الرئيسية » التاريخ » أهمية ما كتبه الرحالة الأوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكورد وكوردستان الحلقة الثانية

أهمية ما كتبه الرحالة الأوربيون في مذكراتهم في تدوين تاريخ الكورد وكوردستان الحلقة الثانية

طالب دكتوراه التاريخ(العثماني)

وان هذه المذكرات كانت في الأساس قد قدمها كاتبها مأمون بك بن بيكه بك اردلان كعريضة إلى السلطان مراد الثالث منه قبول اعتذاره عن تصرفاته فيما سلف وهو يتحدث عن جزء من أراضي شهرزور القديمة وما جاورها من أراضي إمارتي كلهر واردلان الواقعتين ضمن الحدود الإيرانية وما جرى في هذه المناطق من أحداث دامية انعكست آثارها السلبية على مجمل مسار التطور التاريخي للشعب الكوردي نتيجة تحريض الحكومتين الإيرانية والعثمانية الأمراء الكورد الواحد ضد الاخر لكي تضعفا كيانهم وتحتلا بلدانهم وهكذا تمكنت القوات العثمانية وبالتالي من احتلال المنطقة في عهد السلطان سليمان القانوني))(14).
ولقد كان المصدر الوحيد لحد الآن للمعلومات التاريخية عن إمارة شهرزور واردلان هو كتاب الشرفنامة للأمير شرفخان البدليسي في حين ان مذكرات مأمون بك تسبقه في انفرادها بإيضاحات ومعلومات جديدة سواء أكانت فيما يتصل بنفسه هو أم بشخص أبيه بيكه بك وبموضوع تأسيس الحكم العثماني في كوردستان(15). وان مذكرات مأمون بك جاءت بمعلومات مغايرة لتصورات المصادر التي كانت متوفرة منها شرفنامة حيث يبين بان الأسرة التي ينتسب إليها مامون بك ليست هي الأسرة الاردلانية وإنما هي الأسرة العادلانية كما يقول حينما يعرف مأمون بك لنفسه قائلا:((هذا العبد المشحون بالعبودية مأمون بك العادلاني)). وفي ضوء هذه الإيضاحات فان هذه الأسرة التي كانت تحكم ولاية شهرزور(16) إبان تأسيس الحكم العثماني سنة(1535م) في كوردستان العراق إنما نشأت من أسرة عادل بك التي يتصل نسبها بقائدين من قادة الإسلام وهما أبي عبيدة الجراح من العشرة المبشرة وأمير المؤمنين العباس والذي أصبح بعد مذابح الجنكيزيين واليا على ولاية شهرزور(17) وجاء في متن التقرير إيضاح في غاية الأهمية حول موقع إمارة شهرزور وأهميتها بالنسبة للدولة العثمانية ورفع تقرير إلى الباب العالي للنظر فيها واخذ القرار بشأنها كما يقول:((وبعد متابعة السفر يومين جاء محضر حسين بك،وقص عليه ما جرى له في تقرير مفصل، وبيناهم يفكرون في إعلام بيكه بك بما جرى للوفد إذا بغازي خان الدكتور يبعث كتخداه نحو الباب العالي، ليعرض عليه ما فحواه: إن ولاية شهرزول(شهرزور) جديرة بان تصبح مقر أمير أمراء فان أبديت الهمة وزود العبد بمقدار من الجيش فان فتح الولاية لأمر ميسور وهكذا فقد أدى تقرير غازي خان هذا إلى صدور الأمر الهمايوني الشريف إلى جيوش دياربكر ومرعش والشام وحلب إن يساندوا وسليمان باشا أمير أمراء بغداد في الزحف على شهرزول(شهرزور)(18) وإنهم وصفوا لنا بأدق التفاصيل عن الحياة اليومية للمجتمع الكوردي حتى أنهم وصفوا نوع الطعام الذي كانوا يتناولونه سكان المناطق التي زاروها حيث يقول الرحالة ماليبارد((كان الشيخ أنور الشيخ بابا علي يعدان بأنفسهما الفطور الذي جاء به معهما وقد احتوت على كمية من الزبدة الطرية والجبن والدجاج البارد ورغيفان من الخبز وهو فطور تشتهيه الأنفس في كل حين ))(19).
أما الرحالة جوستن بيركنس يقول:((ولقد بقي مراد أغا برفقة جوستن بيركنس حتى صباح الرابع من نيسان وقد أكرمهم فيه كعادته بمائدة إفطار شهية تضمنت الخبز واللبن والدوشاب المغلي(دبس السكر) ))(20)
وفي بلدة(طوزخورماتو) تناول الرحالة الانكليزي جاكسون الخبز رقاق واللبن ولحم الخراف كما يقول:((كان لحم الضان عندهم لذيذا جدا وكذلك لحم الدجاج أيضا وكان خبزهم في شكل أرغفة رقيقة وهو جيد مستساغ ولكن طعامي هنا كان يتألف بالدرجة الأولى من الخبز واللبن وكانت خرافهم جيدة هي الأخرى ولكنهم كانوا يقدمون مأكولاتهم أمام الأجنبي بوفرة ظاهرة ويفرطون في تناول الشحوم ))(21). وكذلك للرحالة الانكليزي جمس بكنغهام مذكرات كتبها عن رحلته بجزءين وبدأ رحلته إلى العراق سنة 1816م عن طريق سورية فعبر البادية إلى سنجار ومنها إلى الموصل ثم دخل بغداد عن طريق الموصل ، اربيل ، كركوك وبعد زيارات خاطفة لعكركوف وآثار بابل استقر بضعة أيام في بغداد ليغادرها إلى الهند عن طريق إيران وكان يتولى بغداد عند زيارته الوالي سعيد باشا ويعطي بكنغهام وصفاَ ممتعاَ لمختلف جوانب الحياة في بغداد والبصرة والمدن التي زارها وتعتبر. رحلة المنشي البغدادي (وهو محمد بن احمد الحسيني) والذي كتب مذكراته سنة (1821م) حيث كان المنشي البغدادي السكرتير الإيراني للمقيمة البريطانية في بغداد على عهد ريج وقد ضمنها معلومات عن الكورد وعن بغداد وبين علاقة الانكليز بالوالي داود باشا(22). إن دراسة كتب الرحالة ومذكراتهم أجدها مهمة جداَ إلينا لأننا سنتعرف على سلبيات مجتمعنا وايجابياته لنتجاوز السلبيات ونعمق الايجابيات مع العمل على الارتقاء بمجتمعنا لان هؤلاء الرحالة بعملهم هذا على الرغم أنهم كتبوا لإغراض الجاسوسية وتمثل وجهة نظرهم باعتبارهم أما موظفون أو ضباط يعملون في المنطقة وكتبت حسب نظر السائح من مشاكل وقضايا لفتت انتباهه لمعرفة السلبيات والايجابيات في هذا المجتمع ومعرفة نقاط الضعف والقوة في المجتمع ومشاكل الإدارة العثمانية أو سكان الريف والعشائر وسكان المدن .. مع دراسة معتقداتهم الدينية والمذهبية كما تراءى لهم.. وان تقاريرهم السرية التي كتبها رجالهم(الأوربيون)(23) من الأفضل علينا إن نوثق هذه النصوص لتكون مرجعا لنا ولأجيالنا وعلى باحثينا أن يحللوا ويتفحصوا هذه النصوص والكتابات والرسائل والمذكرات ومقارنتها مع المصادر التاريخية الأصلية والوثائق المتوفرة للوصول إلى حقيقة تاريخية. فالرحالة المذكورين لم تكن تعنيهم كتابة التاريخ السياسي للمنطقة بقدر اهتمامهم بتدوين ملاحظاتهم عن جوانب الحياة المختلفة لسكان المناطق التي تجولوا فيها الأمر الذي أضفى أهمية خاصة على كتاباتهم وجعلها تتميز عن المصادر التاريخية التقليدية ومما يزيد من أهمية تلك المؤلفات أنها قامت على مشاهدات مباشرة أو أخبار نقلت من أفواه أهل المنطقة. بل ان بعض الرحلات قد نمت في إطار بعثة علمية للتعرف عن كثب على المنطقة وأنشطتها الاقتصادية ولكن إشارات الرحالة لم تكن تنحصر في هذه الناحية فحسب بل كانت تشمل الأوضاع والترتيبات الإدارية الى جانب بعض الأخبار السياسية وللإغراض التجارية كما هو عند الرحالة الفرنسي(جان باتيست تافرنيي ـ 1605م ـ 1689م) الذي قام بعدة رحلات إلى الشرق وبينها المنطقة كوردستان ما بين بداية العقد الرابع ونهاية العقد السابع من القرن السابع عشر وهو يتناول العلاقات التجارية فالمذكور بالنظر لكونه تاجراَ قد اهتم بتلك الناحية أكثر من أي شيء آخر. ولكن يلاحظ على تافرنيية ميله إلى المبالغة لجذب أنظار القراء وذكر أسماء بعض الأمكنة والبقاء بصورة مغلوطة(24).
أصل الكورد
إن الكورد عبارة عن شعب خاص يعيشون في قطاع واسع من الأرض يمتد من ارارات حتى خورستان وتعرف هذه البلاد عموما باسم كوردستان وهي لا تملك التركيب الكامل الخاص بنفسها لأن القسم الأعظم من كوردستان تدخل في ممتلكات إيران وتركيا ويعيش فيها بعض الفرس والأرمن والترك ويدخلون ضمن سكانها(25). وان العلماء الباحثين في أصل الكورد توصلوا إلى أنهم (الأكراد)((شعب جبلي سكن القسم الشمالي الغربي من إيران ومن هناك تحركوا تدريجياَ جنوباًَ وشمالاَ وغرباَ داخل أسيا الصغرى ويعتقد معظم العلماء أن الكورد هم مزيج من شعوب قديمة تضم بعض أو كل الشعوب الآتية الكاشيينkassites المانيينManneans والكوتيين Guti والميديين Medes والكوردوخيين Kardokhoi (26) ويعتبر الكورد أنفسهم أحفاد الميديين الذين ادمجوا في الإمبراطورية الاخمينية(559 ـ 330ق . م) وقد انتقل الميديون إلى إيران من القوقاز(عبر القوقاز) حاملين معهم لغتهم الهندو ـ أوربية ويمكننا ان نعرف من الكتابات المنقوشة على الصخر إن الأشوريين في أعالي ميزوبوتاميا شنوا غزوات متكررة على المناطق الميدية واستطاع الميديون مع حلفائهم البابليين أن يستولوا على العاصمة الاشورية(نينوى) ودمروها سنة(612 ق.م).(27) في حين يحدد الرحالة موطن الكورد بأنه((تمتد في روسيا وإيران بمحاذاة سلاسل جبال اكرى داغ حتى السهول الرملية الممتدة لنهري دجلة والفرات في الجنوب))(28)
يقول الرحالة الانكليزي كلينك الذي تجول في روسيا وتركيا وبلاد الكورد في سنوات الحرب العالمية الأولى ودون مشاهداته في كتابه الموسوم بـ(مغامرات في تركيا وروسيا وطبع في لندن عام 1924ان هناك أسطورة فارسية تقول: إن سالامون(سليمان) بعث يطلب في حينه أربعمائة من الفتيات العذراوات الجميلات الحسناوات من الشرق وحسبما ورد في الأسطورة وفي طريقهن إلى سليمان فان العفاريت والشياطين اسروا له تلك الفتيات في شمالي بلاد ما بين النهرين وان الكورد من نسل أولئك .(29) ويقول ويليام ايغلتون((وفي طريقهن إلى سليمان اغتصبهن الجن))(30). وهناك رواية أخرى فقد أوردتها(شرف نامة)التي كتبت في القرن السادس عشر الميلادي ومفادها إن الطاغية(ازدهاك ـ الضحاك) ابتلي برأسي حيّتين نمتا على كتفيه وكان الرأسان لايهدآن إلا بالتهام دماغ شابين يومياَ وقد اكتفى الموظف القائم على هذا الأمر بدماغ شاب ومزجه بدماغ خروف وأطلق سراح الشاب الأخر ولجا الشباب الذين أطلق سراحهم إلى الجبال وأسسوا سلالة الكورد بزواجهم من نساء كن في تلك الجبال.(31) ويقول جمس بكنهام واصفا الكورد قائلا:((ولقد اشتهر الكورد على مر العصور بحبهم للاستقلال وهي النعمة التي تعينهم طبيعة بلادهم على نوالها بيسر لأن مظاهرها المحلية هي الجبال المتشعبة والممرات الضيقة والوديان المحصورة ذات المرتفعات التي لا يمكن تسلقها والمواضيع التي يسهل الدفاع عنها ويلاحظ(سترابو) إن البارثيين الذين كانت أقاليمهم تقع على ضفاف دجلة كانوا يدعون سابقا باسم(كاردوشين) وان خصائص هؤلاء البارثيين مشهورة فانسحاب عشرة الاف إغريقي عبر بلاد البارثيين هيأ لزينفون فرصة التدليل عليهم كأمة محاربة وعدم الخضوع لأي ملك وهي حالة أخذت تستمر منذ الوقت في تلك البلاد))(32) وكان الكورد يعرفون قبلا باسم(كوردوخي ـ carduchi) ثم عرفوا باسم ( كوردواني ـcardueni) وهذا الاسم قد سماهم به زينفون بصفة خاصة((وكان للكورد سياستهم وحكومتهم، ولكن بعد تبدلات وحروب كثيرة اخضعوا في النهاية لحكم السلطان التركي، وهم لا يزالون يخضعون له حتى هذا اليوم وهو يحتفظ بحامياته العسكرية في كل مكان لمواجهة ملك فارس))(33).وعن المنطقة الواقعة بين اورفة ودياربكر وبين سيفيرك ودياربكر فقد كانت هذه المنطقة المتكونة من السهول والجبال منذ أزمنة موغلة في القدم، الحدود الطبيعية والسياسية للأراضي الجنوبية والشمالية، إن السلسلة السوداء العالية الشمالية منها، ولنسمها (نيفتس) لأنها فقدت اليوم اسمها العام.

التآخي