الرئيسية » مقالات » الى أصدقائي الشيوعيين مع أطيب التمنيات

الى أصدقائي الشيوعيين مع أطيب التمنيات

بعد ثلاثة عقود من الهجرة القسرية، وأثر السقوط المدوي للدكتاتورية الفاشية، تحقق حلمي بأن أرى بغداد ثانية، فعدت اليها مسرعاً لأجدها منهكة.. حزينة، معفرة بتراب حروب البعث الخائبة، مصلوبة فوق نصب الحرية.. تقطر ظفائرها دمآ، وحولها يدور الفقراء حيرى بعيون أثقلتها الخيبات وبجلود شققتها سياط القعقاع إبن يوسف التكريتي، الذي راح يعد لنفسه حفرة آمنة في البيداء.. رأيت الغرباء ينعقون كالغربان خلف المتاريس.. الظلام والعطش يجللان المدينة، فلا ماء فيها ولا كهرباء، سوى دجلة متحدياً في جريانه كل شيء، وسوى الروح العراقية وما فيها من العشق والحب ما قتل .
سألت أخي الأصغر، الذي دخل بغداد من الشام قبلي، أن يدلني الطريق الى بيتنا القديم في مدينة الثورة – حي الأكراد .. كان الحي مكتظآ وقد ضاقت شوارعه وتغيرت معالمه، دنوت من رجل يفترش الارض قبالة دكان بائس، وسألته، بالله عليك ياطيب، أما أخبرتنا ما إذا كانت لهذا البيت فيما مضى حديقة صغيرة ملحقة به أم لا ؟
رفع الرجل رأسه الينا ونظر في وجهينا متفرساً ثم قال: ألست أنت جاسم أبن الحاج محمد حافظ الساعدي! ذهلت لهذه الذاكرة الحية، كضمائر الفقراء، وتراجعت خطوة الى الوراء وأنا أبادل أخي نظرات إستغراب خاطفة، وبادرته متسائلآ:
ـ نعم ولكن كيف تسنى لك أن تعرفني بعد كل هذه السنين؟
هز الرجل المتعب رأسه معاتبآ بصمت، وولج باب الدكان ليقدم لنا منه شئ، وقبل أن يسرد لنا بزهو حكايات فتية اليسار يوم كانوا ينثرون الامل في أزقة وقلوب الكادحين، راح يصرخ والناس تحتشد من حولنا:
ـ ألم أقل لكم بأنهم سيعودون .. ألم أقل لكم بإن الشيوعيين لن يتركوا وطنهم وسيعودون اليه يومآ.
شكرت شيخي الجميل، الذي لم يكن سوى الولد البكر لجارنا الزيدي، على وفائه الكبير هذا، ورحت أتذكر معه أولئك الفتية الذين إجترحوا تلك المآثر من أجل وطن حر وشعب سعيد، فعلموا الزمان والدنيا معنى أن يكون المرء إنساناً ووطنياً وصلباً كالعزيمة. رحت أتذكر عشرات الأصدقاء ممن منحوا الوطن أرواحهم وممن صمدوا في الزنازين واقبية التعذيب الهمجي، ممن خاضوا مياه الأهوار وسقوا بالدم قمم جبال كردستان..
وقطع جاري تلك الذكريات بسؤال كبير: ماذا ستعملون الأن؟
عزَ علي أن أخبره بأني بت مثله صديقآ صدوقآ لهؤلاء الطيبين، وأني غير نادم على ذلك. وتركته على أمل لقاء.. سرت عائداً من الزقاق وأنا أستعيد في سري سؤالاً طرحته على السيد حميد مجيد موسى – الذي أكن له كل الاحترام – في ندوة له في السويد غداة أنتخابه سكرتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، عما إذا كان ورفاقه مؤهلون لإعادة اللحمة بين الحزب الشيوعي العراقي و بين الطبقة العاملة العراقية وعموم كادحي بلادي؟ وتذكرت بأن السؤال ما زال قائماً، بل صار ملحاً مع تغير الأحوال.. والغريب أني أراه حيوياً رغم مرور خمس سنوات على التغيير!
ورغم أني أقر بأن الوضع معقد وخطير، والقتلة يكمنون للناس الطيبين في كل الزوايا ، وأنا لست في قلب المعركة الآن – بل خضت أقسى منها أيام خلت – فأن الشيوعيين مطالبون بالأجابة على هذا التساؤل وتبرير ثقة الكادحين بهم ، فلا يقدر كما أعتقد أي متابع منصف وحيادي لشؤون الحركة السياسية الوطنية العراقية، منذ عشرينات القرن الماضي أن يقفز على الدور المحوري الذي لعبه الحزب الشيوعي العراقي، وعلى قدراتة الكبيرة في إستيعاب الظروف الموضوعية، المحلية والدولية لتحديد السياسات الوطنية الملآئمة والواقعية،التي ينبغي إنتهاجها، وكذا أساليب تشكيل وصياغة ونشر الافكار التقدمية بين أوساط مختلف الشرائح الأجتماعية وخاصة الكادحين منهم، فضلاً عن أن أجيال رفاق هذا الحزب طالما عبروا مسالك وعرة ودهاليزمظلمة وسجلوا دروساً في الشجاعة المبدئية ورسموا لشعبهم محطات مضيئة، شكلت منعطفات تأريخية كبيرة في الحياة السياسية المعاصرة لبلادنا ، وليس أدل على ذلك التمهيد لثورة 14 تموز الوطنية ومساندتها.
وبديهي أن يكسبهم هذا السفر النضالي المجيد خبرة نضالية كبيرة، يجب أن تجد اليوم طريقها الى الساحة السياسية، لا عبر تأثير خجول على الجماهيرالغفيرة، بل في التصدي للأستقطاب الطائفي والخطاب الرجعي المعادي للديمقراطية والتقدم، في المشاركة بالعملية السياسية من بوابة توعية الناس وتعبئتهم وقيادة كفاحاتهم وتبني مصالحهم المشروعة، لا في العمل العلني بمقرات ومنظمات لا تغني ولا تسمن عن جوع!
ولعلي لن أجافي الحقيقة حين ازعم أمتلاك الحزب لأفئدة الجماهير الصامتة التي تتطلع اليه كي يكسر الطوق المفروض عليه، ولا يأمن للبرجوازية ووعودها المعسولة التي تريد أن تخضع بالتدريج الدولة لنفوذها، حيث ستصبح الديمقراطية عندها من زاد الزنادقة. إن الأغلبية الصامتة من عشاق الحرية والمساواة والتواقين الى بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، سيحتضنون الحزب وسيدافعون عنه إن وجد إليهم سبيلآ، فالبيئة خصبة والناس محبطون والصراع على شكل أعادة بناء الدولة لايحل بالمجاملات، والكفاح ضد التخبط والغموض في البرامج الاقتصادية والإجتماعية سبيل لمواجهة التخلف، والزمن عنصر كلفة باهض، وزمام المبادرة تعصف فيه الريح والدولارات الأمريكية، فماذا تنتظرون؟
إن هذا قدركم أصدقائي، أيها الشيوعيون الطيبون، وهو بهذا ليس خياراً أو بطرا، ودروس التاريخ لن ترحم أحدا، وكل عام وأنتم بخير.