند” الذي توفي ودفن بلندن سنة 1996م، ويعني إسمه بلغة العراق الثانية الكردية(الشامخ). والشقيقان الراحلان”صفاء وبلند” كانا ملاكمين يتصارعان في حلبة الشعر!، وقد كاتب الأول شقيقه الأصغر بأنه حطمه في ميدان الشعر دون أن يشعر بغروب الرومانسية ليظهر عليه” بلند” فيقرن إسمه برموز حركة الشعر الحر/ الحديث بين مجايليه في العراق. كانت رومانسية”صفاء” رمزية تقليدية، أنموذجها قصيده” إمرأة بلا شكل”، جاء فيه:”. . والآن ماذا أكون من الذكرى؟!/ ماذا تكون السنون منا هي الأخرى؟/ الشمس والشاطئ الشاحب في الليل/ والأفق المعتم المصهور في الظل/ والذكريات التي بناظري تغلي/ يشدها في الدجى لقبضتي غل/ بعض الرؤى مثلي/ مرت بنا أيام لم تسع الشكوى/ كانت بها الأحلام تمتص ما نهوى/ كنا بلا مأوى/ كم كنت في وحدتي أبحث عن شئ/ أفتقد الأمس في النور وفي الفئ/ كأنني طائر أغوص في النوء/ لا شئ مما مضى يعوم في الضوء/ غير صدى مبهم في العتمة/ كدافن إثمه/ لا شئ غير التي مرت بلا شكل/ ضمت وريقاتها وارتحلت قبلي/ القلب من بعدها أم بلا طفل”. نشر شعره الحر مع بدء موجة الشعر الحر ونمط شعر شقيقه(بلند) منتصف القرن الماضي في مجلات مثل”الآداب”، كقصيدته”عالم فارغ” و”شخص ثالث”. جاء في الأخيرة المنشورة في شهر تموز 1954م:”أرأيته؟/ أرأيت شاطئ صمته؟!/ يبدو هناك وينتهي. بالأمس كان هنا معي يصغي إلي و لا يعي/ و بموته/ ما عاد يطرق مسمعي وأضلعي/ شئ ينام بموضع. ومضى الربيع فجئته/ تتذرعين بصمته/ و هناك فوق المضجع/ شئ يلفكما معي/ المستحيل!، و مبضع/ لما يزل في أضلعي!”. بدأ”صفاء” إجتراح الشعر سنة 1940م وعمل في الصحافة دون أن يتم دراسته الثانوية، لكنه قال أنه يجيد اللغة الإنجليزية فضلا عن الكردية لكونه من كرد فيلية بغداد، وطبعا العربية، وعمل في مكتب محاماة أسكن فيه شاعر الشارع”حسين مردان” كما ذكرنا ذلك بمناسبة الذكرى الثمانين لمولد”مردان” في موضوع سبق خلال العام الجاري . كان”صفاء” أميل الى العزلة مقلا في سجالات مجايليه، وقد نشرت له مجلة”الرسالة الجديدة” العراقية سنة 1954م مقالا في الأدب بعنوان”أزمة الشعر المعاصر”، كما أجرت معه مجلة”وعي العمال” النقابية العراقية سنة 1986م لقاء صحافيا يفيد فيه بأنه مكن في صناعة”حسين مردان” شاعرا !. كان”صفاء” قد نشر سنة 1981م أعماله الشعرية الكاملة، وهي:”أوكار الليل” سنة 1947م(190 بيتا)،”عبث”(1950م)،”بابلون”(1954م)،”قصائد وطنية”(1962م)،”قنوط”(1963م)،”قافلة الحريم”(1965م)،”الحب الكبير”(1968م)،”قصائد للوطن”( 1980م). سنة 1982م نشر مطولاته الشعرية في كتاب مستقل بعنوان”ملاحم” ضم عناوين:”زقاق”،”بابليون”،”قافلة الحريم”، و”عبث”. جاء في مقدمته:”إن قصيدته(أوكار الليل) المنشورة سنة 1947م، أصبحت جزء من مطولة(زقاق)، و كانت أول ملحمة ظهرت في العراق، ناهزت الألف بيت. و”الزقاق”: مبغى بغداد، كان قائما منذ العهد العثماني حتى مولد”جمهورية العراق” قبل نصف قرن في 14 تموز 1958م، والساقطة في نكبة 8 شباط الأسود 1963م، بسقوط قيادة وسيادة العراق عمليا حتى الآن!. “الزقاق”(حي الكلجية) بين”الفضل” وشارع الرشيد من العاصمة بغداد المنوه عنه بموضوعنا”لعبة مكر…” ، و قصة”الحي”(“الميت” إبان مقتبل عمر جمهورية العراق الأول النبيل الجليل الجميل)، حب بغي وزبون كمثل وكيل منصب رئاسة جمهورية العراق المستحدث على عجل مريب في نكبة 8 شباط الأسود 1963م، أصل بلاء العراق كر و إستطال و تطاول(سئ الصيت والسمعة!)، كطرف/ من جهة، والأصيل الأجنبي المحتل خلال زمن مسخ الجيل المضيع المختل، من جهة ثانية/ أخرى!. “أبي؟! وي/ أباة دنية! (كذا ؟!)/ لا أبا له/ أو دني كشسع نعل بما اجتبى/ حظية الحضيض/ شقي(سعيد) إسمه، جله سفه، غشاه تصابيا يخجل الصبا/ خنا ذا/ خسيس كلاب لو علا من علا به/ أو بإرث جناه إثما كما الربا/ من باكورة(قبل ربع قرن في مهوى الرأس والفؤاد العراق، تحديا لأجواء منصب نكبة العراق هذا !)/ من منجز معد هذا الموضوع، قصيد عنوانه” تبت يدا أبي!”. حب وسيلة/ رذيلة بلا فضيلة!، علاقة سفاح وصفها”صفاء”(الشاعر) بأنها وسيلة إيضاح/ لتنوير وعرض حياة فئة من الآدميين، وضع لهم مجموع الناس خطا دائريا لم يسمح لهم بإجتيازه خشية نقل العدوى الى سائر الغير، بينما هم سمحوا لأنفسهم إجتيازه متى شاؤوا ! . ملحمة”زقاق” قوامها سبعة فصول يقع بعضها في قصيد واحد وبعضها في قصيدتين وبعضها في ثلاث قصائد، وإنقسمت الفصول الى قصائد معنونة وأخرى بدون عنوان. والقصائد منفصلة عن بعضها متصلة بالموضوع الرئيس”الزقاق”(ونرمز له بمنطقة ربيع بغداد الخضراء 1963-2003م)متفاوتة في الطول بعضها عن البعض يجمعها(بحر الخفيف)! ولها قاسم مشترك أعظم مع ملحمة بدر شاكر السياب”المومس العمياء” الأحدث تاريخيا بسنوات عدة وأكثر تجاوزا للموضوع الإنساني العام الى الإجتماعي والسياسي. كما أفاد”صفاء الحيدري”، في الصفحة الأخيرة من”أوبريت بابلون”(سنة 1954م من مجزوء بحر الكامل تقع في 5 فصول)، بأن له أعمالا نثرية هي”الأربعون”(قصة في يوميات)،”شذوذ”(رواية)، و”يوميات مراهق”، وهذه الأخيرة وحدها منشورة!.”زقاق”:”.. ونساء صفر الجبين تمشت قافلات الردى على سيمائه. لم تدع قوة المعاصي عليهن سوى هيكل ينوء بدائه. حملته السيقان ذكرى زمان تتفلى الجراح في أحشائه. وخدود تكهفت ومآق غلف الإثم نورها بوعائه. صهرتها البلوى ورصعها اليأس بلون مسلت الظل شائه. عاريات الأجسام يعرضن ساقا ويحجبن بالأنامل أخرى. ونهود تهدلت كلحوم قصبتها يد من العطف عرى. وفما شاحب المنى قلصته قبل أرهقته طيا ونشرا . تتشهى على جباه عليها للمنايا مسالك تتسرى. عرضتها للبيع في دكة القصاب حتى تغضنت تتهرى”. فتجاوز صفاء، عشق الجسد لدى أمثال”حسين مردان”، “الأيروسي”، وجاوز تجاريب المطولات اللبنانية؛ “سعيد عقل” و”فوزي وشفيق المعلوف”، و”إلياس أبو شبكة”(دليلة وشمشون)، وخاصة تجربة الأخير ، الشخصية مع الجنس في ديوانه”أفاعي الفردوس”، الى سبر غور ظواهر المجتمع الإنسانية، وقد ذكر”بودلير” في مطولة له تشي بالكبت الجنسي المبكر قبل موت حي الزقاق/ مولد جمهورية العراق. أما ملحمته”عبث” فقد نشرت سنة 1949م بوحي من مسرحيات المحتفى بذكرى وفاته 75 في القاهرة بإشراف الشاعر المصري”عبدالمعطي حجازي”، المفضل على”البارودي” وشاعر النيل”حافظ إبرهيم”، أمير الشعراء”أحمد شوقي”(1932-2007م)، مسرحيات رائد المسرح الشعري شوقي؛ علي بك الكبير، مصرع كيلوباترا، قمبيز، عنترة، أميرة الأدلس، الست هدى، وخاصة مجنون ليلى، بموضوعها الحواري البسيط ، وتقع في 4 فصول من بحر السريع/ من مشهد وإثنين وثلاثة: معلم مدرسة ريفية أحب فتاة في ريف مدرسته، لم تبادله الفتاة الحب، إنما ذكرها بمثله هرب بإختها التي أحبته، فظن بأن الدرس والشعر مسخ شخصه فتحول الى فلاح!. وموضوع”بابلون”، الجنس الحرام(ألهم شقيقه”بلند” قصيدة”سمير أميس”)،”بابلون”؛ أميرة بابلية إفتراضية تعشق أخاها غير الشقيق من أبيها دون شعورهما بالإثم !، فهو يرى هذا العشق إمتدادا لصلة الدم بينهما، وهي تستمرئ ذلك الحق الطبيعي/ غير المكتسب شرعا أو عرفا، ولا يستحقه الغريب!. بيد أن المجتمع يقرر حرقهما، فتندم ساعتها بابلون،ولات ساعة مندم!، إثر المضاجعة الأخيرة، فتقتل أخاها وتنتحر لتنتصر الفضيلة على الرذيلة/ على الرأي النسبي بين الأمم والثقافات/ أي الأكثرية على الأقلية/ المجتمع على”الفرد”(الفاء بنقطة واحدة!، إلا أن ينزو الفرد على منصب الرئاسة المستحدث):”بابلون. بابلون. مجرى عميق/ من كرم/ خمار عتيق/ عصر/ الرحيق/ ببرعمي. صدر أنيق/ سكران، غاف، مستفيق/ ما كل ما لفظت شفاه/ شئ وعاه/ إلا هواه/ إلا هواه ومشتهاه/ خذ بابلونك .. بابلونك يا إله”. ثمت أيضا ملحمة”صفاء الحيدري”؛”قافلة الحريم” سنة 1965م، مستوحاة من حرملك السلطان العقماني بايزبد(وهو غير الأموي يزيد الناقص!)، مجزوء بحر الرمل، فصلان/ 3 فصول ثانيهما غلب عليه وصف قافلة قادمة من قارتي أوربا العجوز وأفريقيا الحالمة السمراء، تلاقحت وأوحت بدورها قصصا وقصائد ملحمية؛ لمحمد عفيفي مطر بإطلاعه على مطولات إنجليزية كالأرض اليباب لألبوت، وفرنسية كفصل في الجحيم لرامبو ، بساط الريح ـ شفيق معلوف/ الإلياذة الإسلاميةـ أحمد محرم/ عيد الغدير، وعيد الرياض ـ بولص سلامة. القصص(المريض الصامت، غلواء ـ إلياس أبي شبكة)/ المجدلية ـ سعيد عقل . القصبدة الطويلة؛ الله والشاعر ـ علي محمود طه/ أعماق المدينة، الهامات ـ محمود البريكان(توفي ولم ينشرهما). السياب في حفار القبور، المومس العمياء، الأسلحة والأطفال، في ديوانه”أزهار ذابلة”، قصيدته”أهواء”(192 بيتا)، “نشيد اللقاء”(119 بيتا)، ومثله ديوانه الثاني”أساطير”. حذف من قصبدته”أنشودة المطر” سبعة مقاطع قبل نشرها في حزيران 1954م. قصيدة”من رؤيا فوكاي” نشر قسمها الأول في ك2 1955م، ونشر قسمها الثاني بعنوان”مرثية الآلهة” في شباط 1955م. قصيدة”بور سعيد”، نشرها سنة 1956م و”اللعنات” و”فجر السلام” و”مقل الطغاة” و”القيامة الصغرى” و”المجاعة”، و”الموت في الخريف”، و”كفاح الشعب الكوري”. صديق السياب، الشاعر العراقي”خالد الشواف”، في مسرحيته الشعرية”بين الروح والجسد”(سنة 1946م) نشر منها 120 بيتا، بعد وفاته مهداة الى روح الشاعر الفرنسي بودلير، ومثله في المسرحية الشعرية عبد الحمبد الراضي وخضر الطائي. سعدي يوسف في”القرصان”،عبدالرزاق عبدالواحد في”لعنة الشيطان!”، حسين مردان في”صور مرعبة”، كاظم السماوي في”الحرب والسلم”، موسى النقدي في”محمود والقمر”، الجواهري في”مرحبا أيها الأرق!”،بلند الحيدري في”حوار عبر الأبعاد الثلاثة”، يوسف الصائغ في”أنتظريني عند تخوم البحر” و”رياح بني مازن”، صلاح نيازي في”المفكر”، فاضل العزاوي في”الشجرة الشرقية”،سركون بولص في”دليل الى مدينة محاصرة”، ياسين حافظ في”الحرب”، محسن أطيمش في”الأناشيد”، وخزعل الماجدي في” عكازة رامبو. تلاقح كمثل ريادة أمير الشعر العربي”شوقي” للمسرح الشعري، ألهم أدباء وشعراء أمثال؛ صلاح عبد الصبور، معين بسيسو، نجيب سرور، ممدوح عدوان، سميح القاسم وغيرهم، ليطوروا منطلقا للإبداع الدرامي، كما ألهم بودلير شعراء مثل علي محمود طه في ديوانه”أرواح شاردة”.