الرئيسية » مقالات » الحاجة إلى منظمات جماهيرية إلى جانب منظمات النخبة للبدء في الحديث عن الديمقراطية….

الحاجة إلى منظمات جماهيرية إلى جانب منظمات النخبة للبدء في الحديث عن الديمقراطية….

كان إعلان دمشق خطوة هائلة إلى الأمام , لقد جرى كسر التفرد المطلق للنظام , و قواه الأساسية الأمنية و القوى الملحقة به , على الحياة عموما و السياسية خصوصا في سوريا..إن مجرد كسر حصار النظام على أية ممارسة سياسية جدية هو في حد ذاته تغيير هائل و لو أنه لا يعني لا من قريب و لا من بعيد أننا أصبحنا قريبين من تحقيق دمقرطة حقيقية في السياسة العمومية في سوريا..لا يمكن في الحقيقة إنكار أن قيام جزء من النخبة باقتحام عالم التفكير و الفعل السياسي الجدي هو قفزة كبيرة بالمقارنة مع تغييب النظام لأي طرف آخر عن ساحة التفكير و الفعل السياسي و أنه يستحق الترحيب الحار , لكن هذا يبقى بعيد تماما عن الهدف الفعلي للسياسة بالمفهوم الذي يصر على أن يؤسسها على قاعدة واحدة فقط الحرية إذا لم تتوصل هذه العملية إلى انخراط أوسع و أعرض الجماهير في هذه العملية مباشرة , بل إن مقياس الحديث عن مدى حرية هذا المجتمع أو ذاك يتوقف على مدى اتساع المشاركة الجماهيرية في حراك سياسي كهذا و ليس بمدى تقدم هذه الوثيقة السياسية أو تلك , أو اتساع أو محدودية مشاركة النخبة في هذا الحراك..نعم هناك موقف ضمني يرى أن السياسة هي وظيفة خاصة “ببعض السياسيين” المتمرسين و أن معنى الديمقراطية هو أن يترك هامش ما لهذه الجماهير لتمارس “فعلا دوريا تصحيحيا” لمسار هؤلاء السياسيين عبر انتخابات دورية مثلا تعيد التوازن إلى أداء هذه النخبة أو توصل آراء أو مشاعر هذه الجماهير للنخبة الحاكمة لتقوم بتعديل ضروري في سياساتها , هذا المفهوم النخبوي يفترض أن الجماهير مصابة بمرض أزلي لا شفاء له من التخلف السياسي و يقر أبدية ثقافة القطيع – ثقافة السمع و الطاعة و يعتبر الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على سيطرة النخب المالية و الدينية و الاجتماعية و استخدام هذه النخب للنخبة المثقفة في تبرير و إثبات مشروعية سلطتها و “قيادة” الرأي العام و توجيهه الشكل الوحيد الممكن للحرية – راجع بيان المجلس الوطني لإعلان دمشق..و لهذا مثلا نرى النخبة اليوم في سوريا بفئاتها الاجتماعية و المثقفة ( التي تزداد أهميتها في مراحل الانعطاف أو البحث عن التغيير قبل أن تعود لممارسة دورها الأزلي كتابع للسلطة في أغلب الأحيان و كجزء أساسي في بيروقراطيتها مع دور هامشي في معارضة السلطة سواء باسم فئات النخبة المهمشة أو ربما حتى باسم الجماهير ) تدافع عن مثل هذا “الانعطاف” باتجاه تكريس وجودها , سواء إلى جانب النظام أو ما يجري التعبير عنه بفكرة التغيير الديمقراطي السلمي التدريجي , أو كبديل عنه كما في اعتقاد فئات منها تعتبر أن القضية اليوم هي في بناء هذا البديل مع ارتفاع التوقعات بسقوط النظام..هذا بكل بساطة يجري في إطار كامل من تغييب الناس , الذين ينحصر موقفهم , كما يقر بذلك الجميع من الاستبداد الحاكم إلى دعاة التغيير الديمقراطي السلمي و التدريجي , في التأييد الصامت أو الاعتراض الصامت..محدودة جدا هي القوى التي تعتبر أن القضية الأساسية في التغيير الديمقراطي تتمثل في انخراط الجماهير في العمل السياسي , رغم أن كثير من أقسام النخب ترحب بمشاركة جماهيرية تقتصر على الاختيار بين فئات هذه النخب و دعم بعضها ضد الأخرى في إطار من الالتزام الكامل بأولوية دور النخبة و ثانوية دور الجماهير الذي عليه أن يقتصر على السير في ظل النخبة..لا شك أن المفهوم النخبوي للسياسة يقوم أساسا على تهميش الشارع فيما يتعلق بشؤونه تحديدا..و لذلك فإن هناك إصرار اليوم على أولوية بناء مؤسسات نخبوية خارج النظام لتنافسه على التمثيل السياسي..لكن على الجانب الآخر فإننا نعتقد أن القضية الأساسية اليوم هي في تنظيم الجماهير في إطار مؤسسي ديمقراطي خارج إطار المؤسسات الأمنية البيروقراطية الجماهيرية التابعة للنظام يهدف أولا لحماية وجود و مصالح هذه الجماهير في مواجهة تغول السلطة و من ثم أن تصبح أساسا لقوتها السياسية في عملية دمقرطة واسعة و حقيقية للواقع السياسي باتجاه حل الأزمات الاجتماعية و الاقتصادية نحو المزيد من الحرية و العدالة لصالح هذه الجماهير في مقابل سيادة النظام أولا و نخب مختلفة على مجمل الحياة الفعلية في الواقع السياسي و الاجتماعي و الثقافي..إن الدمقرطة الفعلية لا تعني فقط صعود النخبة أو حتى أكثر فئاتها تهميشا , بل في صعود قوة الجماهير نفسها..هذه القضية لا تصلح للحوار مع النظام و لا مع النخب الطامحة , رغم أن صعود الأخيرة هو حالة تقدمية بما لا توصف مقارنة بوضع النظام و ممارساته , إن هذه القضية كانت و لا تزال تحتاج أساسا لتجاوز آثار تلك القرون الطويلة من تقسيم العمل بين فكري و يدوي الذي ترك للجماهير مهمة إنتاج الثروة لصالح نخب حاكمة أو متحكمة و في نفس الوقت تشكيل الأغلبية المحكومة الصامتة المغيبة القانعة بواقعها , من وعي الناس بحقوقهم , و توقهم إلى الحرية و العدالة كأساس وحيد لعالم أفضل , عالم جدير بالبشر….