الرئيسية » مقالات » الليبرالية و الاشتراكية

الليبرالية و الاشتراكية

ترجمة : مازن كم الماز
مأخوذة من الكراس الانكليزي : عن الأناركية , تأليف نيكولاس والتر , مطبعة الحرية , 1969 و 1977 .
يمكن تصور الأناركية على أنها تطورت من الليبرالية أو الاشتراكية أو من كليهما . مثل الليبراليين , يريد الأناركيون الحرية , و مثل الاشتراكيين يريد الأناركيون العدالة . لكننا غير مقتنعين لا بالليبرالية وحدها أو بالاشتراكية وحدها . إن الحرية بدون عدالة تعني أن الفقراء و الضعفاء أقل حرية من الأغنياء و الأقوياء , و العدالة من دون حرية تعني أننا كلنا مجتمعين عبارة عن عبيد . ليست الحرية و العدالة متعارضتين , بل هما متكاملان , عوضا عن الاستقطاب القديم للحرية في مواجهة العدالة – و الذي وفقا له قيل لنا أن المزيد من الحرية تعني عدالة أقل , و أن عدالة أكثر تساوي حرية أقل – يشير الأناركيون أنه لا يمكن في الممارسة الحصول على أحدهما من دون الأخرى . ليست الحرية أصيلة إذا كان بعض الأشخاص فقراء جدا و ضعفاء جدا ليتمتعوا بها , و ليس العدالة أصيلة إذا كان بعض الناس يحكمون من قبل آخرين . إن المساهمة الأساسية التي قدمها الأناركيون للنظرية السياسية هو هذا الوعي بأن الحرية و العدالة هما في النهاية نفس الشيء .
تختلف الأناركية عن الليبرالية و الاشتراكية بأنها تملك نظرة مختلفة عن مسألة التقدم . يرى الليبراليون التاريخ على أنه تطور خطي من الحالة الوحشية , الخرافة , التعصب و الطغيان إلى التحضر و التنوير و التسامح و التحرير . هناك تقدمات و تراجعات , لكن التطور الحقيقي للإنسانية هو من ماضي سيء إلى مستقبل جيد . يرى الاشتراكيون التاريخ كتطور جدلي ديالكتيكي من الهمجية و عبر الحكم الاستبدادي و الإقطاعية و الرأسمالية نحو انتصار البروليتاريا و إلغاء النظام الطبقي . هناك ثورات و ردات , لكن التطور الحقيقي للبشرية يبدأ أيضا من ماض سيء نحو مستقبل جيد .
يرى الأناركيون التطور بشكل مختلف تماما , في الواقع إنهم في أغلب الأحيان لا يرون أي تطور على الإطلاق . إننا لا نرى التاريخ على أنه تطور خطي أو ديالكتيكي في اتجاه واحد , بل على أنه عملية ثنائية . إن تاريخ كل المجتمعات الإنسانية هو قصة الصراع بين الحكام و المحكومين , بين من يملك و من لا يملك , بين الأشخاص الذين يريدون أن يحٍكموا أو أن ًيحكموا و بين الأشخاص الذين يريدون تحرير أنفسهم و إخوتهم , بين مبادئ السلطة و الحرية , الحكم و التمرد , السلطة و المجتمع , إنها في تعارض دائم . هذا التوتر لا يتبدد أبدا , إن حركة التطور الإنساني اليوم هي في اتجاه و من ثم تأخذ اتجاها آخر . إن صعود نظام جديد أو سقوط واحد قديم لا يشكل انقطاعا غامضا في التطور أو حتى جزء أكثر غموضا من هذا التطور , لكنه تماما كما يبدو . يمكن الترحيب بالأحداث التاريخية فقط إلى الحد الذي تؤدي فيه إلى زيادة الحرية و العدالة لكل الناس , لا يوجد هناك أي منطق مختبئ بأن ندعو حدثا سيئا بأنه جيد فقط لأنه حتمي . ليست لدينا أية تنبؤات تساعدنا فيما يتعلق بالمستقبل , و لا يمكننا أن نكون واثقين أن العالم سيصبح أفضل . إن أملنا الوحيد هو أنه مع ازدياد الوعي و الإدراك سيصبح الناس أكثر إدراكا بأنه يمكنهم أن يهتموا بشؤونهم الخاصة بدون الحاجة لأية سلطة .
على الرغم من ذلك فإن الأناركية قد نشأت من كل من الليبرالية و الاشتراكية سواء تاريخيا أو إيديولوجيا . ظهرت الليبرالية و الاشتراكية قبل الأناركية , و قد ظهرت الأناركية من التناقض بينهما , معظم الأناركيين ما زالوا يبدؤون حياتهم كليبراليين أو اشتراكيين أو كليهما . نادرا ما تولد روح الثورة كاملة النمو , و هي عموما تنمو باتجاه الأناركية أكثر منها من داخلها . في وجه من الوجوه يبقى الأناركيون دوما ليبراليين و اشتراكيين , و حينما يرفضون الأفضل في أيهما فإنهم يخونون الأناركية نفسها . من جهة فإننا نعتمد على حرية التعبير و التجمع و التحرك و السلوك , و خاصة على حرية الاختلاف , و من جهة أخرى فإننا نعتمد على العدالة في التملك و على التضامن الإنساني و خاصة على الاشتراك في القوة . إننا ليبراليون لكننا أكثر من ذلك و نحن اشتراكيون لكننا أيضا أكثر من ذلك .
لكن الأناركية ليست مجرد مزيج بين الليبرالية و الاشتراكية , أي ما يسمى بالديمقراطية الاجتماعية أو دولة الرفاه , الأنظمة التي تسود في هذا البلد . مهما كان ما ندين به أو مهما كنا قريبين سواء لليبراليين أو الاشتراكيين , فإننا نختلف بشكل مبدئي عنهما – و عن الديمقراطيين الاجتماعيين – في أننا نرفض مؤسسة الحكومة . يعتمد كلا من الليبراليين و الاشتراكيين على الحكومة – يدعي الليبراليين أنهم يريدون الحفاظ على الحرية لكنهم في الواقع يريدون منع العدالة , يدعي الاشتراكيون أنهم يريدون المحافظة على العدالة لكنهم يريدون بالفعل منع الحرية . حتى أكثر الليبراليين و الاشتراكيين تطرفا لا يمكنهم أن يستغنوا عن الحكومة , بدون ممارسة السلطة من قبل البعض على البعض الآخر . إن جوهر الأناركية و التي بدونها لا يمكن أن تكون أناركية هو نفي سلطة أي كان على أي كان .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.spunk.org/library/misc/sp000279.txt