الرئيسية » مقالات » هل يوجد قاسم مشترك بين الثورة الفرنسية وثورة العشرين؟

هل يوجد قاسم مشترك بين الثورة الفرنسية وثورة العشرين؟



لقد عاشت شعوب العالم في العصور الغابرة والوسطى انواع الاضطهاد والظلم والاستعباد دون ان تحرك ساكناً على حكامها الا في حالات نادرة، بينما نشهد اندلاع العديد من الثورات في العصر الحديث حتى لا يمر جيل دون ان تنشب ثورة او عدة ثورات، ولعل السبب يرجع الى ان الناس كانوا يرضخون للظلم على اعتبار ذلك مكتوب عليهم ولا مفرّ منه ولكن مع تقدم الحياة في سنينها المتتالية ساهمت في تخفيف نزعة الخنوع واضعافها لا سيما في بداية العصر الحديث على أثر ظهور الطباعة وانتشار وسائل النشر والتوعية بين الناس، فأصبحوا ينظرون من زوايا تختلف عن نظرتهم القديمة حيث كانوا يعتقدون ان الحاكم يحكم بالحق الالهي فأصبحوا يعتبرونه فيما بعد خادماً للشعب او مأجوراً له وفي هذا المجال نسيق مثال يخص الثورة الفرنسية التي نشبت عام 1789 يعطينا صوراً دافعة على ما ذكرناه اعلاه وقد ورد في العديد من كتابات المؤرخين بأن الشعب الفرنسي إبان الثورة كان أرفه حالاً مقارنة مع الشعوب الأوربية كالألماني والروسي والأسباني وقيامه بالثورة ليس لأنه كان اكثر مظلومية من غيره بل لأنه كان أكثر وعياً، فقد ظهر في فرنسا قبل اندلاع الثورة مفكرون عظام من امثال مونتكيو وجان جاك روسو، وفولتير وديدرو وكان دأبهم ايقاظ الشعب واعداده اعداداً ثورياً ضد مبدأ الحق الالهي للملوك وساعدت العوامل على قيام الثورة الفرنسية ، الثورة الامريكية بالمال والجنود نكاية ببريطانيا وبهذا فأنها ساهمت في خلق الوعي الثوري بين الفرنسيين وقد جاءت اكثر محتويات الدستور الامريكي مستمدة من افكار مونتكيو (( روح القوانين)) ويجب ان لا ننسى في هذا الصدد ان لويس السادس عشر الذي كان يحكم فرنسا عند قيام الثورة كان اقل ظلماً من اسلافه وربما كان اقرب الى الشعب فهم وقد استبشر الناس عند توليه الحكم على اثر وفاة جده المتفسخ لويس الخامس عشر، الا ان عيب لويس السادس عشر كان لا يملك صفات الحاكم الحازم وعندما قامت الثورة وانتصرت بعد سقوط الباستيل في 14 تموز 1789 كان بمقدور الملك ان يقضي عليها وهي في مهدها ولكنه لم يوافق على ضرب الثورة بل آثر تأييدها وفي 16 تموز جاء بنفسه الى باريس فحضر صلاة الشكر التي اقامها الثوار في كاتدرائية نوتردام ثم ذهب الى قصر البلدية حيث قدموا له الشارة المثلثة الألوان التي اصبحت شعار الثورة فتسلمها وهو يقول (( يستطيع شعبي ان يعتمد دائماً على حبي)) هذا درس في الثورة الفرنسية ، ودعونا نوجه أنظارنا الى ثورة العشرين وهنا يطرح السؤال التالي: لماذا تحمّل العراقيون حكم الأتراك طيلة أربعة قرون وقبله حكم المغول والتتر الاستبدادي دون ان يثوروا عليهم بينما هم ثاروا على الحكم الإنكليزي علماً ان الحكم التركي والمغولي كان أكثر ظلماَ وتفسخاً من الحكم الإنكليزي واكثر ما حصل إبان الحكم التركي تمرد بعض العشائر وكانت محدودة النطاق دون ان يؤيدها اهل المدن او رجال الدين وغيرهم، ان ثورة العشرين تمتاز على الثورات العشائرية السابقة لها بميزة واضحة هي اشتراك الشعب العراقي بمختلف مكوناته وشرائحه الاجتماعية وكلهم يهتفون ليحيى الوطن ولم يبقى مؤيدين للأنكليز غير نفر قليل معزولين عن كل ما يحصل من تطورات وتداعيات لها علاقة بالاحتلال المباشر للعراق.
من كل ذلك نتوصل الى استنتاج هو ان تشابهاً كبيراً بين الثورة الفرنسية وثورة العشرين من حيث تأثير الوعي الثوري في نشوبها بعد ان اجتمعت فيها عوامل عدة منها:
1ـ العامل الديني كان من اهم العوامل في نشر الوعي الثوري.
2ـ تعاظم سخط “الافندية” الموظفين نتيجة فقدانهم لوظائفهم ونفوذهم فأخذوا يرتادون المقاهي والدواوين ناشرين احتجاجاتهم على حكم الانكليز.
3ـ اغداق الانكليز وعودهم بأعطاء حق تقرير المصير وانهم جاءوا محررين لا غازين.
4ـ الأخبار الواردة من الخارج لا سيما عام 1916 بقيام الثورة العربية في الحجاز بقيادة الشريف حسين وفي عام 1917 قيام الثورة البولشفية في روسيا بقيادة لينين وفي عام 1919 قامت الحركة التحررية في تركيا بقيادة مصطفى كمال اتاتورك كما قامت في نفس العام الثورة في مصر بقيادة سعد زغلول، كل ذلك ساهم في بث الوعي الثوري بهذا القدر او ذاك بين صفوف الشعب العراقي وقد قام دعاة البولشفية بزيارات متعددة للعراق كما جاء دعاة من تركيا الكمالية زوار وكانوا يحملون معهم المنشورات وكل ما له تأثير على الناس ويحثهم على النهوض وإعلان الثورة على الإنكليز كما ان رجال ثورة العشرين بعثوا برسائل الى قادة روسيا الجدد مطالبين فيها دعمهم وتأييدهم في ثورتهم المرتقبة ضد المحتلين، وفي 8 آذار 1920 عندما بويع فيصل الاول ملكاً على سوريا اجتمع بعض القادة العراقيين في دمشق واعلنوا استقلال العراق وبايعوا عبد الله ملكاً عليه.
ان هذه العوامل المذكورة انفا جعلت العراقيين في حالة من التوتر والتحفز لا يحتاجون غير شرارة لكي يهبوا في ثورة عارمة على الإنكليز, وقد انطلقت الشرارة اخيرا في الرميثة في 30 حزيران 1920 كما هو معروف وكان الإنكليز غافلين حيث صدقوا المتزلفين لهم من ان الشعب العراقي يريدهم ويدعوا لهم بطول البقاء, لكن هذه التصورات ذهبت ادراج الرياح حينما شاهدوا جحافل الثوار ينطلقون من كل مكان معلنين تضامنهم وعزمهم على الاستقلال مهما كانت التضحيات, وانطلقت قوات العشائر الكردية من كردستان بقيادة الشيخ محمود الحفيد للدفاع عن الثورة في منطقة الشعيبة في البصرة والرميثة, وكان بصحبة الشيخ محمود الحفيد اكثر من الف فارس كردي مقاتل من السليمانية وكركوك وكفري واربيل, وقد استشهد المئات منهم في معارك طاحنة ضد الإنكليز ونفي الشيخ والعديد من انصاره الى الهند.
وقد خضع الإنكليز مكرهين لحقيقة الامر الواقع, فعمدوا الى تهيئة الأجواء الملائمة لتنصيب فيصل الاول ملكا على العراق عام 1922 بدلا من اخيه عبدالله الذي نصب على شرق الاردن, وبهذا التاريخ يكون العراق اول بلد في المنطقة المتواجد فيها يصبح عضوا في عصبة الأمم كأحد الاعضاء المؤسسين لها ثم عضوا في هيئة الامم المتحدة التي تشكلت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

المصادر
1ـ ساطع الحصري (مذكراتي في العراق) بيروت 1967 ج.أ ص 63
2ـ علي جودت (ذكرياتي) 1967 ص 234- 154
3ـ عبد العزيز القصاب (من ذكرياتي) بيروت 1962 ص 236- 234
4ـ علي البزركان (الوقائع الحقيقة) بغداد 1954 ص 282
5ـ علي الوردي (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث) الجزء الاول ص 169- 168, 177- 176.