الرئيسية » مقالات » ويحدثونك عن المحبة

ويحدثونك عن المحبة

المحبة تعني الصدق مع النفس والآخرين، وأن تسمي الأشياء بمسمياتها، فالمحبة والصدق توأمان لا ينفصلان، هكذا وجدا .. منذ أن وجد الإنسان على الأرض، فالإنسان الصادق يحب الآخرين، وبعكسه يولد الكره والحقد، والحيوان أصدق من الإنسان وأوضح منه في التعبير عن طموحاته .
أما الكذب والنفاق وتلفيق الدعايات وتأليب الآخرين على بعضهم البعض، فلا مجال لهذه المواصفات أن تجتمع مع المحبة، فالكذب ينسفها، والإفتراء يحرقها، والتشدق بها زوراً توصل حاملها لمصاف المنافقين الكبار . وأن الفتنة أشد من القتل .
لربما وعيك ” الضمير النظيف ” يسامحك في أن لا تحب أو تستسيغ شخص ما، لسبب ما، ولربما يكون السبب وجيهاً .. لكنه لا يغفر لك أبداً أن تكرهه وتحقد عليه. فكيف الحال أذن بالحقد وكره قوم ٍ أو شعب بكامله ؟

والمحبة بمعناها الواسع تعني طهارة الإنسان من ذنوب البشر الكثيرة، وهي أيضاً نظافة الروح والنفس والوجدان والعقل، ومن الصعوبة بمكان أن تجتمع هذه المواصفات كلها في شخص ما، ولهذا دعونا نعّول على الصدق ففيه العلاج والشفاء من الحقد والبغضاء.

المحبة كالعشبة الصالحة تنمو وتترعرع في أرض طيبة، وبيئة سليمة، ومؤثرات المحيط الاجتماعي من عادات وتقاليد وتابوات، تفعل فعلها السلبي والإيجابي على المحبة، كما أن الاضطهاد الديني والعرقي والمذهبي والطبقي تقطع أوصال المحبة وترمي بها إلى جهنم الكراهية والبغض والنفاق، وإلى عوالم الحرباء، والكيل بمكاييل عدة.

والمحبة ليست جرعة دواء أو حبة أسبرين، تعطى لمن يرديها ليصبح بعدها محباً لنفسه وللآخرين، ولا هي موعظة يقدمها كاهن ما أو عراف أو شيخ ليسحر بها عقول البشر ويجعلهم أناس متحابين بين ليلة وضحاها، بل أنها فعل مستمر، وتضحية، ونكران ذات ، وكما ذكرت أعلاه، وقبل كل شئ، أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وهي أسمى معاني الصدق، وتجنب التحريف والتزوير .

أما أن تخلق المشاكل للآخرين وتؤرقهم نفسياً، لا سيما البسطاء منهم من خلال ” مقالات أو دراسات أو بالكلام المباشر والرسائل ” ، وبيع آخرين من فئات أخرى الوهم الكاذب، لا يمكن لك أن تكون إنساناً محباً لنفسك وبالنتيجة لست صادقاً، وهنا لا يحق لك أن تقدم النصائح والمواعظ لغيرك وحثهم على المحبة، ذلك أن فاقد الشئ لا يمكن أن يعطيه.

كما أن المحبة هي غريزة كونية، تشترك فيها الحيوانات والنباتات وبني البشر ” وكلما إزداد الحب، وإزدادت المعرفة ، كلما إزداد الألم ” ـ حسب تعبير القديس سلوان ـ أي أنك بدأت تقترب من مشاكل الناس وهموهم ومعاناتهم .
في المحبة يكمن الوعي وهو الضمير ” الضمير إبتكار إنساني صنفناه نحن البشر بين حي وميت، بينما الأصح برأيي هو أن نطلق على الضمير بـ ” الوعي ” حيث كلما أزداد وعي الإنسان قلت خطاياه ، والعكس صحيح ” فإن كنت واعياً خلاقاً، لا يسمح لك وعيك باختلاق ما من شأنه تعذيب الآخرين ، ودق الأسافين بينهم .
وشتان ما بين حامل المحبة ” وهي نسبية ” ، وبين من يتحدث عنها .

والمحبة لا تعني أن لا تقول الحق، بل هي الحق … لكنها تمنعك في ذات الوقت من تفسير الحق وتفصيله على مقاسات ما تشتهي نفسك . كما هي الرادع لغي الإنسان، وتستنكر تكريس الإنسان معظم وقته لمحاربة فئة أو شريحة معينة بذاتها أرضاء لذات مهووسة بفوبية ما .

أيها الناصح والمقدم وصفة المحبة للبشرية، ألجم لسانك ” فهو حصانك أن صنته صانك، وأن أهنته أهانك ” وقلمك قليلاً، وراجع نفسك، ” وأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره ما تكره لها ” ستكون قد بدأت بتسلق درجات المحبة واحدة تلو الأخرى . وستعانق روحك لاحقاً روح الحلاج وأبن الفارض وأبن العربي . 

ـ السويد