الرئيسية » مقالات » اغتيال بنازير بوتو محاولة لاغتيال التحديث السياسي

اغتيال بنازير بوتو محاولة لاغتيال التحديث السياسي

هل انتهت بنازير بوتو باغتيالها؟ التاريخ وكل تجارب العالم في السياسة يقولان كلا، بل ان اغتيالها عمق من وجودها ومن وقع افكارها بين ابناء الشعب الباكستاني وزاد من دفع عجلة التقدم والحداثة السياسية الى امام، نعم غابت بوتو عن الانظار ولكن افكارها غدت اكثر حضوراً واوقع اثراً ليس على باكستان وحسب بل على المستوى الانساني، مثلما غدت مثلا في البطولة والكفاح.
لقد كان في اغتيال بوتو اغتيال لاتجاه جريء ومعبر عن ضرورة شرق اوسطية قائمة الا وهي مسألة التوفيق بين اخطر اتجاهين او نزعتين يسودان اليوم مجتمعات القرن الحادي والعشرين ولاسيما هنا في الشرق وهما التيار او الاتجاه الديني والاتجاه العلماني، قيم تبدو متباينة وهي وليدة زمنين مختلفين، يمثلان صراعاً في ذات الفرد وفي كينونة المجتمعات ويبدو هذا الصراع اعتى واشد في الشرق والعالم الاسلامي تحديداً.
لقد كانت بوتو تحاول ان توفق او تصالح بين القيم الروحية الدينية والقيم الديمقراطية، تحاول ان تصالح لا على مستوى التنظير في كتابها المنتظر نشره (المصالحة- الاسلام والديمقراطية والغرب)، بل على المستوى الميداني العملي، وباكستان نموذج لذلك.
نعم انها مشكلة قائمة لابل هي اساس ما يجري الان من مأس شرق اوسطية، انها مسألة الصدام والتقاطع بين قيمتين اساسيتين، المذهب المادي والمذهب الروحي ومن الافرازات المؤسفة لهذا الصدام هو التناحر بين اسلمة الدولة وعلمانية الدولة وقد استغل الارهاب هذه المشكلة استغلالاً دامياً خرج عن دائرة الصراع الفكري ودخل في دائرة الجريمة المنظمة.
يبدو ان التصدي الصريح والجريء لهذه المشكلة اغاظ الاسلام السياسي في باكستان الى درجة لم يعد يحتمل وجودها وما قد يفضي هذا الوجود الى حسم الانتخابات لصالح الديمقراطية وتحييد الاصولية الراديكالية التي اثبتت في فترة مضت عندما سنحت لها فرصة الحكم انها في واد والشعب الباكستاني وامانيه في الحياة الحرة الديمقراطية في واد اخر، وهذا لا يعني ان الشعب الباكستاني كان قد انقلب على القيم الروحية في الدين لكنه عانى الكثير من المغالاة في الاجتهادات الرجعية والدفع بالشعب الباكستاني الى خلف.
ان من الامور التي تسترعي الانتباه، ان باكستان ليست ببلد محتل هذا التبرير الذي يرفعه الارهاب السياسي كمدخل لكل العمليات الارهابية، لذا فان اغتيال بنازير بوتو في الحقيقة اجابة واقعية على كل من برر الارهاب يوماً بانه درء للمحتل، ان العمل الارهابي الذي اودى بحياة بوتو كان من اجل ذبح الديمقراطية ومحاولة الاجهاز عليها ما ان بانت تباشير ظهورها وبعد زمن طال امده من احكام العسكر القبض على زمام الامور واندحار الديمقراطية.
إن اي تخلف ديمقراطي يصيب مجتمعاً من المجتمعات الانسانية، تنسحب اثار ذلك التخلف على الانسانية جمعاء، والعكس صحيح فان اي تقدم او عمل تحرري ينجزه مجتمع من المجتمعات الانسانية هو نصر لكل الانسانية لذا فان محاولة دحر الاتجاه السياسي التحديثي في باكستان ومحاولة قمع النزوع الديمقراطي في هذا البلد لها اثارها ومخاطرها وتداعياتها في المنطقة ومن هنا نقول ان رحيل بنازير بوتو لم يكن رحيل اهم رمز من رموز الديمقراطية في باكستان بل كان رحيل علم من اعلام الديمقراطية العالمية.
اننا مع كل المطالب التي تطالب باجراء تحقيقات على مستوى الامم المتحدة في الاسباب التي سهلت عملية الاغتيال بالرغم من المخاوف والتحذيرات التي اعلنتها بوتو قبل ذاك والطلبات المتلاحقة في تمتين جهاز وكيفية الحماية الامنية لها في حملتها الانتخابية مما يدفع بالاعتقاد ان اكثر من جهة رسمية داخلية وخارجية يمكن ان تكون مسؤولة بشكل ما عن المصير الذي واجه بنازير بوتو.
اننا على ثقة ان بوتو رحلت ولكن الديمقراطية لن ترحل في الشرق الاوسط انها في حالة تنام وتكوين وكثيرا ما تكون النكسات عوامل دفع مضاف في طريق ارساء النظام الديمقراطي وعلى اساس من التحديث السياسي الجريء وخلق الجسور بين ايجابيات الماضي وايجابيات الحاضر بين الارث السياسي المفيد منه والتطلع السياسي الديمقراطي تمهيداً للبناء التدريجي للمجتمع المدني الديمقراطي في الشرق ومجتمعاته التواقة الى الحرية والديمقراطية.