الرئيسية » مقالات » زيارتي إلى بغداد بعد ربع قرن

زيارتي إلى بغداد بعد ربع قرن

حجزت بطائرة “بساط الريح”، واستغربت من الاسم، فلم أكن متأكدة أن هنالك طائرة بهذا الاسم، وعاد بي الاسم إلى قصص السندباد، التي كنا نندهش –عندما كنا أطفالا- من العجائب التي تعرّض لها في رحلته!! وأكدوا لي أن هذه الطائرة معتمدة ومضبوطة بمواعيدها أكثر من الطائرة “العراقية”!.
وصلت “مطار رفيق الحريري الدولي” في السادسة صباحاً يوم الخميس، ووجدت في نهاية القاعة المكان المخصص للحجز، وتأكدت عندئذ من وجود طائرة بهذا الاسم! ولكني استغربت من صف طويل منتظم من الحقائب، بلا مسافرين، وعلمت أن المسافرين على متن هذه الطائرة، لا يقدموها للوزن لأنه لا يوجد من يستلمها ويزنها، وبما أن موعد الانتظار غير محدد، فيقدم المسافرون ويضعون حقائبهم بصف منتظم وبذلك يحافظون على موقع سراهم في استلام الحقائب حينما يصل الموظف المختص، فالحقيبة لا تتعب من الانتظار كالمسافر!
بعد الانتهاء من الوزن والتخلص من الحقائب، توزع جميع المسافرون في السوق الحرة وعادوا محملين بالأكياس، وبدأوا بوضعها في صف منتظم طويل أمام الباب المخصص لإقلاق الطائرة، فهذه الأكياس تحدد حقهم وموقعهم في صف الانتظار.
مرت الساعات ونحن في الانتظار، وليس هنالك من مسؤول لنسأله عن سبب التأخير! لكن ارتفعت أيدي المسافرين بـ”الخليوي”، وامتزجت الأصوات ببعضها، كل منهم يخبر أهله عن التأخير. كما كان معنا عدد من المسافرين الذين ألغيت رحلتهم إلى بغداد يوم الاثنين على نفس الطائرة، وأجلت إلى الخميس. مرت ثلاث ساعات ونحن في الانتظار، وإذا بمسؤول يقف خلف بوابة الإقلاع فجأة، فعاد الأمل يراود المسافرين، وقفزت إليه أسأله عن موعد الإقلاع؟ فأعلن أن هنالك مشكلة تتعلق بزجاج الطائرة وستقلع عندما يتم تغيره. عاد المسافرون إلى مقاعدهم وخيبة الأمل مجسمة بوجوههم ونظراتهم، غير مقتنعين بصدق ما قيل لهم، ولكن ظلت الأكياس التي اشتروها من السوق الحرة والحقائب الصغيرة في الصف الطويل، تنتظر إقلاع الطائرة! نظرت إلى لائحة الرحيل، لا زال أقلاع طائرتنا في الثامنة صباحاً، وليس هنالك أي تغير في الوقت، رغم أن الساعة قاربت رابعة النهار! وبعد انتظار دام أكثر من أربع ساعات توجهنا نحوالطائرة، تراكض المسافرون، كل يحاول أن يجد المعقد المريح له في الطائرة، ويظهر أن الطيران إلى بغداد –حر- من دون ترقيم المقاعد.
عندما أقلعت الطائرة، لم نسمع أي اعتذار من طاقم الطائرة، ولم يذكروا سبب التأخير، غير أن الذي أشيع بين المسافرين، من أن الطائرة كانت في رحلة طويلة قبل أن تصل إلى بيروت! كما أن المسافرين لم يعترضوا على التأخير، ويظهر أن المسافرين على مثل هذه الطائرة، تعّودوا ألا يسألوا!
كانت السماء ضاحكة والشمس تشيع الدفء بأشعتها الذهبية، عندما هبطنا في المطار، لكن بغداد كانت عابسة في استقبالنا، فقد استقبلنا جندي أمريكي، مدجج بالسلاح يحدق في وجوه المسافرين، عله يحظى بإرهابي!
وجلسنا بانتظار حقائبنا، بعد أن انتهينا من معاملة الجوازات، وبدأ حزام الحقائب بدورانه، فتدحرج عدد قليل منها، ثم توقف عن الدوران، والمسافرون شاخصة أعينهم على حزام الحقائب! عاد بعد فترة إلى الدوران، وتدحرجت ثانية بضعة حقائب، ثم توقف، وعندما سألت عن هذه الظاهرة الغريبة، أجابني بعض المسافرين الذين يترددون على بغداد، من أن الكلاب تشم جميع الحقائب، للتأكد من أنها خالية من المتفجرات، قبل استلامها، فسبب توقف حزام الحقائب يمنح الكلاب الوقت المناسب لتقوم بمهمتها.
خرجنا من المطار، واستقبلتنا قواطع كونكريتية، وحواجز شاهقة، بارتفاع أربعة أمتار، رسم على بعضها مناظر ريفية أو بيوت أو معالم أثرية، وعلمت بعد ذلك أنه قاطع لأحد المعسكرات الأمريكية قرب المطار. ثم توقفنا بعد فترة بانتظار مرور قافلة من السيارات السوداء، وهي سيارات الحراسة الخاصة بالسفارات والشركات الأمريكية التي تعمل في العراق. واصلنا السير، لكني عجزت عن التعرف على الشوارع الرئيسية التي مررنا بها في الطريق، لكثرة القواطع الكونكريتية التي قسمت معظمها إلى قسمين، قسم خاص بالسيارات العسكرية الأمريكية، والآخر خاص بالعراقيين! أما الشوارع المخصصة للسير، البعيدة عن المعسكرات الأمريكية، فأصبحت مكتظة بالسيارات لدرجة الاختناق أحياناً، بعد أن أغلق 39 شارعاً رئيسياً في بغداد بسبب الخطة الأمنية الجديدة، كما أغلقت بعض الجسور، إما بسبب نسفها أو لأسباب أمنية. ولم استطع التعرف إلا على شارع “مطار المثنى”، الذي ما زالت بعض معالمه واضحة. فقد تركت بغداد منذ ربع قرن، بشوارعها المبلطة والمخططة بخطوط بيضاء، وأضوية المرور المنصوبة في تقاطع طرقها المخططة باللون الأصفر، وأشجار النخيل المتسقة بطولها، على جانبي الشوارع، والحدائق التي تتوسطها، بالأشجار والأزهار، تحلي تلك الشوارع شرطة المرور من الشباب والشابات، بملابسهم الرسمية الأنيقة. كان التنسيق كله قد هيئ من أجل عقد “مؤتمر عدم الانحياز” الذي لم يعقد في بغداد بسبب حرب العراق مع إيران.
وصلنا الجسر المؤدي إلى ساحة النادي الأولمبي سابقاً “ساحة عنتر الآن”، وتوقف السير تقريباً، بسبب نقطة التفتيش في نهايته. ولكن يظهر أن العراقيين قد اعتادوا على مثل هذا الازدحام، وعندما كنا في الانتظار، علت الهلاهيل “الزلاغيط”، وإذا بعدد من السيارات المرافقة لسيارة العروس والعريس كانت معنا فوق الجسر. كانت العروس بحلة العرس البيضاء والعريس بملابسه الرسمية، لكن زينة السيارة البيضاء اللون التي كانت تقل العريسين، محلاة بالورود الاصطناعية – لأن الورود الطبيعية اختفت من الأسواق والحدائق – ولكنها كانت منسجمة بألوانها الأحمر وأوراقها الرقيقة الخضراء، التي تحيط السيارة من جميع جوانبها. ولما تأخر السير، نزل الشباب من سياراتهم، يرقصون أمام سيارة العريسين، واشتركت معهم السيارات الأخرى الواقفة في انتظار التفتيش، وانقلب الجسر إلى ساحة من ساحات الرقص والغناء!
شاهدت “دجلة” من فوق الجسر، ذلك النهر الذي كانت الأشجار واقفة على ضفافه تتعانق أغصانها بهبوب النسيم العذب، علت الأحراش الآن على ضفافه، وغطت أكثر من ربع مساحته. النهر الذي كان عندما يغضب، لا يقف أمام غضبه سدة أو بيت، بل يقتحم ويدمر كل ما يقف بطريقه، ويجرف كل شيء. جفت مياهه الآن وظهرت الجزر الصغيرة في وسطه، فشوهت جماله وقلبت غضبه وعنفه إلى وداعة غير طبيعية، بسبب إهماله وعدم تنظيفه.
عبرنا نقطة التفتيش، وواجهنا “ساحة عنتر”، التي تغيرت معالمها تماماً، فقد حلت قصور “صدام” بجدرانها المرتفعة المخيفة -حيث كان الناس يخافون حتى الالتفات عند عبور الجسر خوفاً من مخابراته- بدل الحدائق الشهيرة التي كانت تطل على نهر دجلة، بالأزهار المبتسمة والأشجار المتمايلة الأغصان، والنسيم العذب يلاعب الأوراق الناضرة، والعصافير والبلابل تتنافس مع العشاق في تلك الحدائق، تتنقل آمنة مطمئنة تتبادل الألحان والنغمات الحلوة.
وصلنا شارع طه، الشارع الممتد تاريخه بأسماء بارزة، وشخصيات عراقية لعبت دوراً مهماً على مسرح العراق السياسي والفني. والذي سكنه عدد من رؤساء الوزارات وبعض الوزراء المعروفين، وعدد من الكتاب والفنانين والمعماريين. تغيرت معالم الشارع، فلم أعرف مدخله، لم أعرف الشارع الذي عشت فيه ربع قرن تقريباً! فقد بنيت بنايات وبيوت بعيدة عن الانسجام والجمال المعماري الذي كان يتميز به الشارع. الغبار يغطي الأشجار الباهتة الخضرة، المطلة عليه من حدائق المنازل، والزبالة المركونة في زواياه، والمطبات والحفر، والقواطع الكونكريتية، كلها أضفت على الشارع، الغربة التي شعرت بها حينما تطلعت إليه!

* * *

وصلت الدار التي تركتها منذ ربع قرن، حيث كانت حديقتها الواسعة، بعشبها الأخضر الغامق، سجادة زيتونية اللون، ظللها سعف النخيل بجذوعه الباسقة وحلتها أشجار البرتقال برائحتها العطرة. الحديقة -التي تفصل بين دارنا وبين دار كامل الجادرجي، الذي أقمت فيه خلال رحلتي القصيرة-، آثار التعب والإنهاك بادية عليها، فقد خبت رائحتها ويبست معظم أشجارها وماتت أورادها، ولم يبق إلا النخيل شاهد على ما كانت عليه! وأي نخيل! فقد تركت الحروب المتتالية آثارها على الحديقة والدار، وحل الخشب بدل معظم زجاج النوافذ الذي تكسر من شدة الصواريخ التي قاست منها بغداد في حرب الخليج، وآثار صاروخ مرّ خاطفا منذ أسابيع، فضرب الجدار الخارجي، وتشققت الجدران الجانبية وتكسر زجاج النوافذ الباقية من قوة الضربة.
فتحت بوابة الدار فأطلت الجدران المحلاة برسوم جواد سليم وفائق حسن وضياء العزاوي وسعدي الكعبي ومحمد غني، تزين مساحات جدرانها العالية، تحييني بألوانها وحيويتها التي ما زالت تحتفظ بها عبر السنين! نظرت إلى الدار التي كانت امتداداً لحياتي اليومية، حدقت طويلاً فيها، لا زال كل شيء بمكانه منذ ربع قرن، لكنها خلت من الأزهار والنباتات التي كانت تحلي زواياها، وأحسست ببرودة الدار وعتمتها تخترق عظامي، وفي الأعماق عواطف مرتبكة متشابكة، لست قادرة على التعبير عليها، ولا ادري هل هو الشعور بالفراق القريب بعد هذا اللقاء الخاطف؟ أم هي رهبة الموقف؟ أقفلت بوابة الدار، وسرت غيمة من كآبة الحزن تلتحف عواطفي، وشعرت بالغربة والوحشة، شعور ممزوج بالحنين للوصول إلى شيء غامض مجهول، أبحث عنه ولا أراه وأفتش عنه ولا أجده!
تثاءب الفجر على أزيز الرصاص والانفجارات، بدل ألحان البلابل التي كانت تملأ حدائق البيوت في بغداد، بألحانها العذبة، تطير من شجرة إلى شجرة، في الفضاء الواسع الذي لا نهاية له.
كان افتتاح إقامتي القصيرة في بغداد مذبحة “سوق الغزل”، فخيمت غيمة حالكة من الكآبة والحزن على أجوائها. السوق الذي يعود تاريخه إلى مئات السنين، سوق يجتمع في يوم الجمعة، الهواة، الذين يعرفون بعضهم البعض، وتربطهم علاقات إنسانية، علاقة نفس الهواية من مربي الطيور بأشكالها وأحجامها المختلفة، منهم من يأتي لعرضها، يبيعون ويشترون، أو يتبادلون الطيور، فانقلب السوق من شدة الانفجار إلى جثث تطايرت واختلطت دمائها بدماء أشلاء الطيور الزاهية الألوان، التي ربوها واعتنوا بها. وامتزج صراخ الجرحى وأنينهم بولولة النساء المنكوبات بأطفالهن وأزواجهن وأخوتهن. وكأن الحياة في بغداد ميدان يتصارع فيه الموت مع الأحياء، فكان حصيلة قتلى ذلك اليوم، خمسة عشرة قتيلا وسبع وخمسون جريح. ويل للعراق وأهله، وكأن أحداث “سوق الغزل” صفحات ممزقة من تاريخه الطويل، حيث تخاصم الفئات الإرهابية الناس كما تتخاصم الوحوش!
أصبحت الانفجارات اليومية وأزيز الرصاص شيئا طبيعيا في حياة العراقيين! لأن الانفجارات الحقيقية التي تعرضوا لها وعانوا منها، كانت كالإعصار الغاضب، تهز البيوت وتقلع الأشجار. ولكن رغم كل ما تعرضوا له، ولا زالوا يتعرضون له من المآسي، فهم يستقبلون اليوم الجديد، ويودعون اليوم الراحل بنظرة يشوبها التفاؤل! وجوابهم حاضر دائماً عندما يسألون عن الوضع: “العيشة صعبة، لكن الحمد لله، الوضع أحسن بكثير الآن!” ولا أدري على ما يحمدون الله! وكيف الوضع أحسن بكثير؟ فالساكن في شارع طه “المختلط” ليس باستطاعته زيارة “حي الأعظمية” الذي لا يبعد كيلومتر أو أكثر، لأنه أصبح حيا مقفلا بعد تهجير الشيعة منه!
ولأن التنقل أصبح صعبا وخطرا في معظم أنحاء بغداد، لذا فقد انتعشت اقتصاديا أسواق محلية صغيرة، واختفت أسواق رئيسية فيها، فبرز في كل شارع بقال وخباز وقصاب، تجنباً للانتقال وخوفاً من التفخيخ والقتل.
أما الشوارع فمعتمة في الليل، والقمر يتمشى في السماء باهت الوجه، مغبر اللون، والنجوم تتوارى خلف الغيوم، والإضاءة الكهربائية متقطعة، تظهر حسب أهمية الحي ومن يقطن فيه! لذا كان انقطاع الكهرباء من المشاكل الرئيسية التي جابهتها في هذه الرحلة، فلولا “المولدات الكهربائية” الخاصة، لعشنا في العتمة معظم الوقت. إذ أن توزيع الكهرباء والكرم في عطائه يعتمد على المنطقة التي يسكن فيها “البغدادي”، فان كان محظوظا ومن سكنة حي “الكرادة أو الزوية” التي يعيش فيها أحد رؤساء الحزب الحاكم، فالكهرباء متوفر أكثر من عشرين ساعة! أما إذا كان من سكنة حي “الأعظمية أو الصليح” فيكون محظوظاً إن حظي بالكهرباء أربع أو خمس ساعات ليلاً! فيهرع سكان المنطقة ويشّغلوا الغسالات والمدفئات وغيرها من الآلات الكهربائية.
لاحظت بعد غيابي الطويل عن بغداد، خلال ربع قرن من دوران عجلة الحياة، ظهور لغة غريبة عن العملة النقدية، فعندما يقول العراقي: “ستة”، معنى ذلك ستة آلاف دينار، -عندما كانت قيمة الستة آلاف دينار تعني ثمانية عشر ألف دولار– أما الآن فقيمتها خمسة دولارات. وإذا قال: “ورقة”، معنى ذلك مئة دولار. أما السيارات، فقد اتخذت أسماء عجيبة غريبة، فسيارة المرسيدس اسمها شبح، وهنالك مسميات أخرى لأنواع السيارات، مثل عفريت وخنفسانة وخفاش “وطواط”. وربما ستضاف هذه المصطلحات والكلمات الجديدة في المستقبل –على ما أعتقد- إلى قاموس اللغة العراقية العامية.
أما الكلمات التي أصبحت متداولة الاستعمال، بعد أن انكسر حاجز الخوف، والتي لم يحلم العراقي في استعمالها سابقاً، هما كلمتي حرية وديمقراطية، اللتين أصبحتا من المفردات المستعملة بينهم، رغم أن العراقي لم يمارس الديمقراطية بمفهومها الصحيح في تاريخه، ولا يعرف ما هي الديمقراطية! ولم يتعرض حتى إلى آلياتها، لأنه عاش تحت حكم دكتاتوريات متعاقبة، فعندما انهار نظام “صدام حسين”، أصحبت الديمقراطية فجأة في مفهومه الجديد مرادفة إلى الحرية بصيغة “الفوضى” التي أصبح يتمتع بها، وأخذت تنظم حياته من دون قيد أو التزام بالقانون!

* * *

حان وقت الرحيل، تركت الدار في السابعة والنصف صباحاً، وكنت محظوظة، بصحبة سائق ومرافق له وهما من “الحماية” اللذّين يُسمح لهما بالوصول إلى المطار. قطعنا خمس نقاط تفتيش قبل أن نصل إلى شارع المطار، الذي كان الصف من السيارات يتراوح طوله أكثر من كيلومتر ونصف! وقفنا في الانتظار، بينما كانت تمر السيارات العسكرية الأمريكية بالخط السريع، فقد أصبح الأمريكيون يمثلون الطبقة الممتازة بسبب الامتيازات التي يتمتعون بها، يليهم رجال السلطة في الدرجة الثانية ثم عامة المواطنين في الدرجة الثالثة. ولم يتغير بالنسبة للمواطن العراقي، إلا اسم الدرجة التي ينتمي إليها، فقد كان مواطنا من الدرجة الثانية خلال نظام صدام، وأصبح الآن من الدرجة الثالثة.
مضت أكثر من ساعة ونحن في الانتظار قبل أن نصل إلى أول نقطة تفتيش، ولكن انقسم الصف عندئذ إلى ثلاثة أقسام، صف إلى المسئولين في الدولة، وصف إلى الدبلوماسيين، وصف إلى عامة الناس. وقفنا في الصف المخصص لنا مع “عامة الناس”! كان يشرف على هذا الخط الطويل من السيارات مسئول، ينادي من برج مرتفع -كالأبراج العسكرية- على صف السيارات، فتتقدم السيارة، وإن خالف أحدهم يخرج حالاً من الصف، لذا تجد العراقيين لا يخالفون، بل مضبوطين من هذه الناحية، حيث يلتزمون النظام لخوفهم من العواقب الآنية المترتبة عليه.
وأخيراً وصلنا نقطة التفتيش الأولى، فأبرز السائق ومرافقه “الباجات” كما يطلقون عليها، أي هويتهما الخاصة، وأبرزتُ جواز سفري، نظر المفتش إليه، قائلاً: “هذا مو دبلوماسي؟” بالنسبة إلى جوازي! أجابه السائق: بأنني فلانة، وإننا حماية فلان، وهذه سيارته! لم يقتنع المفتش وأصر في أن أترك السيارة الخاصة التي أتيت بها، واستقل تاكسي! إذ هنالك سيارات أجرة بانتظار المسافرين الذين يشبهون وضعي “من دون امتيازات”! وبعد محادثة طويلة، ارتأى المفتش أن أستقل التاكسي، ويسير خلفي السائق والمرافق! إذ لا يحق لي أن أصل المطار بالسيارة الخاصة التي أتيت بها، لأنني مواطنة “من دون امتيازات”، ولكن يحق “للحماية” المرافقة لي أن تصل المطار لأنهم من أصحاب “الباجات”! وجدت نفسي وكأنني أعيش في مسرح اللامعقول، البعيد عن أي منطق! ولكن نزل السائق من السيارة وتكلم معه على حدا – ويظهر أنه أقنعه- إذ سمح لي في أن استمر في الرحلة بالسيارة الخاصة! وعرفت بعد ذلك السبب في الإلحاح على ركوب التاكسي، -إذ يظهر- أن هنالك اتفاق مع شركة تاكسي خاصة، لها علاقة بأحد الشخصيات في الحكم!
وبعد أن قطعنا محطة التفتيش الثانية الخاصة بالتأكد من أن السيارة خالية من المتفجرات، عدنا إلى نقطة الصفر في محطة التفتيش الثالثة، وعاد الإصرار في ركوب التاكسي بدل السيارة الخاصة، لأنني “مواطنة عادية”! وأعيدت المسرحية نفسها، فتكلم السائق مع المفتش على حدا، وسمح لنا في الاستمرار في طريقنا إلى المطار، حتى وصلنا محطة التفتيش الرابعة، وإذا بصف من السيارات الواقفة خلف بعضها البعض، مفتوحة أبوابها وصندوقها الخلفي، والركاب ينتظرون على جهة من الرصيف. وقفنا في الصف خلفهم وتركنا سيارتنا. جاء ثلاثة من الموظفين الأجانب، كانوا طويلي ونحيفي القامة، ذوي لون أسود فاحم، تصطحبهم كلاب مدربة على المتفجرات، فساروا حول السيارات بكلابهم يشمون الحقائب ومقاعد السيارات. وعرفت بعد ذلك أن هؤلاء الموظفين هم تابعون إلى الإدارة الأمريكية، ومن جزر فيجي. وانتقلنا بعدها إلى محطة التفتيش الخامسة، وطُلب مني إنزال الحقائب من السيارة، وجلبها إلى منطقة الحقائب الخاصة بالنساء! واستغربت من ذلك الطلب، فلم أكن أعلم أن الحقائب تتخذ صفة المؤنث والمذكر! كان القسم المخصص لتفتيش الحقائب النسائية، يشرف عليه فتاتين من جزر فيجي، رقيبات على الفتيات العراقيات المسئولات عن تفتيش الحقائب، كن شديدات معهن، يأمرهن إن تقاعسن قليلاً في التفتيش، وبان على وجوه الفتيات العراقيات نوع من عدم الارتياح من المعاملة التي يتلقوهن. إذ أن معظمهن خريجات الجامعات العراقية. وصلنا المحطة السادسة، الخاصة بتفتيش الأشخاص، وأنيطت الرقابة أيضا بفتيات من جزر فيجي، والتفتيش من قبل الفتيات العراقيات. ويظهر أنه لا يوجد أية ثقة بالموظفين والموظفات العراقيات من قبل الإدارة الأمريكية. وعندما جاء دوري، تقربت مني فتاة جميلة الوجه، ذات عينين خضراوين، وقوام رشيق، لتفتيشي، سألتني أثناء التفتيش، إلى أين ذاهبة؟ أجبتها بيروت، قالت: هل تسكنين هناك؟ أجبت: أسكن لندن، تحسرت وقالت: “أخذيني وياش – أي معك”، أجبتها: يا ريت. لكني تألمت كثيراً وشعرت بالإحباط الذي تعانيه تلك الفتاة من العيش في مثل هذه الظروف الصعبة والقاسية التي يمر بها أهل العراق!
أما محطة التفتيش السابعة، وهي المحطة الأخيرة قبل وضع الحقائب على حزام الفحص الالكتروني، فقد ترك المسافرون السيارات، وأُنزلت الحقائب، ووضعت بصف خلف بعضها البعض على الأرض، وجيء بالكلاب لشمها ثانية. وغالبا ما تتوقف حالة المسافرون على مزاج هذه الكلاب! ففي بعض الأحيان تتعب هذه الكلاب من الشم، وترفض أن تتحرك، ويبقى المسافرون واقفون بانتظارها، عيونهم شاخصة عليها، علّها تغير فكرها! إنها كلاب مدللة -كما يقول العراقيون- تعيش في أماكن مبردة في فصل الصيف، ويقدم لها أحسن أنواع اللحوم، وتكلف شهرياً مع مدربها ثمانية آلاف دولار!
وأخيراً دخلنا إلى المطار، بعد أن قضينا أكثر من ساعتين ونصف في التفتيش. استلمنا حقائبنا وتوجهنا إلى مكان الحجز المخصص لطائرة “بساط الريح”. وضعنا الحقائب في الصف بانتظار وزنها، لكن ليس هنالك علامة تدل على وجود مسئول عن وزنها! حاولنا العثور عليه من خلال استعلامات المطار -الذين شاهدوه ذلك الصباح- فلم نفلح! ويظهر أنه تبخر من الوجود، كما تبخرت طائرة “بساط الريح”. وبعد انتظار دام ثلاثة ساعات، أذيع فجأة إلغاء رحلة الطائرة إلى بيروت!
نظرت إلى وجوه المسافرين البائسة، ونظرات خيبة الأمل تحكي المشقة والاهانة التي تحملوها في ذلك اليوم! وعدنا أدراجنا، إلى شارع طه، في انتظار طائرة “بساط الريح” يوم الخميس!

* * *

عدت يوم الخميس إلى المطار، وأعيدت المسرحية باختلاف بسيط، فقد أصبحت معروفة بين الفتيات اللواتي فتشتُ من قبلهن، ويظهر أن العودة مرة أو مرتين إلى نقاط التفتيش أمر طبيعي، لعدم انتظام الطيران من مطار بغداد.
وزنت الحقائب وطُلب مني أن ادفع “ورقة” أي مئة دولار، لتغطية زيادة في الوزن، فأخرجت ورقتين من فئة الخمسين دولار وسلمتها للشاب الواقف بجانب الفتاة التي تزن الحقائب فأعاد لي ورقة -ربما أراد أن يكون منصفاً معي-، لأن المسافرين -على ما يظهر– لا يسلمون المبلغ من دون جدل ونقاش معه، لكنه اخذ الورقة من دون أن يعطيني وصل باستلام المبلغ! وهذا أمر طبيعي، فقد أصبحت الرشوة متفشية بين الناس بشكل لا يمكن تصوره، إذ ضاعت القيم والأخلاق التي كان يتحلى بها العراقي، عندما كان يُُعّد عدد المرتشين في الدولة على رؤؤس الأصابع، وكان العراق، يعتبر الدولة السابعة في العالم بالنزاهة حسب تقيم هيئة الأمم! وقد استورثت الحكومة الجديدة هذا الإرث من النظام السابق “أي إرث الرشوة”. فقد شجع “صدام حسين” رئيس الجمهورية السابق، أثناء فترة الحصار التي عانى منها العراق، على إعطاء الرشوة بصفة هدية، وشملت جميع الموظفين بما في ذلك القضاة!
ذهبت إلى صالة المطار، كان عدد كبير من الأمريكيين في انتظار طائرات خاصة تقلهم. كانت صالة الانتظار مليئة بالعصافير العراقية، المستأثرة بأجواء المطار، تتنقل بحرية تامة من عمود إلى آخر ومن طاق مزين بالإضاءة إلى طاق آخر، أما الحمام فكان مستأثر بسجاد المطار، يلتقط فتات الخبز والكعك الذي سقط من المسافرين! وبانت أمام عينيّ صورة المطار الذي تركته في عام 1982، بإضاءته الزاهية، وسجاده وأثاثه، الذي لا زال نفسه، ولكن خفتت الإضاءة، وبان العتق والتعب على أثاثه وسجاده الذي يحكي قصص الألم والعذاب الذي مرّ على العراق وأهله!
جلست في انتظار الطائرة، وكانت جالسة بجانبي أمريكية قادمة من “المنطقة الخضراء”، ودار حديث بيننا، واستنتجت من حديثها، إنها متخصصة ومسئولة عن أمن المنشئات العسكرية في بغداد. حدثتني كيف تعودت النوم على إطلاق النار والانفجارات خلال الأعوام الثلاثة والنصف التي قضتها في “المنطقة الخضراء”، وأصبحت بعد هذه المدة لا تستطيع النوم عندما يكون الجو هادئاً وخالياً من الصواريخ! كما حدثتني عن الأوقات التي كانت تطلق بها الصواريخ يومياً عليهم، وكيف كانوا يتركون أسرتهم، مرعوبون، يلتجئون بسرعة، وهم في ملابس النوم، إلى أماكن آمنة في الرابعة أو الخامسة صباحاً، ثم قالت: تغير بعد ذلك إطلاق الصواريخ من الرابعة إلى السابعة صباحاً، أما الآن فقد توقف إطلاقها على المنطقة، وأصبحت من المناطق الآمنة في بغداد!! وأضافت، إنها عندما زارت أهلها في ولاية كاليفورنيا، اقترحوا عليها مرات عديدة، أن تترك الجيش، وتستقر في بلدها وتتزوج، فأجابتهم إنها لا تستطيع العيش من دون المخاطر والمفاجئات، فقد أصبحت جزءا من حياتها اليومية! كانت متوجهة إلى دبي بطائرة مدنية، بدل الطائرة العسكرية التي كانت تستقلها في السابق والتي كانت تتعرض إلى إطلاق الصواريخ عليها دائماً. وعندما سألتها لماذا لا تتعرض الطائرات المدنية إلى صواريخ؟ أجابت: لأنهم “أي الإرهابيين” يركبون هذه الطائرات!! وعندما أعلن عن إقلاع طائرة دبي، ودعتني وتوجهت نحو باب الإقلاع.
وانتقلت إلى الجهة الأخرى من المطار، وجلست أنتظر مع المسافرين، إذ كان المفروض أن تطير طائرة “بساط الريح” في الساعة الحادية عشر صباحا، وانتظرنا حتى الواحدة ظهرا، ثم أجل موعد طيرانها إلى الساعة الرابعة بعد الظهر، ثم إلى السادسة مساء!! فجلست مع “الحماية” اللذان رافقاني إلى المطار، نشرب القهوة، وانطلاقا يحدثاني عن بعض التجارب المريرة التي مرت بحياتهما.
كان أحدهما من الفلوجة، واشتغل في فترة ما كأحد أفراد الحماية في قصور صدام حسين. وأخبرني أن صدام بنا تسعة وتسعين قصراً، بعدد أسماء الله الحسنى! وكانوا “الحماية” يجلسون في غرفة مجهزة بتلفزيون، يجلب لهم الطعام في أوقات تناول وجبات الطعام، أما الحماية الخاصة والمقربة والمرافقة لصدام دائماً، فكانت حياتهم صعبة جداً، يعيشون في خوف متواصل، وفي بعض الأحيان من دون طعام، إذ كان عليهم أن يلبوا جميع رغباته وطلباته حسب مزاجه المتقلب، وإن شعر بالتلكؤ أو التماهل من قبل أحدهم، كان مصيرهم الرمي بالرصاص. كما كان يُعّد في هذه القصور ثلاثة وجبات من الطعام يومياً، وذات يوم تسممت الحماية في احد القصور، فأمر بإعدام جميع المسئولين عن إعداد الطعام في ذلك القصر!
ثم انتقلنا إلى الحديث عن الفلوجة وما حل بأهلها، فقال: إن أصعب وأبشع فترة مرت على أهالي الفلوجة عندما استولى تنظيم “القاعدة” عليها، وأصبحوا تحت رحمتهم! فقد منعوا ذلك الصيف شرب الماء البارد، وبيع قوالب الثلج، لأن “الرسول” لم يكن في عصره ثلج، ولا يشرب الناس الماء المثلج!! فاضطر أهالي الفلوجة إلى شرب الماء من دون الثلج في قيض الصيف، حيث تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية، كما منع أكل السلاطة المكونة من الطماطة والخيار، لأن الخيار يرمز إلى الذكر والطماطة إلى الأنثى، وبالطبع منع في الأعياد بيع وشراء البقلاوة والمعجنات من الكعك والكيك، لأن مثل هذه الحلوى لم تتواجد في عصر الرسول! لكنهم كانوا يستعملون “الخليوي في عملياتهم الإرهابية، والإنترنت” التي – لى ما يظهر في مخيلتهم، كانت موجودة في عصر الرسول-! كما أخبرني أن عدداً من أقربائه قد قتلوا أثناء تلك الحرب الطاحنة بين تنظيم “القاعدة” والجيش الأمريكي، فقد كان الناس الأبرياء من المدنيين هم الضحية في هذه الحرب.
أما “الحماية الثاني” فقد حدثني عن الحرب العراقية الإيرانية، حيث قضى خمسة أعوام عندما كان شاباً صغيراً في الجيش. وكان الجيش العراقي يقاتل قتالاً مستميتاً، لا لأنهم أبطال – كما أخبرني- بل لأن الحرس الجمهوري كان خلفهم، وكل من يتلكأ يقتل حالاً، فهم في جميع الحالات معرضين للقتل إن كان من الجهة العراقية أو الإيرانية! كما تحدث عن القتل لدرجة الإبادة، خلال تلك المعارك الضارية التي نشبت بين الجيشين، حيث كان القصف الشديد المتواصل يقلب النهار إلى ليل، وكانت السماء مخنوقة بغمام القتل والدمار، والأجساد والرؤوس تتدحرج في اندفاع إلى الأرض التي تحتضن دماءهم، والأشلاء تتطاير فوق نهر شط العرب، وبين أزيز الرصاص، كان الجيش العراقي يعبر على الجثث التي أصبحت جسراً محطماً على ذلك النهر الضائع بين البلدين!! كانت تتعالى ضحكاته بين الفينة والفينة، عندما كان يحدثني عن تلك المآسي التي مرت عليه، تخفيفاً من شدة ألم تلك الذكريات، والتي أصبحت جزءاً من تاريخ العراق، الملطخ بالدماء!
طال الانتظار، وفرغت قاعة المطار من المسافرين تقريباً، ولم يبق في المطار، إلا المسافرون الذين حجزوا على طائرة “بساط الريح”. ذهبت إلى الاستعلامات في الساعة السادسة والنصف، بعد انتظار دام أكثر من سبع ساعات، وسألته عن موعد هبوط طائرة “بساط الريح” إلى بيروت؟ قال لي أختي: “ما عندنا أية معلومات عن هذه الطائرة، لكن سأحاول الاتصال ببرج المراقبة، بعد أن علم أنني لم أزر بغداد منذ ربع قرن، وأضاف: إذا كان المسئول في البرج عراقي، فباستطاعتي أن أسأله وإن كان أمريكي، سأغلق التلفون حالاً”، وما أن اتصل حتى أغلق التلفون حالاً، وحاول ثانية وعاد إلى غلق التلفون!! قال أختي: “هؤلاء الأمريكان ليس باستطاعتنا التكلم معهم؟ لأن برج المراقبة تحت سيطرتهم، ووجود العراقيين كمساعدين فقط، ولا يعلنون عن هبوط الطائرة إلا قبل خمسة دقائق، محافظة على سلامة الركاب”، ثم انتقل إلى موضوع آخر يتعلق بصحته، قائلاً: إنني أشكو من أمراض القلب، “هل استطيع أن أتداوى في لندن بعد أن عرف أنني أسكن لندن؟” قلت: لما لا تستشير أخصائي بأمراض القلب في بغداد؟ أجاب: “أختي 18 ألف طبيب تركوا العراق، منين أكو أخصائيين؟” تألمت عندما أجابني من أن العقول هاجرت من العراق، صحيح إن هجرة العقول زادت الآن، ولكن هجرة العقول بدأت بصيغة مكثفة منذ ثلاثة عقود، عندما استلم صدام حسين وعائلته السلطة! ثم أضاف قائلا، وكأنه يتشكى من الحياة بلغة موجعة: “البناء يعود والحدايق تنزرع والأشجار تكبر، لكن شلون ترجع الأخلاق عندما تضيع؟” وضحك، قائلا: لا اعتقد انك ستعودين إلى زيارة العراق إلا بعد خمسين سنة على هذه التجربة! ضحكت وشكرته على مساعدته لي، لكنها ضحكة يشوبها الألم والمرارة.
في الساعة السابعة مساء، وبعد مرور ثماني ساعات على موعد إقلاع الطائرة، أعلن لأول مرة عن تأخير الطائرة، بسبب سوء الأحوال الجوية في بغداد، فاستغرب جميع المسافرين من هذا الإعلان! فجميع الطائرات العراقية قد أقلعت ذلك النهار من المطار، لأن الأحوال الجوية كانت اعتيادية. ولكن يظهر أن طائرة “بساط الريح” لا تمت بصلة إلى اسمها، “فبساط الريح” في عصر السندباد، كان يجابه العواصف والرياح ويقهرها بالتغلب عليها.
وشاءت الصدف أن أحد الوزراء العراقيين، قد حُجز له على متن هذه الطائرة مع مدراء وزارته إلى بيروت في مهمة رسمية، فأجبر طاقم الطائرة على الإقلاع من مطار بيروت إلى بغداد، فهبطت “رغم سوء الأحوال الجوية!” المفترضة، وبذلك نجينا من العودة إلى بغداد والتفتيش للمرة الثالثة!
أقلعت الطائرة، وتوارت بغداد عن ناظري، لكنها تركت في نفسي عواطف وجروح، فقد رجعت من بغداد أحمل ألواناً من الكآبة وظلالاً من الوحشة، ولكن لابد أن تنبعث ثانية أشعة الحياة بدفئها وتذيب جليد بغداد المعتم!